يناقش كتاب «الحركات والقوى الإسلامية في المجتمع الفلسطيني في لبنان: النشأة ، الأهداف ، الإنجازات» للباحث والكاتب الفلسطيني رأفت فهد مرة، والصادر مؤخراً عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، موضوع الحركات والقوى الإسلامية الفلسطينية ضمن لبنان، مثل:حماس والجهاد الإسلامي وحزب التحرير والحركة الإسلامية المجاهدة وعصبة الأنصار.
حيث يتناول وفق منوال صيغة تحليلية وافية ومشبعة، أهداف هذه الحركات وتاريخ نشأتها بالتوازي مع طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية التي واكبت ظهورها، ويستعرض في هذا السياق مراحل ومنحى تطور فكر واستراتيجيات عمل كل من هذه الحركات، إلى جانب مجموعة نقاط الضعف والقوة لديها، إضافة إلى ماهية التغيير والتطور في فكرها وآليات عملها بفعل عدة أحداث مرت بها، كالاجتياح الإسرائيلي للبنان والانتفاضة الأولى في فلسطين وغيرها من الأحداث الأخرى، ويذخر المؤلف أبحاث كتابه في هذه النقطة، من خلال عكس رصد شامل لمنوال وأشكال النشاطات الفكرية والدعوية والعسكرية الذي نفذته هذه القوى والحركات، وصولاً إلى طبيعة النتائج والأثر الذي تركه هذا في المخيمات الفلسطينية في لبنان والقضية الفلسطينية بوجه عام.
وفي تصويره لمستقبل هذه الحركات والقوى ضمن المجتمع اللبناني، يحاول المؤلف مرة التمهيد عبر توضيح مناخات وتأثيرات الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بها، وما أوجده ذلك من انعكاسات خصوصاً مع معايشتها للحروب الطائفية في الساحة اللبنانية والحروب في المنطقة، لينتقل بعدها إلى خلاصة تجمل طبيعة تطورها ثم انطلاقة شرارة الصراعات بين القوى الثورية الفلسطينية على الساحة اللبنانية، ليخلص إلى تبيان ظروف البروز القوي والمؤكد لها في الساحة، بعد انحسار قوة وتأثير منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وتأجج الحروب الداخلية وحرب المخيمات والاقتتال بين الفصائل الفلسطينية، ثم مؤتمر مدريد ومن بعده اتفاقية أوسلو، إذ أفرزت هذه الأحداث والوقائع تقدم الإسلاميين وتأثيرهم الكبير في الساحة الفلسطينية، وتمتعهم بنفوذ وفاعلية في أي جانب يخص القرار السياسي الفلسطيني في لبنان.
ويذكر الكاتب في تفاصيل بحثه ودراسته نقاط قوة وضعف هذه الحركات، أنها استفادت بعمق من حالة المد الإسلامي الذي تشهده المجتمعات العربية والإسلامية، ما أمدّها بمفاعيل قوة في المنطقة العربية بعد الإقبال الكبير بهذا الاتجاه من مختلف فئات وشرائح وقوى المجتمعات العربية والإسلامية.
ويدرج الكاتب هنا أمثلة وبراهين واقعية عن تأثير المد الإسلامي في الحياة السياسية والاجتماعية والقرار في الدول العربية وخاصة الانتخابات، ويشير إلى أن أبرز نقطة قوة لدى هذه الحركات والقوى تتمثل في أن كادرها هو في الوجهة الأكبر والأعم من قطاع الشباب الجامعيين، وهو عملياً ما تستثمره بدورها بذكاء وثقة محكمين مع سطوع حقيقة تمسكها بثوابت القضية الفلسطينية.
وإبقاء نبض وقوة حضورها في المخيمات الفلسطينية، وفي خلاصة هذه المحطة يبين مرة أن عملية مزج ومزاوجة هذه الحركات بين مرجعية الدين الإسلامي من جهة والقضية الفلسطينية من جهة أخرى، جعلها تحوز شعبية أكبر وتنال مكانة أهم، لافتاً في هذا الإطار إلى استفادتها المثلى من أجواء حرية التحرك والنشاط في لبنان.
وذلك إلى جانب حرصها الكبير على توقير أرضية بنية تحتية مميزة لمفردات قوتها وحضورها وإنشائها للمرافق الحياتية الدراسية والصحية والفكرية والخدماتية المتنوعة، ومن ثم تركيزها على إيجاد قوة عسكرية منظمة ومدربة وتأمين إمكانيات مادية جيدة، وهو ما أهلها لتتركز في النهاية كقوة لا يستهان بها ضمن المجتمع اللبناني.
ويستعرض في هذا الصدد صمودها في العديد من المواجهات مع إسرائيل، وحفاظها على موقف الحياد تجاه أية حروب أو مناوشات أهلية بين الطوائف والأحزاب اللبنانية، فأفادها هذا بشكل كبير وأكسبها تأييداً واسعاً، بالتوازي مع قدرة وقوة خاصة في ما يمس القرار السياسي للقضية الفلسطينية عموماً، وذلك خلافاً لقيادات وحركات فلسطينية أخرى قيدتها وعزلتها أخطاؤها فجردتها من عوامل القوة.
كم أن هذه الحركات ؟ طبقاً للكاتب مرة ـ تستفيد عملياً في قاعدة قوتها من حالة التعاطف اللبناني مع المقاومة والتأييد الرسمي والشعبي بنسبة غالبة لها، إذ نالت بمقتضى ذلك جرعات دعم سياسي وإعلامي وجماهيري مهمة.
خاصة أنها تتفق مع موقف غالبية القوى والأحزاب والأطياف في المجتمع اللبناني على رفض توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ورفض التجنيس، على العكس من موقف ورؤية بعض الفصائل الأخرى في منظمة التحرير الفلسطينية التي تتبنى نهجاً مغايراً يؤدي في مردوده ونتائجه المستقبلية إلى التوطين أو التهجير أو خطر إسقاط حق العودة.
ويختم الكاتب فصول وأبحاث معالجاته وشروحاته بتسجيل مجموعة من الأخطاء ونقاط الضعف لدى هذه القوى والحركات، مقدماً أنها في الوجهة الأبرز تتمثل بضعف نهج عملها الدعوي وتراجع اهتمامها بنشر الدين في المجتمع، إلى جانب انشغال بعضها بمخاض وقنوات العمل السياسي، غافلة عن ضرورة تبنّي أجندة عمل الإصلاح المجتمعي الحياتي العام.
وهذا طبعاً ؟كما يشير الكاتب ؟ علاوة على غياب التنسيق والتواصل الدائم على مستوى قياداتها المركزية في كل منها على حدة، وبينها، ما يحرمها من التنسيق في إطار عمل جامع منظم يعنى بإدراج الأولويات ويواكب أهدافه مع طبيعة الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية المحيطة، ويسجل الكاتب مرة في خلاصة هذا الجانب من البحث عدداً كبيراً من نقاط الضعف الأخرى، لافتاً إلى أنسب وأقوم صيغ تلافيها وتجاوزها.
التمسك بالثوابت
تحظى الحركات والقوى الإسلامية في المجتمع الفلسطيني ضمن لبنان راهناً، بتأييد وشعبية كبيرين ينبعان في الأساس من عدم تفريطها بأي من الحقوق والثوابت في القضية الفلسطينية.
وأيضاً تركيزها على الالتصاق بالدين الإسلامي كنهج وركيزة لخدمة القضية بإخلاص ومصداقية أكبر، إلا أنها وفي الوقت نفسه باتت تعاني نقاط ضعف وتراجع في استقطاب المزيد من الشعبية والتأييد، جراء انغماسها في السياسة وإغفال رعاية احتياجات وضرورات حياة الناس. هذا ما يسلط عليه الضوء مؤلف الكتاب، محللاً برؤية مجهرية دقيقة مختلف جوانب فكر ومسيرة ونشاطات وبرامج هذه الحركات.
الكتاب: الحركات والقوى الإسلامية في المجتمع الفلسطيني في لبنان
تأليف: رأفت فهد مرة
الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ـ بيروت2010
الصفحات:264 صفحة
القطع: المتوسط
رباب محمد


