عندما نسمع صوت فيروز صباحاً، ورائحة الشاي تدفئ هواء الغرفة، نعرف أن موعد الاستيقاظ قد أزف، فننهض لا يعيقنا ويكبلنا حاجز البرد أو الكسل، لأن ذاك الصوت الشجي الصادح بوقع ترددات عذبة، يتغلغل في حنايانا عميقاً، فيدب فينا نشاط الصباح لنواجه حتى شدة وقسر أجواء الشتاء، ولحظة سماع شارة الأخبار نتحفز للتحرك فهو موعد الانطلاق إلى المدرسة. هكذا يمكن أن نلخص ونجمل لذة بل متعة برنامجنا اليومي مع المذياع القديم المعلق عالياً على الحائط كتحفة فنية غالية.
من منا ليس له ذكريات مع المذياع ؟ ومن منا لم تعبث أصابعه فيه لتبحث عن أغنية أو خبر أو موسيقى في البيت أو في السيارة؟ هنا ومع تمعننا في الإجابة والبحث عن طقوس التطور الإعلامي الملحوظ بمختلف أشكاله في القرن الحالي، سنتثبت وبشكل جلي من أن دور الإذاعة لم يلغ كوسيلة فاعلة ومحببة لدى الكثيرين. وذلك دون أن ننسى طبعاً دورها الحيوي في توعية وترفيه الشعوب، فحتى مع تراجعها من المركز الأول إلى الثالث بعد التلفزيون والإنترنت، تبقى إحدى أبرز الوسائل الترفيهية والإعلامية واسعة الانتشار التي تعنى بشكل أساسي بمخاطبة المستمعين من شتى الأعمار ومختلف الشرائح والفئات المتباينة في ثقافتها ومستوياتها التعليمية.
«نصف قطر» كلمة إذاعة مشتقة من الفعل أذاع ( أي نشر الخبر)، وتسمى أيضاً (الراديو) وهي كلمة لاتينية (راديوس) تعني نصف قطر، وتنطبق هذه التسمية على الإرسال الإذاعي، حيث تبث الموجات الصوتية عبر الأثير على هيئة دوائر، ونجد راهنا في ظل غنى أشكال التطوير والمنافسة والحضور المتجدد للإذاعة، بروز أنواع متعددة ومتفرعة من الإذاعات، فإلى جانب الحكومي منها، هناك الأهلي، وأيضاً الحزبي التابع لحزب ما أو فكر معين.
ومنها أيضاً الفني، ومؤخراً بدأ بروز الانتشار الواسع تدريجياً للإسلامي منها ضمن الكثير من الدول العربية كالسعودية والإمارات، ويذكر أن أول إذاعة إسلامية هي إذاعة القرآن الكريم في مصر. أرضية التجهيزات وآليات العمل تمثل محطات البث الإذاعي منطلق وأرضية العملية في هذا الصدد، حيث تقع عادة في مبانٍ تضم العديد من المكاتب، ويعد مبنى الاستوديو الأكثر أهمية بينها كونه بؤرة ومركز إذاعة البرامج.
لذا يشترط توافر مميزات ومواصفات خاصة في غرفة الاستوديو تكون معها مغلفة بمواد عازلة لمنع تسرب الأصوات والضجيج الخارجي إليها، غاية منع أية درجة تأثير في مستوى جودة البرامج المذاعة.
وبطبيعة الحال يتألف الاستوديو من جزأين منفصلين هما غرفة المراقبة والتحكم، وقاعة الاستوديو الرئيسة التي ينجز المؤدون مهامهم وأعمالهم فيها. ويحوي الجزء الأول (غرفة المراقبة والتحكم) أجهزة البث ولوحة التحكم المكونة من مجموعة أجهزة تفي بغرض تنظيم وتوزيع الأصوات.
كما يفصل بينه وبين قاعة التسجيل الرئيسة، حائط تتوسطه نافذة كبيرة تتيح للعاملين في قاعة الاستوديو رؤية بعضهم بعضًا، وبذا فإن هيكلية وآلية إنجاز البرامج تترجم بماهية مدروسة، تسجل وتعد بمقتضاها بعض أنشطة البرامج (مثل البث الموسيقي)، ضمن غرفة التحكم غالباً، وأحياناً في قاعة الاستوديو الرئيسة.
فعلياً هناك بنية تكوين متكاملة للبرامج التي تبث على الهواء (مباشر)، تشمل جزئيات أعمال متنوعة وهي: كتابة النص، إعلان البرامج وقراءتها، التحكم في أجهزة البث.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه يمكن للمذيع نفسه، في المحطات الإذاعية الصغيرة، أن يكتب البرامج ويعلنها، طبعاً إلى جانب تقديمه للموسيقى المسجلة وتشغيل أجهزة التحكم، إلا أن الأمر مختلف بشأن المحطات الكبيرة.
حيث تضم كادر عمل كبيراً تتوزع وتتحدد معه آليات المهام والمسؤوليات ليتخصص بعضهم في إعداد البرامج بما في ذلك كتابة الأخبار والمنوعات المختلفة، فيتسنى للمذيع بناء عليه التفرغ لقراءة البرامج أو التعليق عليها.
ولا شك أن الانتشار الواسع للحواسيب أحدث في صميم هذه العملية بعض التغييرات والتطويرات، فأصبحت النسبة الغالبة محطات الإذاعة تعمل بطريقة أوتوماتيكية، تؤدي خلالها الحواسيب مجموعة مهام كانت تحتاج سابقاً إلى كادر عمل بشري متخصص، مثل تشغيل الأجهزة وتسجيل البرامج وإرسال فواتير قسم الإعلانات إلى المعلنين، وفي بعض الأحيان تشغيل لوحة التحكم.
الراديو يتربع على عرش التفوق بين مختلف أجهزة الاتصال
أدى تطور الراديو في أواخر القرن التاسع عشر إلى ثورة في الاتصالات. ففي ذلك الوقت لم يكن هناك سوى وسيلتين للاتصال السريع بين المناطق البعيدة، هما: البرق والهاتف، وكلاهما يحتاج أسلاكاً لحمل الإشارات بين المناطق المختلفة، بينما تنتقل الإشارات التي تحملها موجات الراديو من خلال الهواء، ما أتاح أمام المجتمعات البشرية القدرة على الاتصال بسرعة بين أي نقطتين على الأرض أو في البحر أو في الجو والفضاء.
أنتج البث الإذاعي الذي بدأ بشكل واسع خلال عشرينات القرن الميلادي الماضي، تحولات رئيسة في الحياة اليومية للناس، وجلب تنوعاً كبيراً في طرق التسلية داخل المنزل، فبات باستطاعة الأفراد في مختلف المجتمعات الاطلاع على تطور الأحداث أثناء حدوثها أو بعده بشكل مباشر، بينما هم في منازلهم أو في أماكن عملهم أو ترفيههم.
كما كان البث الإذاعي وما يزال يمثل الاستخدام الأكثر شيوعاً لموجات الراديو، مشتملاً على البرامج الدينية، والموسيقى، والأخبار، والحوار، والمقابلات، ووصف الأحداث الرياضية والفنية، بالإضافة إلى الإعلانات التجارية.
ولا ننفك نجد الأشخاص يستيقظون على أثيره ويقودون سياراتهم متجهين إلى العمل وهم يستمعون إليه، ويشاركون أحياناً في البرامج الإذاعية عبر البث المباشر لشتى المحطات باستخدام هواتفهم النقالة، عارضين مشكلاتهم ومبدين آرائهم.
بريق خاص
لعب البث الإذاعي في الماضي الدور نفسه الذي يلعبه التلفاز في وقتنا الراهن من حيث تسلية الناس وإمتاعهم، وهذه الفترة، التي تدعى في بعض الأحيان بالعصر الذهبي للبث الإذاعي، انتهت في معظم المجتمعات الغربية مع بدء تألق التلفزيون وانتشاره.
إذ كانت تتجمع ملايين العائلات في أميركا وأستراليا وأوروبا خلال فترة العشرينات وحتى بداية الخمسينات من القرن العشرين، حول أجهزة المذياع في كل ليلة، لتستمع إلى التمثيليات والبرامج المرحة الخفيفة وبرامج المنوعات والبث المباشر للحفلات الموسيقية، والعديد من البرامج المنوعة الأخرى. لكن الراديو بقي يحتفظ عملياً بدور وأهمية خاصين بفعل استخداماته وفوائده الأخرى التي يتفرد بها، فبالإضافة إلى البث الإذاعي.
فإن الطيارين ورواد الفضاء وعمال البناء ورجال الشرطة والفلاحين والبحارة والجنود وسائقي سيارات الأجرة، يستخدمون الراديو في الاتصالات السريعة، كما يرسل العلماء موجات الراديو إلى الجو للاستعلام عن الطقس.
وأيضاً ترسل شركات الهاتف والبرق الرسائل بوساطة الراديو، وباستخدام خطوط الهاتف والبرق، علاوة على تشغيل هواة الراديو لمحطات استقبال وبث خاصة بهم.
مواصفات حصرية أكسبتها شعبية خاصة
انتشرت أجهزة المذياع في كل المنازل بكافة أحجامها وبمعدل جهاز لكل فرد تقريباً، والسبب الرئيس في هذا الانتشار الواسع لأجهزة المذياع، يرجع إلى كونها محمولة، ويستطيع الناس نقلها من مكان إلى آخر بسهولة، وبينما تحفظ بعض أجهزة الراديو كبيرة الحجم، والتي تعمل بالكهرباء، في المنازل غالباً.
وهناك ملايين الأجهزة صغيرة الحجم تشغل بالبطاريات الجافة يمكن حملها إلى أي مكان يريده صاحبها، حتى إنه أصبحت تتوافر أجهزة صغيرة جداً بإمكاننا حملها في الجيوب.
وأضيف الراديو أيضاً إلى تقنيات الهاتف النقال، وبذا فإن الناس يستطيعون الاستماع إلى هذه الأجهزة في أي مكان تقريباً وبالكيفية التي يختارونها، مثل المنازل والحدائق والشواطئ والرحلات وأماكن النزهة. دون أن ننسى طبعاً الاستخدام الواسع لأجهزة المذياع مؤخراً في وسائل النقل المختلفة، متيحة الاستماع إليها في أي وقت كان.
تسلية ومنوعات وثقافة ودين وسياسة
تختلف البرامج الإذاعية من بلد إلى آخر، ولكنها توقر التسلية والمعرفة عموماً، حيث تشكل برامج المنوعات نسبة 90% منها، وتخصص ال10 المتبقية للمواد الثقافية المتنوعة. أما البرامج الدينية في الإذاعات العربية فهي تحتل حيزاً كبيراً بين برامجها المختلفة متضمنة تلاوة القرآن الكريم وتفسيره وتقديم برامج إسلامية متنوعة.
كما تتموضع الإعلانات كجزء من البرامج المذاعة فتغطى ضمن أو خارج أوقات البرامج المختلفة في ما يخص المحطات التجارية، إلا أن بعض المحطات غير التجارية، مثل هيئة الإذاعة البريطانية، لا تبث أي نوع من الإعلانات، عدا تلك الخاصة ببرامجها.
ويلعب مذيعو ومقدمو الموسيقى لدى المحطات، دوراً محورياً في استقطاب وجذب المستمعين إليها عبر تقديمهم للموسيقى والتعليق عليها، لذلك نجد أن معظم محطات الراديو تسعى إلى توظيف مُعلقين يتسمون بشخصية مميزة وأسلوب جاذب شيق يفي بغرض قدرتهم على استقطاب المستمع في أي مكان.
وينطبق هذا الحال على نوعية البرامج الخاصة بالمعلومات والأخبار والأحداث العالمية والمقابلات الإذاعية والنقل المباشر للأحداث الرياضية. وبخصوص نشرات الأخبار في المحطات الإذاعية، فهي تبث في أوقات محددة طبقاً لرؤيتها ونهجها، فمنها ما يقدم نشرات على رأس الساعة، وأخرى بمعدل كل نصف ساعة.
وجدير بالذكر هنا أنه يوجد عدد قليل من الإذاعات تختص فقط بتقديم الأخبار للمهتمين (جمهور محدد من المستمعين)، كما تنقل المحطات بمختلف أنواعها في بعض الدول جلسات المجالس التشريعية نقلاً مباشراً.
ومن ضمن البرامج الإذاعية هناك أيضاً تغطيات مباشرة للأحداث الخاصة، مثل الانتخابات العامة، أو افتتاح المجالس التشريعية وأخبار الطقس وحركة المرور وسوق البورصة وأخبار الزراعة. كما يعنى جزء آخر متخصص من البرامج، بمواكبة ورصد أحداث المجتمع ونشاطات السكان وخدمات الدولة.
مذيعون ومقابلات وفنون جذب
تناقش المقابلات الإذاعية موضوعات متعددة تغطي الجوانب الحياتية المجتمعية، حيث تتفاوت موضوعات هذه المقابلات بين السياسية المعاشة، مثل معالجة الانتخابات وقضايا الدولة التي تهم المواطنين، والموضوعات الاجتماعية المتفرقة كالجريمة، أو التلوث، أو الفقر، أو العنصرية، أو التمييز بين الجنسين، ويتولى أحد المذيعين أو المذيعات، مهام إجراء المقابلات والتحكم في إدارتها.
ويتيح العديد من مقدمي هذه البرامج الفرصة للمستمعين للمشاركة في النقاش عبر هواتف الإذاعة، من خلال طرح أسئلتهم، أو إبداء وجهات نظرهم.
إذ تُدعى مثل هذه البرامج «المخاطبات الهاتفية »، ولا ريب في أن البرامج الرياضية تحظى كحال البرامج الإخبارية، باهتمام خاص، حيث يحاول المعلّقون الرياضيون نقل الأحداث المميزة إلى المستمعين. وتُسمى الأحداث الرياضية التي ينقلها المذيعون نقلاً مباشراً «التعليقات».
واللافت أن المحطات الإذاعية أخذت تتبنى تغييرات واسعة في طبيعة وأطر برامجها في خضم استعار التنافس بينها لجذب المستمعين، فأخذ بعضها يتعمد إحداث وابتكار برامج محددة تلبي رغبات واهتمامات قطاع معين من المستمعين، ومثالنا هنا المحطات التي تبث موسيقى «البوب» لجذب شريحة المراهقين وصغار السن من المستمعين.
العديد من المحطات الإذاعية باتت تستخدم نظاماً رقمياً تبث بمقتضاه البرامج والمواد الإخبارية المسجلة مسبقاً، بوساطة أقراص مدمجة عوضاً عن الشرائط، ما ينتج نوعية جيدة من الأصوات.
وكان استخدام الأقراص المدمجة في بث الموسيقى متاحاً، وواسع الانتشار، لسنوات عديدة، ولكن استخدام التقنية الرقمية وبرامج الأحداث الجارية، حديث إلى حد ما، أضفى تغير طريقة إعداد البرامج ، إذ من الممكن مثلاً أن يشتمل برنامج يتناول أحدث ما توصل إليه علم الطب، على عشر مقابلات تسجل بأوقات منفصلة وفي أماكن مختلفة.
وذلك على شريط واحد، لتجري بعدها عملية تحرير النصوص والمقابلات رقمياً على شاشة حاسوب، خلافاً للطريقة التقليدية التي تحتاج إلى عمليات مركبة، منها قطع الشريط بشفرة لإضافة التعليقات والموسيقى، ومن ثم وضعها معاً في قرص مدمج جاهز للبث.
ولا جدال في كون تجهيز وإعداد برامج الأعمال التمثيلية أو المسلسلات الدرامية عادة، أصعب من البرامج الموسيقية، حيث يركز المعد على تحضير وإنجاز النص بحلقاته الكوميدية أو المأساوية، ثم يقود المخرج الممثلين والممثلات، فيقفون أمام الميكروفونات لقراءة أدوارهم وفق نمط و آلية مدروسة.
وربما يترافق هذا الأمر مع تقديم أحد المذيعين لبداية ونهاية العمل، وفق شارة محددة تخصص له، وهذا طبعاً إلى جانب قيام خبراء الصوت بإضافة المؤثرات الصوتية المختلفة، مثل صوت الرعد، وفتح الأبواب، وصهيل الخيول وغيرها.
وبالمقابل فإن الفرق الموسيقية تعزف مقطوعات تُنقل مباشرة إلى المستمعين، وتقدم بعض العروض الإذاعية في قاعات تسجيل تشبه المسرح أمام الجمهور، إلا أن البرامج في وقتنا الراهن، لا تستدعي هذا التنوع في طرائق الإنتاج، نظراً للاهتمام الواسع بالموسيقى والمقابلات الإذاعية والأخبار المتنوعة.
إذاعة واحدة بلغات مختلفة
هناك مجموعة من الإذاعات لا تقتصر على لغتها السائدة فقط في برامج البث، فهيئة الإذاعة البريطانية العالمية مثلاً، لا تبث باللغة الإنجليزية حصرياً، بل تتعدّى ذلك إلى لغات أخرى كالروسية والعربية والفرنسية والألمانية، وتشابهها في هذا النمط العديد من المحطات الأخرى مثل:
صوت أميركا وإذاعة موسكو وإذاعة بكين وإذاعة الرياض وإذاعة القاهرة، وإذاعة عمان، وإذاعة أم درمان، وتحرص معظم محطات الموجات القصيرة على أن تبث بالعديد من الترددات والنطاقات الترددية في الوقت ذاته، لتضمن استقبالاً مؤكداً من قبل مستمعيها في أنحاء العالم كافة، حيث يستطيع المستمع في أوروبا، على سبيل المثال، التقاط محطة أميركية قصيرة الموجة صباحاً، وبشكل واضح.
حكومية وتجارية.. مسموع وغير مسموح
يوجد نوعان من المحطات الإذاعية، أولهما إذاعة الخدمة العامة التي تمولها الحكومة في العادة، مع إمكانية أن تتضمن أو تتلقى عروض إعلانات؛ وثانياً الإذاعة التجارية، المملوكة لشركات خاصة.
وهي تجني غالباً أرباحاً طائلة من مردود الإعلانات. كما تمول بعض الدول محطات إذاعية غير ربحية توجه عادة إلى الأقليات أو ذوي الاهتمامات الخاصة.
وبطبيعة الحال يختلف تنظيم البث الإذاعي من بلد لآخر. ففي الولايات المتحدة الأميركية، يوجد أكثر من 000, 10 محطة تجارية، ذات ملكية خاصة، كما يوجد في أستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا وأغلب الدول الأوروبية محطات تجارية وغير تجارية. بينما لا يسمح بمثل هذا النوع من المحطات الإذاعية في بلدان أخرى مثل الهند وماليزيا.
«أوبرات الصابون» وخطب تشرشل توثق عصرها الذهبي
دامت هذه الفترة من أواخر عشرينات القرن الماضي حتى بداية الخمسينات منه، حيث شكل المذياع خلالها المصدر الرئيس لتسلية الجمهور.
وكانت العائلات تجتمع أثناء وقت البث لمتابعة البرامج الفكاهية والموسيقى وأنواع عديدة أخرى من البرامج الإذاعية، كما استمتع الأطفال طوال تلك المرحلة بالبرامج الإذاعية المخصصة لهم، فكانوا يسابقون الوقت ويهرعون من مدرستهم للتمركز بجانب المذياع، وكذا الحال بالنسبة للنساء مع متابعتهن، أثناء النهار، مجموعة مسرحيات أطلق عليها في الولايات المتحدة اسم «أوبرات الصابون»، لأنها كانت مدعومة من الشركات المنتجة للصابون.
وأفرزت البرامج الفكاهية آنذاك العديد من مشاهير الكوميديا، أمثال جورج بيرنز، وجراسيي ألين، وجاك بني، وبوب هوب في الولايات المتحدة الأميركية، وآرثر أسكي، وتومي هاندلي في بريطانيا، وازداد، في الوقت نفسه، جمهور المستمعين الذين جذبتهم أنباء الحرب أثناء الأربعينات، وخطب قادة الحلفاء أمثال ونستون تشرتشل.
كما أدخل المذياع في تلك المرحلة، الموسيقى بجميع أنواعها إلى المنازل (الكلاسيكية ، موسيقى الجاز)، ونالت مسلسلات إذاعية مثل «رماة السهم»، الذي مازال يذاع في بريطانيا منذ 40 سنة، شعبية واسعة، كما كانت هناك أيضاً برامج حوارية شهيرة، مثل «مسؤولية العقول»، وبرامج المسابقات.
هاجس أنتج التنوع والحيوية
تطورت برامج المذياع اليوم لتجدي بقوة جذبها، استقطاب المزيد من المستمعين بعد غزو التلفزيون والإنترنت، فشملت مع هذه الأجندات المحسنة والمطورة، المقابلات الإذاعية والمكالمات الهاتفية، وبرز نوع متخصص دقيق يعنى بإذاعة الأخبار حصرياً.
حيث اتسم هذا النوع بتوخي الاقتداء بمنهج الحيوية والعمق والشمول في مواكبة وتغطية الأحداث، ووصل الأمر في تعدد تفريعات أنواع الإذاعات، حدوداً كبيرة، أصبح يتوافر معها في بعض الدول الصناعية راهناً، محطات متخصصة بخدمة مجموعة معينة من الناس، أو بث نوع واحد من الموسيقى.
البث الإذاعي العربي
يعود تاريخ الإذاعة العربية إلى سنوات بعيدة، حيث كانت مقصورة آنذاك، وفي الغالب، على موجة أو موجتين، واتخذت منهجاً ثابتاً من اللحظات الأولى في انطلاقتها، ولكن البث الإذاعي العربي شهد في السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً، فخصصت بعض الحكومات محطات لإذاعة تلاوة القرآن الكريم وتفسيره وتقديم البرامج الإسلامية المتنوعة.
وعملياً تخضع خدمة البث الإذاعي العربي لإشراف الحكومات العربية في تشغيلها وإدارتها ومتابعتها، وهو يتنوع مشتملًا على الأخبار، والقرآن الكريم، والبرامج الترفيهية، والثقافية، والتعليمية، والرياضية، وتنمية البيئة والمجتمع، الأمر الذي جعله يمتلك شخصيته المستقلة. وهذا طبعاً إضافة إلى البث باللغات الأجنبية لجذب المزيد من المستمعين من الجاليات الأجنبية.
أصوات خالدة في صدى الإذاعة
من أجمل الأصوات، والتي مازالت تحظى بجمهور وفير، صوت الفنانة فيروز التي تحرص معظم الإذاعات على بث أغانيها صباحاً لمدة طويلة، وكانت أول أغنية بثتها الإذاعة اللبنانية للمطربة فيروز عام 1950 (تركت قلبي وطاوعت حبك)،.
وهي من تلحين حليم الرومي، ثم أغنية (عتاب) عام 1957م، التي لحنها الأخوان رحباني، فولجا عبرها باب الشهرة الواسعة في العالم العربي، إذ سارعت الإذاعات العربية لتقديمهما وبث أعمالهما مع فيروز، ومنها خاصة محطة إذاعة دمشق في سوريا، وإذاعة صوت العرب المصرية.أما كوكب الشرق المطربة المصرية أم كلثوم، فقد دعتها الإذاعة المصرية للمشاركة فى افتتاح الإذاعة بصوتها عام 1934.
وفي العام نفسه بدأ تنظيم حفلات شهرية لها استمرت كتقليد راسخ مدة 40 عاماً (حتى عام 1973)، لاقت تلك الحفلات على مدارها، نجاحاً كبيراً، استقطب الجمهور من جميع البلاد العربية، وكان فضل الإذاعة كبيراً على أم كلثوم، كونها ظلت تنقل حفلاتها الشهرية مباشرة على الهواء في الخميس الأول من كل شهر ليسمعها ملايين العرب في كل مكان.
قصة عشق الإذاعة والمقاهي تعقلها رقابة وزارات المالية
احتل المذياع مكان الحكواتي في المقاهي القديمة، وتوازى ذلك مع تموضعها كملتقى للمثقفين والسياسيين (خاصة في فترات الحروب)، فانهال عليها الأدباء والشعراء وأصبحت بمثابة مراكز ثقافية واجتماعية ودينية، ومعه عمدت بعض المقاهي إلى استخدام راديو كبير يربط بسلك على سماعة تليفون ومكبر للصوت، تذاع بوساطته أغان وموسيقى وتلاوة للقرآن الكريم.
وبموازاة هذا لم تكن وزارات المالية في بعض البلدان العربية على حياد أو بعيدة عن التدخل والمراقبة، إزاء هذا التطور والشهرة والشعبية للإذاعة، فأصرت أن تعترض على عدم وجود تخصيصات مالية لازمة لرواتب العاملين في الإذاعة، وفرضت بمقتضى ذلك رسماً سمي برسم الراديو، يؤخذ من أصحاب المقاهي والمحال والبيوت التي تضع جهاز راديو ظاهراً للعيان أو مسموعاً،.
وهكذا نشأ جيش من الجباة بزي موحد يجوبون المقاهي والمحال ويطرقون أبواب البيوت ويتنصتون من خلف الشبابيك، وكم من مرة نالوا عقابهم برمي الماء عليهم أو رمي النفايات فوق رؤوسهم، ومن محصلة هذه الجباية كانت تدفع أجور العاملين في الإذاعة من محاضرين وكتّاب وموسيقيين ومطربين وغيرهم.
الإذاعة المدرسية بين صقل شخصية الطلبة والنمطية
يوضح أحد الاستبيانات عن الإذاعة المدرسية للطلبة في المدارس، تركز إجابة بعضهم على كونها مضجرة ومتكررة ولا تستدعي الاستماع إليها يومياً، لأنها أصبحت حكراً على توجيهات المدير وتأنيب المقصرين والمشاغبين.
وغدت محط إزعاج لجيران المدارس وعبئاً ثقيلاً على الطلاب، بسبب ما تأخذه من وقت وجهد وتحضير وإعداد وتدريب بالنسبة للفئة المحددة من الطلبة الذين توكل إليهم هذه المهمة الروتينية بشكل يومي وحصري، يستبعد معه بقية الطلبة. ويفسر الاستبيان عينه، أنها بالمقابل، ومن وجهة نظر بعض الطلبة والتربويين الآخرين، من أهم الأنشطة المدرسية التي تعلم الطالب الشجاعة .
والقدرة على الارتجال والخطابة، ومن ثم إبراز جميع كوامن الإبداع لديهم، دون إغفال الدور الذي تؤديه في خلق علاقات اجتماعية وإنسانية يمكن من خلالها، وبخطة استثمار وتوظيف محكم، تزويد الطلبة بالمعلومات والأخبار والمعارف بشؤون الدراسة، مع شرح وتبسيط وتفسير ألوان متمايزة من العلوم والمعارف.
الأمر المؤكد في هذا الخصوص أن الإذاعة المدرسية بمضمونها الصحيح، تكفل إكساب الأطفال مهارات الاتصال الإذاعي والتعبير عن أفكارهم والثقة في تفكيرهم وقدراتهم العقلية، حيث يعدون برامج ويعملون على تطويرها، وهي أيضاً تعودهم على البحث والاطلاع وتعرفهم بمصادر المعلومات والقدرة على التذوق.
البث الإذاعي
بدأ البث الإذاعي التجريبي نحو عام 1910، عندما قام لي دي فورست بنقل برنامج من مسرح غنائي في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية لنجم البرنامج المغني الشهير إنريكو كاروسو، ثم انطلقت خدمات البث الإذاعي في العديد من الدول في عشرينات القرن الماضي.
ومن المحطات التجارية الأولى محطة تجارية في مدينة «ديترويت» الأميركية بثت بشكل منتظم ابتداء من 20 أغسطس 1920، ومحطة بث إذاعية تجريبية في مدينة «بتسبرج» الأميركية سميت (كدكا)، والتي بدأت البث عام 1916، واشتهرت بنقل نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 1920.
وشكلت الفترة القصيرة، الواقعة قبل وبعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، ما اصطلح على تسميته بالعصر الذهبي للمذياع، حيث قدم ونقل العديد من أصوات المشاهير إلى المستمعين، وحازت الإذاعة وبرامجها آنذاك،.
وقبل أن تستحل التلفزة الساحة، شعبية كبيرة في كل من أميركا وأستراليا وأوروبا، هذا طبعاً علاوة على الدور السياسي الكبير الذي لعبته الإذاعة في تلك الآونة، ممثلة ببعض المحطات كهيئة الإذاعة البريطانية، التي بثت رسائل مشفرة إلى رجال مقاومة الاحتلال الألماني في أوروبا المحتلة.
ولا ينسى الناس في أوروبا هذا الدور والأهمية للإذاعة مع استذكارهم ـ وبشكل خاص الجمهور الإنجليزي ـ الاستماع إلى صوت العميل وليم جويس، المعروف باسم اللورد هاو ـ هاو، الذي استخدمه النازيون لبث معلومات خاطئة عن الحرب.
رباب محمد



