يشكل مفهوم «التمييز الإيجابي» أحد مواضيع النقاش المطروحة بقوة في العديد من المجتمعات الغربية وفي مقدمتها المجتمع الأميركي. والمقصود ب«التمييز الإيجابي» هو إعطاء بعض الأفضلية للأقليات الموجودة في المجتمعات على صعيد القبول بالمدارس وحتى على صعيد التوظيف.

هذه الفكرة بدأت عمليا منذ أواسط عقد التسعينات الماضي وصدرت عدة كتب حول الموضوع. البعض عارضوا «التمييز الإيجابي» والآخرون أيّدوه ودعوا إليه، ومن بين هؤلاء الأستاذ الجامعي الأميركي جيمس ستيربا، الذي غدا أحد أشهر الأخصائيين في هذا المجال، وقد كرّس كتابه الأخير «التمييز الإيجابي من أجل المستقبل». ويمثل هذا الكتاب، الصادر عن جامعة كورنيل، مرافعة من أجل «التمييز الإيجابي» باسم التنوع. بل هو يستخدم مقولة «التنوّع» وما تحمله من ثراء للأمم والمجتمعات المعنية بها، كتبرير للمطالبة بالتمييز الإيجابي. وهو يحدد إطار مجال تطبيق هذا التمييز من المجال العرقي الخاص بالأميركيين ذوي الأصول الإفريقية وبذوي الأصول الاسبانية القادمين خاصة من بلدان أميركا اللاتينية وفي مقدمتها المكسيك والأميركيين «ذوي الأصول الأخرى». لكنه يتجاوز هذا التحديد كله للوصول إلى «التمييز الإيجابي» على أساس الجنس، أي بين الرجل والمرأة.

ويقيم المؤلف دعوته إلى تأييد «التمييز الإيجابي» على أساس لائحة طويلة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تدل جميعها على أن الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، أي من السود، وذوي الأصول الأميركية ـ اللاتينية ـ الناطقين باللغة الاسبانية ـ يعانون من أوضاع أسوأ قياسا ب«البيض».

إن المؤلف يكرّس الفصل الأول من الكتاب للحديث عن «التمييز العنصري والتمييز بين الجنسين». وهو يعتمد في التحليلات التي يقدمها على العديد من الإحصائيات مثل تلك الخاصة بوفيّات الأطفال لدى مختلف المجموعات المكوّنة للمجتمع الأميركي، وإحصائيات في مجال الموافقة على منح قروض من البنوك أو من المؤسسات المالية، في هذه الحالات كلها يصل المؤلف إلى نتائج تدل على أن الفرق إيجابا أو سلبا يتبع الفروق بين انتماءات الأفراد العرقية أو الفئوية.

وتؤكد نفس المؤشرات الإحصائية على أن النساء يأتين في مراتب أدنى من الرجال في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أنه «من الواضح جدا أن هناك تمييزا عنصريا وتمييزا على أساس الجنس».

أحد فصول هذا الكتاب مكرّس لدراسة «تاريخية التمييز الإيجابي». ويعود المؤلف إلى الحديث عن فترة النضال من أجل نيل الأميركيين السود لحقوقهم المدنية وإلغاء التمييز العنصري. ويشير إلى «قانون الحقوق المدنية» لعام 1964 الذي نصّ صراحة على منع جميع أشكال التمييز باسم «المساواة في الحظوظ للحصول على فرصة عمل».

وفي عام 1969 قررت إدارة الرئيس نيكسون ما عُرف ب«خطة فيلادلفيا» القاضية بضرورة أن يمارس أصحاب شركات الأشغال العامة نوعا من «التمييز الإيجابي» بحيث يكون في عداد العاملين لديهم نسبة من الذين ينتمون إلى «أقلية» ما. وفي عام 1978 أكّدت المحكمة الفيدرالية الأميركية العليا على «دستورية» استخدام معيار «العرق» في تحديد القبول بالجامعات، لكن دون تحديد «حصص ثابتة» من أبناء الأقليات.

واعتبارا من سنوات التسعينات عرفت مختلف الولايات الأميركية عدة استفتاءات بمبادرات شعبية. وكان من نتيجتها أن توقف العمل بمبدأ «التمييز الإيجابي» في الجامعات بولاية كاليفورنيا عام 1996 ثم في ولاية فلوريدا عام 2000 وفي ولايتي واشنطن وميتشيغان عام 2006. وكذلك في عدد من الولايات الأخرى. وفي عام 2007 منعت المحكمة الفيدرالية الأميركية العليا ممارسة «التمييز الإيجابي» في القبول بالمدارس الأميركية.

مؤلف هذا الكتاب يقترح في مواجهة هذا كله «سياسة تقوم على أساس إعطاء الأفضلية للنساء المؤهّلات وللأقليات الشرائح المتواضعة اقتصاديا مع أهداف مباشرة منع التمييز العنصري ـ بالمعنى السلبي ـ وبلوّغ التعددية. ولكن أيضا مع أهداف بعيدة تتمثل في بلوغ مجتمع المساواة في الحظوظ بين الرجال والنساء ومجتمع العدالة اقتصاديا». وما يقوله المؤلف في هذه الجملة يدافع عنه عمليا في مختلف فصول هذا الكتاب.

ومن خلال رسم صورة الواقع الأميركي الاجتماعي والاقتصادي على ضوء مقولات «التمييز العنصري» و«التمييز بين الرجال والنساء» يؤكد المؤلف على ترسخهما دائما في «المصلحة العامة». ولذلك يطالب بتوسيع مدى التمييز الإيجابي كـ «آلية للوصول إلى التعددية الحقيقية. من هنا ينبغي على الجامعات أن تسهّل دخول الطلبة من أبناء الأقليات وأبناء الطبقات العاملة والأسر الفقيرة.

وبالمقابل يطالب المؤلف بوضع حد لعملية «التمييز الإيجابي»، الذي تتم ممارسته في الواقع العملي من قبل الجامعات لمصلحة أبناء الشرائح العليا من المجتمع، أي الذي يصب واقعيا في مصلحة أبناء الشرائح البيضاء الغنية. ويتم الحديث في هذا السياق عن الجامعات التي يسميها المؤلف بجامعات النخبة.

التمييز والتوازن العرقي

ما يتم تأكيده هو أن سياسات «التمييز الإيجابي» ساهمت على المدى القصير في زيادة عدد أبناء الأقليات الاتنية في الجامعات الأميركية. لكن مع النمو الديموغرافي الكبير بالنسبة للأقليات قياسا بالأكثرية البيضاء خفّت حدة الفرق على أساس العرق أو الاتنية. هكذا رأى مجموعة من الخبراء أن برامج «التمييز الإيجابي» غدت غير مبررة.

المؤلف في سطور

يعمل جيمس ستيربا أستاذا للفلسفة في جامعة نوتردام، وكان رئيسا سابقا للجمعية الفلسفية الأميركية. ويتولى مسؤوليات العديد من الهيئات الفلسفية الأميركية. من مؤلفاته: «التمييز الإيجابي والمفاضلة العنصرية» و«العدالة هنا والآن» و«الإرهاب والعدالة الدولية»، الخ.

الكتاب: التمييز الإيجابي من أجل المستقبل

تأليف: جيمس ب. ستيربا

الناشر: جامعة كورنيل ـ 2009

الصفحات: 144 صفحة

القطع: الصغير

Affirmative action for the Future

James P. Sterba

Cornell University Press- 2009

P.144