«بروز قوى جديدة، نحو عالم متعدد الأقطاب»، كتاب جماعي، أنجزه خمسة من الباحثين الأوروبيين والكنديين الذين عملوا تحت إشراف الباحث والأستاذ في جامعة لييج البلجيكية سيباستيان سانتاندير.
ويدرس كل مساهم في الكتاب، تبعا لاختصاصه، تأثير بلد «صاعد» على عملية إعادة توزيع «الأوراق» في إطار المنظومة الدولية القائمة بعد نهاية فترة الحرب الباردة ونهاية الاستقطاب الثنائي الدولي. الحالات المدروسة، كل منها في فصل من فصول الكتاب، هي «جنوب إفريقيا: قوة إقليمية تبرز» و«البرازيل، تطلعات نحو القوّة» و«الصين، ثورة هادئة لقوة صاعدة» و«الهند التحدي الهندي بين التعددية والواقعية» و«المكسيك، التفوّق على الهيمنة الأميركية» و«روسيا: استراتيجية جديدة نحو القوى العالمية». وتؤكد التحليلات المقدّمة لمختلف الحالات المدروسة على أن البلدان المعنية تبدو ذات نفوذ أكبر من حيث تأثيرها على قضايا العالم. وأنها تتمتع بإمكانيات اقتصادية ظاهرة وكامنة تؤهلها للمساهمة في إجراء تغيّر حقيقي وكبير في الوضع العالمي وفي موازين القوى على «الحلبة» السياسية والاقتصادية العالمية.
وبناء على المعطيات الجديدة الناجمة عن تطوّر البلدان المعنيّة يتمّ استخلاص نتيجة أساسية مفادها أن بروز قوى جديدة يشكل مبررا لطرح مسألة النظام العالمي القائم على بساط البحث.
وهذا ما يدل عليه بوضوح عنوان الكتاب. ذلك على أساس أن هذه البلدان «الصاعدة» تعاني من «التهميش» على صعيد المنظمات الدولية بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي المنبثق عنها.
وما يشرحه المساهمون في هذا الكتاب هو أن الدول الصاعدة تتبنّى استراتيجية تقوم أولا وأساسا على إشادة عالم متعدد الأقطاب. عالم يتمتع بقدر أكبر من «اللامركزية» بالقياس إلى العالم الأحادي القطب الذي أرادت الولايات المتحدة الأميركية أن تتزعمه وتعمل على استمراره، خاصة في ظل الإدارة الأميركية السابقة.
ويشرح سيباستيان سانتاندير في الفصل الافتتاحي من الكتاب الذي يحمل عنوان «النظام العالمي، الهيمنة والقوى الصاعدة».
إن العالم كان حتى عام 1989، أي حتى انهيار جدار برلين في شهر نوفمبر من تلك السنة، محكوما بواقع الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكري الغرب «الرأسمالي» والشرق «الاشتراكي». وكانت «قراءته» سهلة.
وكانت العلاقات الدولية واقعة تحت سيطرة فكرة المواجهة بين قوتين عظميين، أميركية وسوفييتية، تملكان ترسانتين من الأسلحة النووية بحيث انه لم يكن هناك أي احتمال لإمكانية أن تستخدم إحداهما ترسانتها. فكل ضربة ستواجه بالرد، و«التدمير المتبادل» مؤكّد. هكذا قام ما سمي بـ «سلام الرعب».
وتتم الإشارة إلى أن «المخاطرة» لم تكن محصورة بالقوتين العظميين وحدهما ولكنها كانت تشمل حلفاءهما أيضا. أي ما كان يجمع من جهة بلدان منظمة معاهدة شمال الأطلسي «النيتو» بالنسبة للبلدان الغربية وما يعني شمال أميركا الولايات المتحدة وكندا وبلدان أوروبا الغربية.
ومن جهة أخرى حلف وارسو بالنسبة للبلدان الشيوعية، الاتحاد السوفييتي السابق وبلدان أوروبا الشرقية والوسطى.
وكان للاستقطاب الثنائي الدولي، فيما هو أبعد من المسائل الاستراتيجية، تأثيره الكبير على بلدان العالم الثالث، أو بلدان الجنوب. ذلك أن الكتلتين، الغربية والشرقية، كانتا تجهدان لمد نفوذهما في منظور فرض هيمنتهما أبعد من حدود الكتل «المضمونة».
ذلك على خلفية أن كلا من واشنطن وموسكو كانتا تملكان قناعات إيديولوجية تريدان فرضها على العالم أجمع. وبهذا المعنى كان الصراع هو بين نمطين للتنمية وللعلاقات الاجتماعية.
كان الغرب يرفع شعار الديمقراطية التمثيلية ولبرالية السوق على صعيد الاقتصاد بينما كان الاتحاد السوفييتي ومعسكره يطالبون بتطبيق النظرية الماركسية ومقولاتها حول الاقتصاد المخطط والأممية البروليتارية. وفي مثل ذلك السياق خلقت بلدان العالم الثالث ما عُرف بـ «حركة عدم الانحياز» بحثا عن «النجاة» من هيمنة القوتين العظميين.
لكن ليلة 9 نوفمبر من عام 1989 عرفت الحدث-المنعطف الأكبر في نهايات القرن العشرين.
لقد سقط آنذاك جدار برلين الذي كان يرمز منذ بنائه عام 1961 إلى «الستار الحديدي» الذي كان يشطر القارة الأوروبية إلى قسمين.
وسرعان ما أدارت بلدان أوروبا الشرقية والوسطى ظهرها واحدا بعد الآخر للشيوعية. وفي عام 1991 انهار الاتحاد السوفييتي، بلد الاشتراكية الأول، لتولد من تفككه 15 دولة مستقلة جديدة قامت مكان الجمهوريات السوفييتية السابقة. وهكذا انتهى الاستقطاب الثنائي الدولي لتبدأ مرحلة بروز عالم متعدد الأقطاب، بعد فترة «انتقالية» من الأحادية القطبية الأميركية في السيادة على العالم.
برزت أولا أربع دول صاعدة جديدة أصبح الحديث عنها بتعبير «بريك»، بالأحرف اللاتينية، معروفا منذ أن جرى استخدامه في تقرير لبنك الاستثمارات «غولدمان ساتش» عام 2003. الدول الأربع هي البرازيل وروسيا والهند والصين. وقد أضاف لها المساهمون في هذا الكتاب دولتين جديدتين هما جنوب إفريقيا والمكسيك، وأضافوا تعبير «بريكسام».
ويتم تبرير إضافة هذين البلدين بالقول ان القوة لا تحدّد فقط بالوزن الاقتصادي أو الديمغرافي أو العسكري. لكن يمكن أن تقاس بقدرة بلد ما على تعبئة موارده وثرواته المادية للتأثير على المحيط الدولي تبعا لمصالحه.
وكتاب عن ستة بلدان «صاعدة» اليوم وقد تصبح «قوى عظمى» في السنوات المقبلة.
الصعود أو العودة
القاسم المشترك بين التحليلات المقدّمة لمسيرات هذه البلدان كلها، وأغلبها من الجنوب تبعا للتقسيم المعروف بين الشمال والجنوب، هو أنها تبدو كلها «رابحة» من العولمة، وكلها «صعدت» من موقع هامشي إلى مصاف القوى الفاعلة على المسرح الدولي. الدول المعنية يتم عليها تعريف «الصاعدة» مع استثناء وحيد هو الحالة الروسية، إذ ان روسيا تؤكد عودتها القوية إلى المسرح الدولي كإحدى القوى الأساسية باعتبارها الوريث «الشرعي» للاتحاد السوفييتي السابق.
المؤلف في سطور
يعمل سيباستيان سانتاندير، المشرف الرئيسي على إنجاز هذا العمل، أستاذا للعلاقات الدولية في جامعة لييج البلجيكية. وكان قد عمل في قسم العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأوروبية بجامعة بروكسل الحرة. يساهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات العالمية. من كتبه: «الشراكة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي» و«العولمة وآلية الحكم والمنطق الإقليمي في عموم القارة الأميركية»، الخ.
الكتاب: بروز قوى جديدة نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب
تأليف: سيباستيان سانتاندير وآخرون
الناشر: ايلليبس ماركيتنغ ـ باريس 2009
الصفحات: 249 صفحة
القطع : المتوسط
L'Emergence de nouvelles puissances vers un système multipolaire
Sebastian Santander et
Ellipses Marketing Paris 2009
P.249

