تثير مسألة «المجّانية» الكثير من النقاشات في الآونة الأخيرة. وغدا من المألوف أن يلقى المتوجهون إلى أعمالهم في العديد من العواصم الغربية صحفاً صباحية مجانية.

ولا يخفى على أحد أن «المجّانية» غزت شبكات الانترنت، التي أصبحت بدورها وسيلة لها. والباحث الأميركي، رئيس تحرير مجلة «ويرد»، يقدّم كتابا تحت عنوان: «المجانية، مستقبل السعر صفر». وما يؤكده المؤلف في كتابه الجديد هو أن «المجانية تغزو محفظات نقودنا، وتتسلل إليها من جميع المسام». وهو يقدّم أولاً تفسيراً لغوياً للجذر الانجلوسكسوني لكلمة «نْمم»؛ التي تعني «حر ومجاني» في الوقت نفسه. ومن خلال شيوع ظاهرة «المجانية» بكل ممارساتها، يدخل العالم في ما يسميه المؤلف «عصر المجانية». إن المؤلف يقدم تحليلاته في هذا الكتاب تحت عناوين عدة، تبحث في: «ولادة المجانية»، و«ما هي المجانية؟»، و«المجانية الرقمية»، و«الاقتصاد المجاني»، و«قواعد المجانية»، وأخيراً «خمسة نماذج ؟ موديلات ـ قائمة على أساس المجانية».

وهناك أسئلة عدة يطرحها المؤلف في البداية، وتشير بوضوح إلى المنحى الذي ينهجه في تحليلاته. وهي أسئلة من نوع: كيف يمكن لبعض الشركات أن تكسب المال دون أن يدفع المستهلكون الثمن؟ وهل يمكن للاقتصاد أن يقوم حول السعر: صفر؟ ولماذا ينظر أولئك الذين تزيد أعمارهم على 30 سنة إلى المجانية بكثير من الشك فيما يراها الأكثر شباباً بمثابة سلوك طبيعي؟

يقول المؤلف عن مفهوم المجانية إنه «مفهوم مألوف وفي غاية السرية في الوقت نفسه». وهو أيضاً بصدد أن يعرف ثورة حقيقية، كما يشير، قبل إضافته، أن وصول شبكات الانترنت وتضاؤل كلفة الاشتراك فيها واستخدامها بنسب عالية جداً جعلها تتعدى كونها «وسيلة للترويج»، كي تصبح واقعاً يومياً.

وعلى الرغم من الشكوك بإمكان قيام الاقتصاد على المجّانية، يشرح المؤلف أن الشركات سيكون عليها أن تحدد موقفها، وموقعها، بالقياس إلى السعر «الراديكالي»، ويقصد السعر صفر، بل وجعل نشاطاتها مجانية، والعمل على إيجاد مصادر ريع جديدة؛ مثل اللجوء إلى بيع خدمات كالاستشارات، وتنظيم «مناسبات احتفالية»، لا علاقة لها بميدان اختصاصها.

هذا الاقتصاد الجديد «المجاني» كان هامشياً حتى فترة ليست بالبعيدة، ولكن المؤلف يقدّر «رقم أعمالية التجاري» بنحو 300 مليار دولار.

أمام مثل هذا الواقع يصبح السؤال المطروح على الشركات هو: من يدفع ماذا؟ والإجابة التي يقدمها المؤلف تتمثل في قيامه بمحاولة شرح النتائج الممكنة لاقتصاد المجانية الرقمي على قطاعات مختلفة، تتراوح بين قطاع التربية وحتى الصحة، ومروراً بصناعة السيارات والصناعات الفضائية.

وعلى الرغم مما تبدو عليه «المجانية» من هامشية في الحياة الاقتصادية، فإن المؤلف يؤكد أنها «موجودة بيننا»، وأحياناً كثيرة دون إدراك ذلك.

ويقود المؤلف قارئه إلى مخزن «سامبلاب» في طوكيو، الذي يقدّم لكل زائر إليه خمس سلع يختارها «مجّانا». وهذا المخزن ليس جمعية خيرية، ولا يعود إلى أحد الأثرياء كان قد قرر أن ينفق ثروته مقابل شهرة سيحصل عليها من مثل هذه الممارسة. لكن المخزن وصاحبه يسجلان أرباحاً. كيف؟

لقد حدد المخزن رسم دخول سنوياً. وهو يقوم بتأجير رفوفه إلى شركات تريد الانطلاق (أو الترويج) بمنتجاتها عبر عروض مجانية.

ثم يقوم المخزن ببيع المعلومات التي حصل عليها من جمع آراء المستهلكين حول هذه السلعة أو تلك إلى الشركة التي تنتجها. الأمر يتعلّق إذن ب«مفهوم التسويق القديم»، ولكن باستخدام جديد.

ويطرح المؤلف سؤالاً آخر: هل تملكون آلة لتحضير القهوة؟ إذا كانت الإجابة هي «كلا»، فإن شركة «نيسبريسو» سوف توجّه لكم سيلاً من العروض لآلات تنتجها من مختلف النماذج، ودون «ثمن». إن «نيسبريسو» تجني أرباحها من خلال بيع العبوات الكبسولات ـ التي تصنّعها، وذلك تماماً مثل «شفرات الحلاقة» التي تباع لآلات قد توزّع مجّاناً.

الطريقة قد لا تبدو جديدة، ولكن الجديد هو «تعميمها»، ذلك أنها «راسخة في الحمض النووي لشبكة الانترنت»، كما يقول المؤلف. ثم يحدد أربع آليات رئيسة تكمن «وراء المجانية». في الآلية الأولى، أنا لا أدفع شيئاً، لكن عندما أمتلك المنتج أصبح أسير شراء منتج آخر.

والثانية هي أن يكون «المحتوى» مجاناً للجميع لكن الشركة تربح من بيع المجال الإعلاني، على غرار التلفزيون «غوغل». والآلية الثالثة تعتمد على جعل «النسخة الأساسية» مجانية بينما يتم بيع نسخة متقدمة وبسعر مرتفع، مثل ألعاب الفيديو. وأخيراً هناك نموذج «الهبة» مثلما تفعل موسوعة «ويكيبيديا».

هكذا إذن، وحسب المنطق الذي يشرحه المؤلف لمفهوم المجانية، يتم تصوّر إمكانية أن يصبح كل شيء «مجانياً»، لكن والأهم، يمكن أن يصبح «مصدراً للكسب» من مشرب آخر. وبهذا المعنى يغدو مقبولاً القول إن أجمل، وأفضل العوالم، هو عالم الطفل الذي يذهب إلى بائع الحلوى ويأخذ كل ما يريد ويحيط به حب أهله، بينما يوجّه له البائع الشكر دون أن يطالبه بأي مقابل.

وكتاب يؤكد فيه مؤلفه أن عالماً اقتصادياً جديداً هو بصدد أن يثبّت أركانه. إنه عالم «المجانية». لكن عندما نسمع كلمة «المجانية» علينا أن نُخرج «محفظة نقودنا». فهذا الكتاب عن «المجانية» يزيد ثمنه على 22 يورو.

ثورة الانترنت

يتم التأكيد أن الانترنت، وفيما هو أبعد منه «تعميم التعامل مع منجزات الثورة الرقمية»، هو بصدد أن يُحدث تغيّراً جذرياً في الاقتصاد باتجاه «تعميم المجانية» أيضاً. وهذه هي في الواقع الأطروحة الأساسية في الكتاب. هذا على الرغم من التأكيد أن الكثير من الشكوك لا تزال تواجه «إمكانية» قيام الاقتصاد حول مفهوم المجانية.

المؤلف في سطور

يعمل كريس اندرسون، مؤلف هذا الكتاب، رئيساً لتحرير مجلّة «ويرد» منذ عام 2001. وكان قد عمل رئيساً لقسم الانترنت في مجلّة الإيكونوميست. ويسهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات الأميركية المختصّة في عالم الاقتصاد.

الكتاب: المجانية، مستقبل السعر صفر

تأليف: كريس اندرسون

الناشر: هيبريون بوك ـ نيويورك 2009

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

Free, the future of a radical price

Chris Anderson

Hyperion Book- New York - 2009

P.288