الجمال والأصالة وأناقة المكان من المفردات التي يصعب على اللاشعور ان يلتقطها من ذاكرتنا، ويدخلها في ملفاته التي ربما تحفظ عمر بأكمله للإنسان، أو مساحات كبيرة منه، وربما من هنا يصعب نسيان البهو الممتد في رحابة داخل منازل زمن شامخ يهتم بالجمال والحفاظ عليه والاستمتاع به، ذلك البهو ومعه الصالونات لاستقبال الوافدين لزيارة أهل المنزل، ذلك البهو والصالونات. لهما تركيبة جمالية وديكورية خاصة جداً، خاصة بأهل ذلك الزمن العاشق لكل جميل وأصيل ونادر ورائع.

* فما هي تلك المفردات التي قاومت الدخول والانزواء في اللاشعور والذي يعرف «بخزينة الدماغ»؟ ـ المفردات هي الاتساع بلا حدود فتكون الرحابة جزءا من أناقته، بساط حريري شيرازي يفترش البهو والصالونات، يدوي الصنع فائق الجمال محكم النسج، طاقم من الكراسي والكنب فرنسية الطراز تعرف باسم «كانيه» المذهب بذهب عيار 14 ومنضدة متسعة من خشب الورد المحفور يدوياً والمطعم بالنحاس والأبنوس عليها العديد من المنمنمات الصغيرة على شكل زهور أو شموع أو طفايات للسجائر، ومسابح يسر وإطارات تحفظ بداخلها صور الصغار من الأبناء والأحفاد، وكأن الإطارات هذه تزيدهم أصالة، كتلك الأسرة التي ينحدرون منها، أيضاً منمنمة من الفضة الخالصة مطعمة بالذهب المشغول لحفظ القرآن الكريم.

* ما هي حكاية المنمنمات هذه؟ ـ هي عبارة عن منحوتات صغيرة دقيقة يدوية الحفر والنقش ضمن مفردات المنزل الارستقراطي الكلاسيكي، وهي تتوارث عبر الأجيال، ولا تقدر بثمن لأنها نادرة، جاءت لتضع بصمة أصيلة في زمن متغير ضاعت فيه الأصالة، وسط الصخب وغياب الجمال. بدأت المنمنمات عند المصريين القدماء، عندما كانوا ينحتون في ورش خاصة بهم أشكالاً لزهرة اللوتس والطيور وآلات الحروب والنباتات ووجوه الملوك والملكات جميعها من الذهب الخالص والفضة والأحجار الكريمة، وكانت تهدي للعروس يوم زفافها مع صحن عميق من الذهب مملوء بماء النيل ـ النهر الخالد ـ شريان حياتهم وحياة من جاء من بعدهم، وهذا التقليد يعكس رمز الخلود، بمعنى دوام الزواج وإبعاد الحسد، عين من الزمرد الأزرق الأصيل يحيطها إطار ذهبي تنقش عليه وجوه الطيور وزهور اللوتس مشبوكة بأحكام في سلسلة ذهبية ترتديها العروس طوال حياتها وعند مماتها في الكبر تدفن معها.

«الصناع» هو اسم كل من يقوم بصناعة ونقش المنمنمات في مصر القديمة، وكانوا يعملون داخل «ورش عمل» ذات أبواب محكمة الإغلاق عليهم ونوافذ عالية، حتى لا يطل أحد من خارج هذه الورش عليها ويسرق الصنعة التي كانت تعتبر ضمن أسرار الفراعنة، وحتى الآن لا يعرف أحد من أبناء الحضارات القديمة والحديثة طريقة تصنيع المنمنمات الفرعونية هذه، الكثير منها محفوظ بكامل هيئته وألوانه وذهبه الخالص في المتحف المصري بالقاهرة، محفوظ داخل زجاج محكم لا يتخلله الضوء، حتى لا تتأثر المنمنمات سلباً من ضوء الشمس وضوء المكان. وفي خان الخليلي بالقاهرة ـ معقل صناعة المنمنمات الفرعونية القديمة.ـ التي تقلد بكل دقة وحرفية، وتباع للسياح، وهي صناعة متوارثة أيضاً، رأس نفرتيتي وحتشبسوت ونفرتاري ومجسدات الأهرامات الثلاثة ورأس أبو الهول، جميعها تفترش بكل شموخ حوانيت خان الخليلي، وهي غالية الثمن لدقة صنعها ولأنها من الذهب الخالص، ولكن لها من يعشق الجمال ويدفع فيه كل ما يمتلك، فالأصالة سلعة ثمينة غابت في زمن التقليد!

من أشهر صناع المنمنمات الفرعونية في خان الخليلي الحاج أحمد عبد الموجود وأولاده، يعج محله بالسياح الذين يطلبون بصفة خاصة رأس نفرتيتي، جميلة جميلات الفراعنة، ويوضح الحاج أحمد عندما قمنا يوماً بزيارة المكان، إنه مازالت ورشته لا تستخدم أدوات الحفر والنقش، وإنما يتم ذلك بما يعرف «بسكين النقش» التي تستخدم في النقش اليدوي، ولكنه حزين لعدم إقبال الأجيال الجديدة على شراء هذه التحف الأصيلة، ربما لغلو وارتفاع أسعارها،

ويضحك ويكمل كلامه بأن للأرستقراطية امتداداً بسيطاً وسط هجمة الحداثة، فمازالت بيوت «باشوات» زمان تحتاج لمنمنمات عم الحاج أحمد عبد الموجود، خاصة في جهاز منزل العرائس المنحدرين من زمن مميز.

معهد الموسيقى العربية بالقاهرة به معرض نادر تعرض فيه منمنمات للآلات الموسيقية يرجع تاريخها لعهد الخديوي توفيق، مثل العود المصنع من خشب الورد المحفور و«الصرة» المصنعة من الصدف وخيوط الفضة، والكمان الذي يصنع من خشب «الأرْوْ» ومحفور عليه الأحرف الأولى لصاحب هذا الكمان، الذي أهدته أسرته إلي معهد الموسيقى بعد وفاة صاحبه، كنوع من العرفان بالجميل للمعهد العريق، الذي منه خرج الطرب الأصيل.

ولا تقتصر المنمنمات الفريدة من نوعها على تلك التي توضع لتزين «الترابيزات» في منازل النخبة، وإنما أيضاً هناك منها أشكال أخرى يمكن استخدامها، مثل فناجين القهوة التركي التي صنعت بإحكام في الأستانة وهي عبارة عن أطقم من الذهب والفقيه وأرقى أنواع الصيني الفرنسي المعروف باسم «سيفر» نسبة لمدينة «سيفر» الفرنسية التي ذاع صيتها في صناعة المنمنمات مثل أطقم القهوة والشاي وطفايات السجائر وغيرها الكثير.

وترجع صناعة المنمنمات الفرنسية، التي انتقلت لمصر مع الحملة الفرنسية، وكانت غالية الثمن لا يقبل عليها سوى الأثرياء من المصريين ـ ترجع صناعتها لبداية عصر الصناعة في أوروبا، وربما قبله في بعض المدن مثل مدن فرنسا وبلجيكا، وكانت السياسة في التصنيع في فرنسا خاصة في البدايات تقوم علي نظرية رائعة التطبيق وهي الصناعة التجريبية لأي شيء.

بحيث يصنع منه الأشكال المتناهية في الصغر، وهي تعرف بالفرنسية باسم «مينيون» حتى إذا باءت الصنعة ببعض الخلل يمكن تجاوزه في الأشكال الصغيرة، ومن هنا جاء تعريب كلمة «مينيون» الفرنسية إلى «المنمنمات» في العربية. والاتجاه نفسه يطبق على صناعة الحلويات الفرنسية أو بعض منها والتي تعرف باسم «سواريه».

وكلمة «سواريه» في الأدب الفرنسي تعني مجازاً كل ما هو صغير الحجم، وشاع في العالم كله الحلويات الفرنسية «السواريه» أو ِمُّيُّم أي صغيرة الحجم، ومنها ما كان يصنع في شكل كريستال وصيني فرنسي نادر في بلدة «سيفر» الفرنسية.

والجميل إننا نجد في منازل «بشوات» زمان، وخاصة في حجرة الطعام التي غالباً ما تكون من طراز «لويس الخامس عشر» طبقا عميقا من الفضة المطعمة بالذهب تشبه «قماش الدانتيل» بداخله منمنمات فرنسية على شكل «جاتو سواريه» مثل «الميلفوى» و«الشو» و«الإكلير» و«بتي فور»، وجميعها مصنعة من الكريستال الملون، وهي رمز للفخامة وتعكس جماليات الحياة ورقيها.

والمنمنمات الفرنسية أيضاً تطلق على «التابلوهات» أي الجداريات الصغيرة جداً المشغولة بخيوط الحرير من الذهب الخالص والفضة، وتعرف باسم «الأوبيسون» وهي مشغولة يدوياً بطريقة معروفة في العرف الفرنسي باسم «بيتي بوان» أي الغرزة متناهية الصغر، وقد شاع وجودها في منازل الأرستقراطية المصرية والسورية والمغربية بصفة خاصة، وهي جداريات صغيرة جداً يحيطها إطار من الذهب، تكمل مشهد المنمنمات الأصيلة، ومازالت العديد من الأسر تقتنيها حتى الآن عن طريق التوارث.

ومنها أيضاً حقائب السهرات التي تحملها في يدها سيدات المجتمع المخملي، وهي ـ تلك الحقائب ـ فرنسية الصنع نادرة الوجود حالياً، لأنها باهظة الثمن حتى في مسقط رأسها ـ فرنسا ـ ومعظم المنمنمات الفرنسية الأصيلة موجودة حالياً في متاحف وصالات العرض في باريس وانجلترا مثل «صالة سوثبي» الشهيرة.

وماذا عن المنمنمات اليابانية، إنها ضاربة في عمق التاريخ، وربما تحكي فصولاً منه بعضها يعكس حكاية يابانية لشعب عشق التحدي، وجزء آخر يحكي مأساة شعب، ففي صالات العرض اليابانية العريقة نجد العديد من المعروضات من المنمنمات المعروفة باسم «نتسومي» التي تعكس الآثار المدمرة لهيروشيما، ففي 18 أغسطس من العام 2005 افتتح معرض في شنغهاي بالصين يعكس منمنمة لطفل ياباني بعد كارثة هيروشيما، فعظمة الشعوب بالنهوض والتحدي تخرج غالباً من تحت وطأة الحروب المدمرة.

وإذا تركنا المآسي اليابانية، فإننا نجد أن هناك وجهاً آخر لعملة النجاح لواحدة من بلاد النمور ـ اليابان ـ صناعة أطقم الشاي بصفة خاصة هي واحدة من أعرق الصناعات اليابانية المصنعة والمرسومة يدوياً، ومازالت حتى الآن تقدم ضمن طقوس تقديم وشرب الشاي في اليابان، وهي طقوس معقدة، لها صلة بالمكان والبيئة وعمق الشخصية اليابانية.

والمنمنمات اليابانية هي الأكثر ارتفاعاً في الثمن ومقتصرة على القصور الفخمة على امتداد العالم، والقليل منها موجود بالعالم العربي، ولكن تنتشر فيه المفارش اليابانية يدوية الصنع، والتي تعرف باسم «دحابونيه»، تفترش «سفرة» الأرستقراطية. في مصر وشمال إفريقيا، في مصر قد تم شراؤها عندما افتتحت سرايا رأس التين والمنتزه كمزاد نادر شهده العالم كله خاصة القاهرة والإسكندرية، بعد مغادرة الملك فاروق على يخت المحروسة ـ مغادرته البلاد ـ بعد قيام ثورة 1952م.

وربما عكست رواية وفيلم «عمارة يعقوبيان» شريحة الباشوات التي كانت وطريقة فرش منازلها، وتجسد ذلك في منزل ومكتب زكي باشا الذي جسد شخصيته الزعيم عادل إمام.

إذا حلقنا في عالم المنمنمات الروسية، لوجدناها لا تقل عراقة ولا قيمة عن غيرها، فهي منحوتة يدوياً وأشهرها على الإطلاق المنحوت على الكريستال الذي يحمل اسم «سواروفيسكي» وعرض نماذج نادرة منها في معرض نيويورك للفنون في العشرين من نوفمبر العام 2006، حيث عرض الفنان «جاي سترونج واتر» نماذج من ثمار البطاطا على أنها من الأطعمة الصحية، وكانت لافتة للأنظار.

أما الدمى الخشبية الروسية الملونة فهي منمنمات كلاسيكية قديمة عبارة عن مجموعة دمى تدخل كل واحدة منها في تجويف الأخرى الأصغر فالأكبر، وغالباً ما تحتفظ بها معظم الأسر الروسية في حجرة صغارها حتى الآن.

والطيور المختلفة والدببة من المنمنمات الروسية ذائعة الصيت مثل منمنمة «البغبغان» الكريستالية التي تتميز بتداخل ألوانها، وعرضت منها نماذج في معرض مخصص لمنتجات شواروفسكي في بنجالور في 20 ديسمبر 2006.

ويخصص مطار بروكسل مساحة لعرض المنمنمات العالمية ـ من كل عواصم العالم ـ ضمن المساحة المخصصة للوحات وجداريات مشاهير الرسامين، معروضة بطرق علمية تحميها من الضوء والتلوث الضوئي والصوتي داخل مطار بروكسل العملاق الذي يعتبر المطار الأول على مستوى العالم الذي يخصص مساحات لعروض الفنون المختلفة غير المخصصة للبيع.

«الشينوا» الصيني، هو الأشهر على الإطلاق، وكلمة «شينوا» بالفرنسية معناها «الصيني» كل المنمنمات والجداريات والمفارش والفازات صينية الصنع اليدوية تعرف باسم «الشينوا»، وهي الأغلى على مستوى العالم كله، لدقة صناعتها وقدم هذه الصناعة التي تضرب في عمق التاريخ الصيني.

من المنمنمات الصينية المنتشرة في القصور في مصر وسوريا وشمال إفريقيا غالبا ما نجد الفازات ذات اللون الأزرق المتدرج، والأحمر والمرجاني، ويتراوح حجمها فيما بين المتناهي في الصغر إلى العملاق الذي يصل طول الفازة منها لحوالي متر ونصف المتر وهي مخصصة لتزيين أركان الغرف.

وقد قام متحف الفن الرفيع في مدينة بوسطن الأميركية بإعادة مجموعة فازات شينوا نادرة إلى مكانها في روما، يبلغ عددها 13 فازة متباينة الأحجام نادرة لا تقدر بثمن.

رحلة المنمنمات بدأت من ضفاف نهر النيل وجابت العالم كواحدة من أرقى الفنون تميزت بها الصين واليابان وفرنسا وبلجيكا، شاهدة على عصور العظمة فيها حكاية ومنهج حياة ومحفوظة في متاحف العالم، وتزين منازل وقصور النخبة وقت زمن يستحق أن يكون كل ما فيه «نخبة أصيلة»!!

لافونتان

الشاعر الفرنسي الشهير «لافونتان» الذي اشتهر بقصائده الرومانسية، كان يسمي بعض قصائده «المنمنمة» لأنها قصيرة، كلماتها منتقاة، محببة إليه ومن أشهر هذه القصائد «المنمنمة» قصيدة «لو رونارد إيه لو كوربو» ٌم ْمَفْل مُّ ٌم كُْقمفِّ وهي عبارة عن حوار رمزي فيما بين الذئب الجائع وطائر الغراب، الذي ضحك عليه الذئب.

وأعطاه قطعة من الجبن، وطلب منه ان يغني فوق غصن الشجرة، فعندما غنى الغراب بصوته الأجش وقعت قطعة الجبن، فأكلها الذئب. وهي قصيدة لا تتعدى العشرة أبيات، كتبها بالبراعة المعروفة عنه ـ عن لافونتان ـ وبالرمزية التي اشتهرت بها أعماله.

الأم تيريزا

عرفت الأم تيريزا بالعطاء ومناصرة الفقراء وأعمال الخير، وبالطبع هي بعيدة كل البعد عن العالم المخملي، الذي يعتني بالمنمنمات العالمية، ولكن قام الفنان الهندي «ديبا براساد مالاكار» بنحت منمنمة صغيرة تعكس الأم تيريزا، لا يزيد ارتفاعها على 25,1 سم بمناسبة مرور 93 عاماً على ميلادها في كالكتا في 26 أغسطس 2003.

وقد اشتهر الفنان الهندي «مالاكار» بنحت المنمنمات المتناهية في الصغر لأفضل الشخصيات على امتداد العالم.

منى مدكور