«وراء الجدار» هو كتاب ـ تحقيق للمصور البريطاني ريتش ويلز. والموضوع الأساسي لهذا العمل هو الحياة اليومية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وخاصة في مخيمات اللاجئين.
أما المادة الأساسية التي يحتويها فهي مجموعة من «الحكايات» القصيرة التي يرويها الفلسطينيون في معاناتهم، ومن المحادثات التي أجراها المؤلف معهم وكذلك من المقالات التي كان قد نشرها خلال عامي 2006 و2007 وبالتحديد حول الحياة داخل المخيمات الفلسطينية وحولها في الضفة الغربية. ويسرد «ريش ويلز» حوارات عديدة مع فلسطينيين من كل الأعمار، بما في ذلك مع عدد من أولئك الذين عاشوا «النكبة»، وأيضا مع أطفال ونساء فلسطينيين يرزح بعضهم في السجون الإسرائيلية منذ عدة سنوات. ويحكي المؤلف هموم الأهل فيما يتعلق بمستقبل أطفالهم خاصة على صعيد التعليم في وسط أجواء من العنف التي تنشرها قوات الاحتلال الإسرائيلي في كل مكان. ويكرّس المؤلف عددا من صفحات كتابه للحديث عن «المعركة» التي يخوضها الفلسطينيون من أجل تثبيت «حق العودة» إلى مدنهم وقراهم الأصلية.
ومن خلال كل أشكال المعاناة التي يرسمها المؤلف في كتابه يحاول أن يقدم للقارئ الغربي صورة عن الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي. وأبعد من هذا يحاول القيام بنوع من «التحليل النفسي» للآثار التي تترتب على الاحتلال والنفي والاستعمار. ولعلّ ما يتضمنه هذا الكتاب من أكثر الشهادات «فرادة» وعمقا من «تجربة الاحتلال» التي يعيشها الفلسطينيون وما يرافقها من قمع وحرمان يوميين، ومن أشكال الظلم التي عرفها أي شعب آخر من الشعوب التي عرفت وطأة الاحتلال.
وما يؤكده المؤلف، بالاعتماد على التجربة التي عاشها بصورة شبه مستمرّة منذ عام 2003 في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، هو أن هذه المخيّمات تعاني من مستوى أكثر شراسة وقسوة من المدن أو القرى في الضفة الغربية فيما يتعلق بعمليات الاقتحام التي يمارسها الجيش الإسرائيلي أو من حيث ما تتعرض لها من عنف وما تعاني منه من فقر ويأس. هذا دون التقليل من قسوة وشراسة ما يعاني منه جميع الفلسطينيين أينما تواجدوا في ظل الاحتلال الإسرائيلي.
إن ريتش ويلز، وبالإضافة إلى الشهادات والوقائع وقصص الحياة اليومية للفلسطينيين، يقدّم توصيفا لوضع الفلسطينيين منذ النكبة. ويشير إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في العالم هو حوالي سبعة ملايين لاجئ من بينهم أكثر من 650000 يعيشون داخل المخيمات. ولا يتردد في توجيه النقد الشديد لوسائل الإعلام العالمية التي تتجاهل الخوض في عمق المأساة الفلسطينية.
هذه المأساة ينقلها هو، كما يقول، عبر الصور التي ترتسم في عيون أبناء الشعب الفلسطيني. ومن المهمات التي يؤكد المؤلف بأشكال عديدة أنه يسعى إليها من هذا الكتاب هناك «تصحيح الصورة» وإسماع الصوت الفلسطيني إلى أولئك الذي تجاهلوه، بل نفوا وجوده كله.
وبالوقت نفسه تذكير القارئ أنه «خلف الجدار» الذي أشادته إسرائيل باسم الأمن، والذي لا يمثل في عمقه سوى جدار عزل «عنصري»، إنما يتواجد شعب يتابع المطالبة بحريته، والتمتع ب«الحريات» التي اكتسبتها شعوب العالم. وهذا ما يبدو من خلال ما عبّر عنه الفلسطينيون أنفسهم، وينقله المؤلف.
وإذا كان ما يرسمه المؤلف من التعبيرات على الوجوه بليغا وعميقا. فإنه يقدم مشاهداته بالكثير من التفاصيل مما يدفع القارئ للإحساس أنه أمام مشاهد من أفلام صنعها الخيال.
هكذا يتحدث مثلا عن «سيارة أجرة» كان يراقبها من مكان في الظل تحت الجدار حيث توقفت ليس بعيدا عن ذلك ان «الطريق كان قد انتهى أصلا». ويدقق القول: «لقد ترجّل منها أربعة أشخاص بحذر.
ووقفوا للحظة يتأملون المكان وينظرون في كل الاتجاهات قبل أن يتوجهوا نحو باب معدني ضخم موجود في جدار التمييز العنصري، بل ويبلغ طوله ارتفاع الجدار (...) لقد كان مقفلا. بكل الحالات لم يكن ذلك هو الطريق الذي سوف يسلكونه للخروج من حيث هم. وأمام الباب قفزوا في قناة جوفية صغيرة لتصريف المياه (...).
وخلال بضع ثوان اختفى الأربعة عن الأنظار وكأنهم لم يكونوا سوى أشباح اخترعتها مخليتي». ويشرح المؤلف أنه عندما سأل بعض الفلسطينيين من معارفه من تفسير ما شاهده أخبروه أن البشر ؟ الفلسطينيين ـ يستخدمون «قنوات المياه الملوّثة تلك» كوسيلة للدخول إلى مدينة القدس. ثم يؤكد القول انه خلال السنوات الأخيرة بعد بناء الجدار كان أبناء القرى الفلسطينية الواقعة في ضواحي القدس الشرقية يستخدمون ممرات «غير شرعية».
وتمثل مدينة «ابوديس» أحد الأمثلة لذلك «قبل بناء ذلك الرمز الحديث ـ الجدار ـ للتمييز العنصري». ويؤكد المؤلف أن «الإحساس بالضيق كان هو الشعور الملازم له طيلة الأيام».
وعبر توصيف تلك «الأكياس» التي يحمل فيها الفلسطينيون قوتهم اليومي «البسيط» وهم يحاولون الوصول إلى القدس للعمل وتأمين معيشة أسرهم، يصل المؤلف إلى القول ان «الحديث عن أن أولئك الرجال كانوا يحاولون الدخول إلى المدينة بطريقة غير شرعية، إنما كان يمثل بالوقت نفسه توصيفا لقوانين الاحتلال».
«خلف الجدار» هو كتاب عن الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة في مخيمات اللاجئين وكتاب عن «الخبز والماء وأشكال النضال من أجل البقاء»، كما جاء في عنوان مقال للمؤلف من بين سلسلة طويلة من المقالات كان قد كتبها تحت عنوان عريض هو «خلف الجدار».
الوجوه تحكي
ما يؤكد عليه المؤلف هو قوله ان المسألة الفلسطينية لا تعني في واقع الأمر الفلسطينيين وحدهم. بل يرى أنها «المسألة الأكثر أهمية بالنسبة للإنسانية». هذا خاصة أن فترة معاناة الشعب الفلسطيني هي من أطول ما عرفته البشرية. أضف إلى ذلك تعرض هذا الشعب ل«الظلم المتعمّد» من قبل قوى العالم الكبرى.
ولا ينسى المؤلف أن يحيي في هذا السياق «الشجاعة» و«الصبر» اللذين أظهرهما الفلسطينيون ولا يمكن لأية قوة مهما كانت أن «تقتلهما». وإذا كان يؤكد هذه الصفات لدى أبناء المخيّمات فإنه يفعل هذا دون ضجيج وعبر تعبيرات الوجوه «التي لا تنتسى».
المؤلف في سطور
ريتش ويلز، مصور بريطاني وأحد المناضلين الأوروبيين من أجل حقوق الإنسان. يشرف على عدة مشاريع للتعاون الفني بين الشباب في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وعلى مشروع مشابه لدى المدارس البريطانية. عرفت الصور التي التقطها طريقها للنشر في العديد من الصحف والدوريات البريطانية مثل «ملحق التايم التربوي» و«يوركشاير بوست». نظّم عدة معارض في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وفلسطين حيث يعيش أغلب وقته.
الكتاب: خلف الجدار
تأليف: ريتش ويلز
الناشر: بوتوماك بوك ـ لندن 2009
الصفحات: 208 صفحات
القطع: المتوسط
Behind the wall
Rich Wiles
Potomac Books- London 2009
P.208

