لم تتصور الفتاة البريطانية «ليندسي جون ستون» حين قررت الإقامة والعمل في دبي، إلا أنها ستعيش حياة رتيبة تحكمها ضرورات العمل وتتوالى فيها الأيام بينما هي مقيدة باعتبارات الحذر من الانفتاح على أبناء الحضارات الأخرى، وذلك طبعا بتأثير عوامل عدة أبرزها - كما تؤكد- الدعاية المغرضة التي تجعل أفراد تلك المجتمعات يشعرون بالرهبة من الثقافة العربية والإسلامية، لكن هذه الحال لم تدم بليندسي طويلا في ظل ما لاقته من أجواء محفزة ومنفتحة في هذه المدينة العربية العالمية الطابع، دفعتها للتواصل الفكري والإنساني البناء مع أبناء مختلف الثقافات العالمية والعربية بشكل خاص .

بداية يشرح عبد الله بن عيسى السركال. مدير مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الحضاري، منطلق هذه الديناميكية في قدرة دبي والإمارات على تقليص الهوة بين الثقافات العالمية على أرضها وتجذير روح الحوار والتلاقي كعنوان وطابع يحكمان اطر التواصل الإنساني: انه نجاح نوعي في سياق حوار الحضارات العالمية اختطت فيه دبي ودولة الإمارات نهج رؤية علمية تطبيقية للعولمة في وجهتها الصحيحة والمنصفة، فشتى الطروحات العالمية التي برزت حول التعايش والانفتاح الفكري بين شعوب العالم كانت حبيسة الطابع النظري أو انها لم تفلح في برهنة التصورات والدعوات بوجهة متوازنة وعادلة على أرض الواقع، ما أنتج خلافات وفروقات أرست بدورها شقاقا متمايزا في حجمه ونوعه بين هذه الحضارات ؛ بهذا فقط وفقنا في صقل أسلوب تواصل حيوي بين الثقافات العالمية في الإمارة والدولة أذكاه المناخ الثقافي والاجتماعي المثاليين لهذا البلد المعطاء بحيث ينصهر ويتقارب جميع الأفراد بشكل ودي تزول معه الفروقات ليحل مكانه الخيار العملي الناجع لدى الجميع المتمثل في إقامة صداقات وعلاقات متينة لا تقتصر على محيط العمل بل تتعدى ذلك متجسدة كنمط تعاط وتعامل حياتي شامل.

رؤية ومنهج

ويضيف السركال: لم يكن مشوار أدائنا في صدد هذا النهج والأهداف المرسومة سهلا -نحن في المركز ومثلنا العديد من الجهات الأخرى المعنية في الدولة- بل تطلب منا تكثيف الجهود والتحرك وفق خطط علمية ممنهجة درسنا من خلالها مختلف الأفكار والتصورات والنظريات المتعلقة بها ؛ وحاولنا إثرها وضع انسب الطرق والتصورات العملية مباشرين الاحتكاك بالجهات الرسمية والمدنية التي تمثل مختلف الدول والثقافات العالمية في دبي والإمارات الأخرى.

وتترجم ذلك ببرامج عمل متنوعة شاملة نجمع فيها أبناء مختلف الثقافات ضمن فعاليات متنوعة تفي بغرض الحوار المجدي بينهم وتبادل المعلومات الوافية والصحيحة حول الحضارات العالمية جميعها، وطبعا لم يفتنا في خضم هذا التحرك النوعي أن نولي اهتماما خاصا لبرامج وفعاليات التعريف بحضارتنا العربية والإسلامية النيرة التي تشدد على أهمية التقارب الإنساني العالمي.

العولمة بمفهوم ايجابي

اندفاع مارك بيير. الرئيس والرئيس التنفيذي لمجموعة العمل البريطانية الناشطة في دبي والإمارات الشمالية، عكس عمق تجربته وتميز رؤيته في تقديره لدور دبي والإمارات في إذكاء الحوار الثقافي والتواصل الحضاري العالمي:

إن دبي تمثل الفرصة الحيوية أمام مجتمعنا الدولي لتطبيق نظرية العولمة بمفهوم ايجابي متوازن، وذلك كونها راهنا أفضل مناخ للتواصل الحضاري المرتكز على أسس سليمة، فهي تحتضن أفضل ملامح التقارب بين شعوب العالم حيث يعيش الناس فيها بمختلف دياناتهم وثقافاتهم باحترام وقبول متبادلين، فيتكاتفون في انجاز الأعمال ويساندون بعضهم البعض، وكذا أيضا حال الزائرين للمدينة بعد ان تحتضنهم الهيئات المتخصصة وتخضعهم لبرامج تعريف وتثقيف بهذا الشأن، الأمر الذي أسهم بالتالي وعلى هذه الأرض الطيبة في إحلال رؤى وبراهين إمكانية التفاهم والوئام العالمي العادل.

وختم بيير حديثه: لا شك أن هذه الأرضية حفزتنا في المجموعة للحرص على استثمار جزئياتها وتبني مشاريع عمل تستند إلى خطط مشتركة بيننا في الهيئات الرسمية والمدنية البريطانية ضمن الإمارات من جهة والهيئات المسؤولة في دبي والإمارات من جهة أخرى، وعلى رأسها مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري، وأنا سعيد جدا بالانجازات التي حققناها في هذا الخصوص، حيث جاءت كنتيجة حتمية منطقية لهذه الأنشطة والبرامج الفكرية الحضارية المعمول بها.

مصلحة الشباب العالمي

«الحوار الحضاري والانسجام الثقافي في الإمارات ليس سمة شكلانية، هو إطار تواصل جوهري بين مختلف الجنسيات، و الأهم انه يركز بتوسع على شريحة الشباب العالمي».

هذا ما قدم به الحديث الشيخ سلطان القاسمي، رئيس مجلس الإدارة في المنظمة الإقليمية للقيادات العربية الشابة- الإمارات، وأردف: سمعنا وقرأنا الكثير عن الدعوات والنظريات الخاصة بحوار الحضارات وتقارب الشعوب، والتي ترجمت من خلال فعاليات رسمية بقيت بعيدة عن الواقع ولم تحقق أية نتائج بناءة تفيد الوصول إلى توافق نوعي بين الأمم مصيره توفير متطلبات الحوار والتلاقح الفكري المضموني، لكن الإمارات قلبت مسلمات هذه العملية ونجحت في صوغ أفضل النماذج في مسيرة الحوار الثقافي والفكري بين الشعوب وأنصفت بها في هامش كبير مصلحة الشباب العالمي.

ومن ثم خدمت في المحصلة هدف الانسجام بين جميع الحضارات الإنسانية، ونحن بدورنا في منظمة القيادات العربية الشابة اعتنينا في الاستفادة المثلى من هذه الأجواء فبادرنا إلى استثمار فرصة الحضور والتقارب العالمي هنا عبر مساقات عمل سمتها التعاون والتنسيق مع عدة هيئات لتوفير أغنى أفق التواصل والحوار بين شبابنا العربي ومختلف الشباب في الحضارات والثقافات العالمية الأخرى.

درس دبي

هينينغ أ. فريس (ألماني). مدير عام فندق مونارك - دبي يستهل مشاركته موضحا تجربته الشخصية وانطباعاته قبل وبعد القدوم إلى دبي، مشددا على انه يمثل في هذا التوصيف جميع القادمين إلى الإمارات من مواطني الدول الغربية، فهو منفتح الآن على الآخرين إلى ابعد الحدود كونه بات يدرك علو شان ونبل جميع الحضارات العالمية بعد أن اختلط بالأفراد من مختلف الجنسيات وارتبط مع العديد منهم بعلاقات صداقة وثيقة.

وذلك طبعا على عكس تصوراته ومدى معرفته أو حتى استعداده للانفتاح على الثقافات الأخرى حين كان يقيم في بلده، إذ إنها كانت ملتبسة ملأى بأوهام وأحكام مسبقة لا تمت إلى الواقع بصلة، هكذا هي قناعته الراسخة راهنا.

وطن لا غربة

كثيرون يتساءلون بعد أن استقروا في دبي أو واصلوا زيارتها، عن ذاك السحر الذي يجذبهم فيها ويجعلهم لا يشعرون بالغربة.

إليزابيث فارفيس (هندية). مديرة حسابات الزبائن في وكالة ناديا للتوظيف والتدريب، تجيب في حديثها عن هذه النقطة: كنت متحمسة منذ البداية للقدوم إلى دبي ودولة الإمارات، حيث المناخ الثقافي والاجتماعي والاقتصادي المزدهر إلى جانب طابع التسامح وحرية الجميع في ممارسة معتقداتهم.

وما شجعني بشكل ابرز أن اهتماماتي الشخصية والفكرية كانت منصبة على فهم واستيعاب مكنون الثقافات والحضارات المختلفة، بذا مثلت لي دبي المجال الحيوي الرحب كونها تعد حاليا محرك وطريق تآلف مختلف الشعوب بفضل رؤيتها الثاقبة وسماحة وود أهلها وأهل الإمارات عامة.

وهكذا فإنني لم أتردد مطلقا عندما سنحت لي الفرصة وركزت منذ وصولي(قبل ثلاث سنوات) على الاقتداء برؤية عملية استطيع معها الاحتكاك المعمق، على صعيد العمل وفي مجالات الترفيه وشتى الأطر الاجتماعية والمناسبات الثقافية، بأشخاص من ثقافات متنوعة للاطلاع عن كثب على مبادئ وفلسفة جميع الحضارات.

وهاأنذا الآن لدي مجموعة كبيرة من الأصدقاء الذين يمثلون ثقافات دول العالم اجمع، أتعايش وأتواصل معهم بمنوال تعامل وقرب يومي بت معه بعيدة عن الشعور بالغربة.

صورة براقة لحضارتنا

وجهة نظر نسرين دوما (مغربية) مديرة مكتب شركة بريسميان للكابلات في دبي، لا تغاير هذه الآراء، لكنها تتمحور أكثر حول قضايا مهمة تخص قيم الحضارات ودور دبي في عكس صورة حقيقية للحضارة العربية والإسلامية:

إن دبي ومختلف مدن ومناطق دولة الإمارات العربية المتحدة تتموضع الآن كواحة عالمية هواؤها ومتنفسها رسالة السلام والمحبة عالميا، فلا جزر معزولة في محيط هذا المجتمع تجعل الناس يختارون التقوقع للاحتكاك فقط بأبناء جلدتهم، المناخ متاح ومشجع لتواصل واندماج كافة الأفراد والمجموعات، ففي مجالات الحياة كافة تتثبت من حقيقة رسوخ التقارب الوجداني بين الأشخاص ايا كانت انتماءاتهم ومعتقداتهم.

مواطنة عالمية

ختام محطات هذا التحقيق كان مع رأي هينيريتا اودوزي (نيجيرية ـ بريطانية الجنسية). محامية في شركة أمنيات للتطوير العقاري:

اشعر حاليا وأنا أقيم في واحة دبي والإمارات أنني مواطنة عالمية استقر خارج بوتقة الحدود، إذ استطعت معها تجاوز أي تصورات وآراء سلبية حول بعض الحضارات والثقافات العالمية، فمعايشتي اليومية وعلاقاتي وتواصلي مع الناس هنا جعلاني افهم ذلك بدقة دون تحريف أو تشويه، وأريد أن أشيد في هذا الصدد بقيمة الفكر والثقافة التي يحملها الإنسان العربي في داخله. إذ توضح وتأكد لي هذا في نموذج المواطن الإماراتي خاصة، انهم جميعا ـ (إماراتيين ووافدين عرب) يحملون رسالة محبة وسلام وانفتاح ليس لنا إلا أن نفهمها ونقابلها بأكبر الترحيب والقبول.

ملامح التقارب

يعتبر البريطاني مارك بيير أن دبي تحتضن أفضل ملامح التقارب بين شعوب العالم حيث يعيش الناس فيها بمختلف دياناتهم وثقافاتهم باحترام وقبول متبادلين، فيتكاتفون في انجاز الأعمال ويساندون بعضهم البعض، وكذا أيضا حال الزائرين للمدينة بعد ان تحتضنهم الهيئات المتخصصة وتخضعهم لبرامج تعريف وتثقيف.

إنجاز فكري

تقول المغربية نسرين دوما إن دبي هي انجاز فكري قيمي رائع سطرته هذه المدينة العربية متجسدة في هذا كصورة براقة صادقة لمضمون الحضارة العربية والإسلامية، وهنا لا يفوتني أن انوه بدورها في التعريف بثقافتنا وفكرنا العربي والإسلامي، فالكثير من الأصدقاء الغربيين الذين أتحاور معهم بهذا الصدد يؤكدون لي دور انفتاح دبي ونشاطها في التعريف بجوهرهما.

المناخ الفكري

يقول عبد الله بن عيسى السركال إن دبي استطاعت بفضل توجيهات قادتنا والرؤية الاستراتيجية المعتمدة، أن تخلق في مناخها الاجتماعي والفكري ركيزة تناغم معرفي عالمي منفتح على الآخر لا يأخذ بأية اعتبارات مغلوطة في نظرية العولمة وينبذها كون مؤداها الوحيد إنتاج نماذج العزلة أو التبعية والسيطرة ومن ثم تفوق جهة على أخرى.

رفعت بو عساف