فلورنس اوبناس صحفية فرنسية أمضت «157» يوما كرهينة في العراق خلال عام 2005. وخلال فترة أسرها كلها كانت النشرات الإخبارية الفرنسية في القنوات التلفزيونية الرسمية تبدأ بعرض صورتها مع الإشارة إلى كم يوم أمضت في الارتهان. وكانت صورها تملأ الشوارع وواجهات المخازن.

فلورنس اوبناس، هذه، قالت ذات يوم لزملائها ورؤسائها في العمل انها تريد التوقف عن العمل لمدة سنة تذهب فيها بعيدا عن فرنسا كي «تخلد» للراحة التي هي بحاجة ماسّة إليها. لكنها في الواقع لم تغادر التراب الوطني الفرنسي، ولكنها انتحلت شخصية «طالبة لفرصة عمل» في مدينة «كون» في منطقة النورماندي على الشاطئ الأطلسي، والتي لا تبعد عن باريس سوى أقل من ثلاث ساعات بالسيارة. لكن هذا القرب الجغرافي من العاصمة باريس ومن أجوائها التي كانت تعيش فيها بين زملائها الإعلاميين، لم يكن يحاكي أبدا «الابتعاد الإنساني» عن مثل هذه الأجواء، كما تقول. وليس الابتعاد الإنساني فحسب، ولكن أولا وأساسا «الابتعاد عن عالم مهنتها». لقد أمضت فلورنس اوبناس، الرهينة الفرنسية السابقة في العراق التي كان يرى ملايين الفرنسيين صورتها كل يوم، مدة ستة أشهر كاملة وهي تبحث عن فرصة عمل، وبوجهها الحقيقي دون «تغيير» ملامح وجهها، كما فعل الكاتب الألماني غونتر وولراف، عندما كتب «رأس تركي» واختلط بعالم العمّال الأتراك في ألمانيا. لقد حافظت على وجهها كما هو، وكذلك حافظت على هويتها حيث قدّمت نفسها باستمرار باسم «مدام اوبناس» البالغة من العمر 48 سنة، المهنة: عاطلة عن العمل، كمئات الآلاف من الفرنسيين.

المثير للدهشة هو أن «فلورنس اوبناس» الصحفية الفرنسية التي ملأت صورتها لأشهر طويلة شاشات التلفزيون الفرنسي عدة مرات في اليوم لم يتعرّف عليها أحد كـ «طالبة للعمل» سوى بعض الاستثناءات النادرة. ولكنها عايشت عن قرب الأوضاع الصعبة التي يعيشها عدد كبير من العاطلين عن العمل كليّة، أو الذين قد يسعفهم الحظ للانتقال من عمل مؤقت إلى عمل مؤقت آخر.

ضمن إطار عقود تُطلق عليها تسمية «عقود لأجل محدد» المختلفة جملة وتفصيلا عن «العقود لأجل غير محدد»، وذلك بالنسبة لما يترتب عليها من حقوق للعاملين، وخاصة حصولهم على التعويض الشهري للعاملين الذين فقدوا فرصة عملهم، وأيضا بالنسبة لأرباب العمل من حيث ما ينبغي عليهم دفعه لصندوق الضمان الاجتماعي وغيره.

لقد فازت «فلورنس اوبناس» بأعمال «صغيرة» مكرّسة لغير المؤهّلين والذين لا يحصلون سوى على أجور منخفضة جدا. وفي أغلب الأحيان لـ «بضعة ساعات». وقبل أن تخوض الصحفية تجربتها قرأت عدة أعمال عن مسألة «الانغماس» في أجواء العمل والعمال والعاطلين عن العمل. وقد أدركت أن الكتب يمكن أن تخدم في شيء، وإن كانت لا تستطيع «تغيير العالم». لكن المهم أن تكون هذه الكتب «عادلة» وفي «موقعها الصحيح»، ليس فقط بالطريقة التي «تقول» بها الأشياء، ولكن أيضا في «اللهجة» التي تقولها فيها.

وما تؤكده المؤلفة بأشكال كثيرة هو أنها لم تكن تبحث أبدا من تجربتها أن تبرهن على أي شيء ولا أن تتخذ أي موقف إيديولوجي. ولكن أن تسرد ما تراه وتعيشه وتعايشه وما يمكن أن يقول في الواقع أكثر من جمع النظريات. وخلفية ذلك أن تمارس مهنتها كما تصفها: «حياتي هي أن أكون صحفية. هذه هي هويتي العميقة».

وما فعلته عندما ذهبت إلى مدينة «كون» لم يكن بعيدا عن رغبة ممارسة مهنة الصحفي، لكن على مدى أطول من التجربة اليومية المعاشة. إنها رغبة «وصف فرنسا التي تعيش دائما بداخلها». لكن ليس على طريقة الصحفي الذي يتوجه نحو طوابير الطالبين لفرصة عمل وبيده دفتره أو آلة تسجيله. ولكن من خلال أن تكون «واحدا منهم، مع كل ما يتطلّبه ذلك من حدود».

إنها لم تتبع أسلوب «الحديث عن» ولكن بالأحرى الدخول في جلد عاطلة عن العمل عمرها 48 سنة، وبحيث تعيش دقائق حياتها، ذلك أن كل الأشياء لا تمر من خلال الكلمات، هكذا أرادت تجاوز حدود الخطاب، والعيش في عالم العاطلين عن العمل كي لا تخامرني مثلا رغبة، بل إغراء، التوجّه بالحديث لأولئك الذين يحسنون التعبير أكثر من غيرهم، مثلما كان ربما قد يحصل لو أنني فعلت ما فعلته كصحفية».

عالم الواقع

تروي المؤلفة أنها عندما فكرت القيام بالتجربة-المغامرة، خطر لها أنها سوف تواجه في كل مكان بإجابة واحدة مفادها أن «الأزمة» تمنع أي توظيف. وتضيف: «إن الواقع يقول شيئا آخر. ومنذ أن بدأت العمل، كانت الأزمنة موجودة». لكن ما يهمها لم يكن النظريات ولكن «التعامل مع الواقع ورؤية الأمور من موقع أن يكون المرء إنسانا».

المؤلفة في سطور

فلورنس اوبناس، هي صحفية فرنسية تعمل اليوم في مجلة «نوفيل اوبسرفاتور» بعد أن أمضت عشرين سنة في مسار مهنتها الصحفية في كل من «لوماتان دوباري» و«نوفيل ايكونوميست» و«ليبراسيون». نالت المؤلفة شهرة كبيرة في فرنسا أثناء الأشهر الطويلة التي أمضتها «رهينة» في العراق.

الكتاب: رصيف كيسترهام

تأليف: فلورنس اوبناس

الناشر: لوليفييه ـ باريس 2010

الصفحات: 272 صفحة

القطع : المتوسط

Le quai Quistreham

Florence Aubenas

L'Oliver - Paris 2010

P.272