تتلون شخصية الشر في مسرح الطفل، بألوان مختلفة لكنها في النهاية ستكون الوحيدة المثيرة والمحركة للأحداث في منظور الفرجة، وهي التي تتقلب وتتحول في فضاء العلبة السحرية لتشكل الحالة المثيرة للدهشة عند المتفرج الصغير، أما الخير، أو جهة الخير فهي لابد وان تنتصر في النهاية ويصفق لها الجميع.
فيما ستكون الشخصية الشريرة قد قدمت اعتذاراتها وتوبتها عن ممارسة الشر، وربما مباشرة إلى جمهور الأطفال عما بدر منها، وستستحق التصفيق نفسه، وبالقدر ذاته وربما أكثر، وحينما تنار كامل الإنارة في أرجاء صالة العرض. يبدأ الممثلون في تحية الجمهور على إيقاع موسيقى مرحة وفرحة، لابد أن يعتلي المنصة بعض أطفال الصالة انبروا من بين المتفرجين ليتجهوا مباشرة إلى شخصية الشر لمعاينة لباسه المثير وماكياجه المخيف، يقترب الطفل من شخصية الشرير في صورة عكسية لما يجب أن يفترضه العرض المسرح، من إقصاء الشر ونبذه من قبل الأطفال. فهذه المسألة لا تتحقق أمام الرغبة الجامحة للفضول الطفولي.
يحب الأطفال الممثل الذي يقوم بأداء دور الثعلب الماكر، الشرير الذي جاء ليخطف الأميرة الصغيرة، أو مجموعة الأشرار الذين جاؤوا لغزوا المدينة وسرقتها أو السيطرة عليها، ليس حبا في الشر، ولكن لأن الأطفال يقتربون أكثر من المحرك الفعلي للحدث، ولأن خيالهم الواسع يجعلهم يقرؤون العرض المسرحي بصورة مغايرة لقراءاتنا نحن الكبار.. ليس ميلا باتجاه الشر، ولكن عادة ما تجعل النصوص المكتوبة لمسرح الطفل شخصية الشرير هي الأكثر حيوية وحركة، والطفل لا يحب الشخصيات الساكنة الهادئة، لأنها لا تعبر عن دينامكيته.. سيكون من الخطأ أن تصل تلك النصوص إلى هذا المستوى الخطر، حينما تقرب الشخصيات الشريرة إليهم، في هذا الإطار من الأداء ومن الفرجة ومن المتعة البصرية.. ونادرة هي النصوص التي تنتبه إلى هذا التصيير السلبي وتحاول الهروب منه، بتحايلات فنية ومعالجات درامية تنزاح بقوة نحو قوة الخير..
كثير من المسرحيين العرب يشعرون بالخوف والتردد من الولوج إلى عالم مسرح الأطفال، أو التجرؤ على خيالاتهم، فتلك الجرأة هي مأزق كبير من إمكانية أن تأتي النتائج العكسية. ويبرر هؤلاء المسرحيون من أصحاب الخبرات في مسارح الكبار، ان الذهاب إلى مسرح الطفل يجب أن يؤسس على الخبرة العلمية والنفسية والإلمام بعلم نفس الطفل، فأي خطأ دلالي في الكتابة أو التنفيذ أو حتى الأداء من قبل الممثلين المؤدين للشخوص، قد تقرأ من جانب الطفل قراءة مغايرة ومختلفة.. هذا عدا عن أن مسرح الطفل يتطلب نوعيات مختلفة من الكتابة والأداء والتقنيات المستخدمة، فما يمكن أن تسعه خشبة مسرح الكبار لا يتناسب ومواصفات الفرجة المعدة لجمهور الطفل.. ويصر التربيون والنفسيون على مقاييس صارمة يفرضونها على المسرحيين من اجل مسرح يحمل غنى مفيدا لمخيلة يقولون انها جبارة تفوق مخيلة الكبار.. هذه الأمور تجعل كثيرا من المسرحيين المحنكين يهربون من اللعب في ساحة مسرح الطفل، فيما بعضهم يذهب بجرأة إلى تلك الساحة وقد يلاقي النجاح.
في صالة العرض يقبل الأطفال بلهفة كبيرة انتظارا لفتح الستارة، وحينما تنطفئ الأنوار كاملة ويعم الظلام، كعادة المسرح في نقل جمهوره إلى وضع الإيهام الذي ستبدأ معه مجريات الأحداث في العلبة الايطالية، أو الصندوق السحري، ستكون لحظة الإظلام والإعتام التام، لحظة مرعبة لبعض الأطفال الذين تتفاوت أعمارهم، وستصدر صيحات عالية وبكاء أيضا إلى ان تعود الإنارة من جديد وتفتح ستارة العرض على شيء من الإبهار، بعض المسرحيين لا يدرسون جيدا لحظة هذا الإعتام الكلي ومدى تأثيره على نفسية المتفرج الصغير، وبعضهم يتحايل على هذا الحاجز التقني، بأغنية تنثر الفرح والورود بين الكراسي لكي تشيع البهجة عند الانطلاقة الأولى..
يقول الكاتب الأميركي مارك توين: «مسرح الأطفال هو من أعظم الاختراعات في القرن العشرين، إنه أقوى معلم للأخلاق وخير دافع للسلوك الطيب اهتدت إليه عبقرية الإنسان، لأن دروسه لا تلقن بالكتب بطريقة مرهقة، أو في المنزل بطريقة مملة، بل بالحركة المنظورة التي تبعث الحماسة وتصل مباشرة إلى قلوب الأطفال التي تعد أنسب وعاء لهذه الدروس، وحين تبدأ الدروس رحلتها فإنها لا تتوقف في منتصف الطريق، بل تصل إلى غايتها، إلى عقول أطفالنا».
لا تختلف ثنائية الخير والشر التي يقوم عليها مسرح الطفل وبوضوح كبير في الأعمال المسرحية العربية والأجنبية، فطرفا المعادلة لابد وان يحكما الصراع لتحقيق فرجة مرضية، تكفي لإشباع مخيلة الطفل وجموحها وجنوحها المنطلق في المدى، والذهاب إلى مسرح الطفل سيتطلب جلب شخصيات خيرة وأخرى شريرة، وسيتم الاعتماد على عمالقة وأقزام في قصص أسطورية.
كما سيتم الاعتماد على حيوانات شريرة وأخرى طيبة في أعمال مسرحية تعتمد بيئة الحيوان لتكون محتوى الفرجة وإطارها العام، أو ماردا كبيرا، أو نملة كبيرة شريرة تريد القضاء على النمل الصغير.. أو حيرة سندريلا المسكينة التي ستجد نفسها خادمة في بيت الأميرات الصغيرات، وهي أجملهن، حيث يتعرض الطفل لمثل هذه القصص وهذه الحبكات لكي يصل به المطاف في النهاية بعد تعرضه لجرعات من الألم والحزن إلى لحظة الخلاص والانتصار وبالتالي الفرح..
مغامرة كبيرة أن يذهب مخرج أو كاتب مسرحي مازال يتلمس خطاه الأولى إلى مناطق ومعادلات صعبة لتكوين علاقة صحيحة ومدروسة جيدا بينه وبين المتلقي الصغير، فالطفل صاحب الخيال الجامح ستكون لديه فرصة عالية للتفكيك والبناء وإعادة ترتيب العلاقات، والمخرج أو الكاتب أو حتى المؤدي في مسرح الطفل، لابد وان يكون على قدر كبير من فهم ذلك الجنوح في خيال هذا المتفرج الصغير.. إنها مرة أخرى تلك الدلالات والإحالات التي يخشاها كبار المسرحيين حينما تطرح عليهم المشاركة في مسرح يقدم للأطفال.. فمن يعطي الحق لمجربين هواة يمارسون خطواتهم الأولى في بيئة خطرة ومرعبة مثل بيئة الطفل؟
هذا السؤال كان من ضمن محتوى تقرير لجنة تحكيم الدورة الخامسة لمهرجان الإمارات لمسرح الطفل الذي نظمته جمعية المسرحيين بالتعاون مع دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ووزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في الفترة من 27 يناير وحتى الخامس من فبراير 2010 بقصر الثقافة بالشارقة..
وبعد أن قدمت أكثر من تسع فرق مسرحية محلية أعمالا متنوعة موجهة لجمهور الأطفال، وبعد أن شارك بها أكثر من ستة مؤلفين وتسع مخرجين ومجموعة كبيرة من الممثلين والممثلات، تصدوا جميعهم للذهاب إلى ساحة الطفل من باب المسرح والأداء المسرحي.. قالت لجنة التحكيم التي ترأستها الممثلة الكويتية هدى حسين، وهي فنانة قطعت شوطا كبيرا خلال مسيرتها الفنية في تقديم أعمال مسرحية ودرامية للطفل، وأصبحت بذلك صاحبة خبرة يعتد بها..
قالت لجنة التحكيم: إن مسرح الطفل لا يمكن أن يكون ساحة تجربة لكتابات أولى وتجارب إخراجية أولى، وهذا تعبير صريح عن مغبة المخاطرة في هذه الساحة، حرصا على شفافية التلقي عند هذا الجمهور النوعي والخاص، وحرصا على تثبيت مبادئ واطر تجعل من المغامرة في مسرح الطفل أمراً مرفوضاً.
تسع عروض كانت حصيلة مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، الذي عبر دورته الخامسة بنجاح على صعيدين هامين، الأول الاهتمام والرعاية التي قدمتها مجموعة مؤسسات ودوائر محلية دعما وتشجيعا لهذا المهرجان الذي كافح منظموه من اجل ترسيخه كحدث ثقافي فني سنوي يستفيد من تقنيات المسرح وأدبه في بث ثقافة جادة لطفل اليوم، والثاني الحضور الجماهيري اللافت والذي لم يتكرر في أية دورة سابقة لهذا المهرجان.
فقد غصت قاعة المتفرجين بمسرح قصر الثقافة وعلى مدى أيام المهرجان بالأسر والأهالي والأطفال من أرجاء من مختلفة من الدولة، بل وصل الأمر عند بعض المتفرجين إلى العودة من حيث أتوا لعدم تمكنهم من الحصول على أمكنة وكراسي داخل الصالة، وتحايلت لجنة التنظيم على هذا التزاحم الشديد بأن سمحت للأطفال وأهاليهم بالجلوس في الممرات بين كراسي الصالة نزولا عند إصرارهم على البقاء والتمسك بحضور العروض.
عقدت أثناء المهرجان ندوات عدة ومنها الندوة الفكرية التي تناولت مسرح الطفل وأساليب التربية الحديثة، وعاد الأمر مرة أخرى للحديث عن دور المسرح في التربية والتعليم، وأهمية الاهتمام بالفن المسرحي في المدارس، وأهمية استيعاب المسرحيين العاملين في هذا المجال وثقافة الطفل وتوجهات الثقافة العربية الأصيلة.
فيما ساهمت الندوات التطبيقية التي كانت تقام يوميا بعد انتهاء العرض في فتح نوافذ الحوار بين جمهور المتفرجين والمسرحيين، والدخول في حوار نقد شبه تفكيكي يتلمس مناطق الجمال ومناطق الإخفاق في العرض المقدم، الأمر الذي جعل العروض المسرحية على محك الحوار والمساءلة بصفة مباشرة.
ومن الملاحظات التي يمكن رصدها في عروض الدورة الخامسة هذا العام، هي تلك التي تتعلق بتقنيات العرض والسينوغرافيا التي بدت أكثر تطورا من عروض الدورات السابقة، فهناك اهتمام واضح بالأزياء وبتقنيات الصوت والإضاءة والديكورات.
ويبدو أن الخبرات التي راكمتها مشاهدات الدورات السابقة لمهرجان الطفل وعروضه سمحت للمخرجين ومصممي الديكور بتكوين مخزون من الأفكار، سهلت عليهم مسألة اختبار تلك الأفكار والوصول إلى مستويات جيدة، فاغلب المسرحيات التي قدمتها الفرق المسرحية المشاركة.
تبدو أنها بذلت جهدا في الاشتغال على التقنيات، بغض النظر عن كونها وظفت التوظيف السليم من عدمه، فهذا شأن الناقد الذي يتقصى دلالات وإشارات العروض في مستواها الفني. لكن نشير إلى أن تلك الاشتغالات على التقنية بدأت ترسخ ذائقة ودراية من نوع ما، قابلة لأن تتطور في المستقبل.
إذا ما أخذت بالأطر السليمة في تأسيس فضاء العرض. حيث يبقى مسرح الطفل دائما بحاجة إلى الإبهار والى اللون والى الجمال والى مساحات قابلة لإطلاق الخيال. وشيء من هذا تحقق، وكان أفضل في مستواه من دورات سابقة، كانت فيها الديكورات والتقنيات الفنية الأخرى ضعيفة، وربما سطحية دراميا أيضا. بروز التقنيات، أو شيئ من هذا القبيل في الدورة الأخيرة من مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، يريح قراءة تطور هذا المهرجان الذي يسعى للنمو يوما بعد يوم.
على مستوى النصوص المشاركة في المهرجان، يمكن أيضا التأشير إلى أنها لم تخرج من إطار المعتاد في الكتابة لمسرح الطفل، فصراع الخير والشر انطلق في المجمل العام نحو محددات وغايات تكاد تكون مكررة في مسرح الطفل، ومقولات لم تتطور عن الكتابات السابقة، ولم تتجاوزها إلا في بعضها القليل، فالشر ينطلق بالأحداث في المسرحية.
ويبدو واضحا منذ الوهلة الأولى، ثم تتكشف شخصية الخير سريعا ليبدأ الصراع المعتاد، وفي هذه الدورة من المهرجان يمكن رصد إشارة واضحة تدعو لكثير من التساؤلات، حول النصوص التي اتكأت على قضية «الغزو».. ففي مسرحيات عديدة، كانت الحبكة تدور حول غاز يحاول السيطرة على مكان الخيرين والآمنين، ثم تبدأ رحلة الخلاص بالتغلب على هذا العدو الغازي..
والسؤال الكبير، لماذا نأتي لأطفالنا محملين بأعمال مسرحية تتحدث عن الغزاة؟ في هذا الوقت بالذات ربما يجد مبرره عند البعض، بالإحالة إلى الأوضاع الراهنة في العالم.
حيث الحروب والغزو والدمار واستباحة دماء الأبرياء. لكن على الجانب الآخر قد لا يجد آخرون تبريرا لتعريض الطفل لهكذا قضايا، وان مساحة الإبداع والجمال في المسرح قادرة على الانطلاق نحو الأمل والحياة والسلام والسعادة وأمور تقترب من الحب أكثر لا من الحرب..
مسرحيات عديدة في الدورة الخامسة لمهرجان الطفل هذا العام ذهبت للاعتماد على الغزو.. فالدبور الشرير يغزو مملكة النحل للسيطرة على العسل، وأشباح الشر سيغزون مدينة أشباح الخير، والنمل الأحمر سيغزو مملكة النمل المسالم، وأشرار الفضاء سوف يحلمون بالسيطرة على الإنسان والأرض، وهكذا تذهب المقولات باتجاه الطفل في تلك الحبكات.
أعظم إختراع
يقول الكاتب الأميركي مارك توين: «مسرح الأطفال هو من أعظم الاختراعات في القرن العشرين، إنه أقوى معلم للأخلاق وخير دافع للسلوك الطيب اهتدت إليه عبقرية الإنسان، لأن دروسه لا تلقن بالكتب بطريقة مرهقة، أو في المنزل بطريقة مملة، بل بالحركة المنظورة التي تبعث الحماسة وتصل مباشرة إلى قلوب الأطفال.
مرعي الحليان



