يجلس الروائي والمخرج والناقد السينمائي الأفغاني عتيق رحيمي في مقهى كافيه سليكت في مونبارناس بباريس، عاكفاً على شرب قهوة الصباح، ويعود بذاكرته إلى سنوات طويلة عندما قطع سيراً على الأقدام 350 ميلاً، في رحلة الهروب من كابول الواقعة تحت نير الاحتلال السوفييتي إلى الحدود الباكستانية، وسط الجليد الذي يكسو الجبال والألغام التي تهدد الجميع بالموت مع كل خطوة إضافية، ولاذ خلالها بمساجد القرى نهاراً ليستأنف الرحيل تحت جنح الظلام.

وهو يقول، مستعيداً ذكرى تلك الأيام الصعبة: «كنت في ذلك الوقت في الثانية والعشرين من العمر، ولكن لو أنني كنت أعرف كم ستكون هذه الرحلة سيراً على الأقدام صعبة، لربما بقيت في وطني».

وعندما يصغي المرء إليه، فإنه يدرك جانباً جوهرياً من جوانب عملية القص، فالتجربة يمكن أن تكون شيئاً فظيعاً، لكن المؤلفين يعملون دوماً على نحو ما في أن يسحروا الآخرين، فيما هم يبلغونهم بما لديهم ويثيرون فزعهم. وهكذا فإنه فيما تعالج روايات رحيمي الدمار الذي حل بأفغانستان، فإنها تتضمن زخماً روحيا وعذوبة تجعلان هذه الروايات جميلة أيضاًک وقد صدرت روايتاه «حجر الصبر» و«الأرض والرماد» مؤخراً باللغة الانجليزية. وهو يقول: «بالنسبة لي، فإن كل رواية تأتي مع سياقها ومشكلاتها اللغوية». ويشير إلى أن روايته الأخيرة هي كتاب عنيف، ولكن تحتها يضج بالصخب شعر القرن الثالث عشر.

هذا التوتر بين الماضي والحاضر يجعل هذه الرواية الأخيرة لرحيمي تغني حق في ترجمتها الانجليزية المنقولة عن الفرنسية، التي كتبت بها أصلاً، وهي في غمار هذا الفناء تومئ إلى شيء ما يتجاوز الدمار الذي يرتبط بأفغانستان في أذهان الكثيرين، فهناك واقع آخر، كما كانت الحالة دوماً.

يقول عتيق رحيمي : «ولدت في كابول لم يكن لمفاهيم مثل الطاجيك والبشتون فيها معنى، وكانت أمي مدرسة، بينما كان أبي حاكم مقاطعة في ظل ملكية ظاهر شاه، وقد أطلعني على أعمال فيكتور هيجو، في دار كانت فيها دوماً ترجمات لشتاينبك وفرجينيا وولف، وكان الجميع بوسعهم إلقاء القصائد والغناء».

غير أنه في أعقاب انقلاب 1973، الذي أطيح بالملك فيه وأعلنت أفغانستان جمهورية، بدأت عائلة رحيمي في التداعي، وبعد أن درس في مدرسة الليسيه الفرنسية ـ الأفغانية، انضم إلى أبيه في المنفى في بومباي لفترة قصيرة، وما لبث أن عاد إلى أفغانستان، بعد فترة قصيرة من الغزو السوفييتي لأفغانستان في 1979، ودرس الأدب في جامعة كابول، وعمل ناقداً سينمائياً.

واستدعى للخدمة العسكرية مع عرض بالاعفاء منها إذا أبدى ولاءه للنظام الذي يهيمن عليه السوفييت، الذي كان أخوه الأكبر من كوادره القيادية. وهو يقول: «عرضت عليَّ منحة للدراسة في موسكو، ولكن كون أبي من أنصار الملكية وأخي يبدو كادراً شيوعياً جعلني أقرب إلى أن أكون فوضوياً، وتعين على العثور على مصير آخر».

هذا هو على وجه الدقة ما دفعه إلى تلك الرحلة المرهقة في الجبال عام 1984، والذي يقول عنها رحيمي »انطلقت في جمع مؤلف من 22 شخصاً من بينهم زوجتي المقبلة، وتعرضنا للسلب على يد رجال العصابات وللمرض ومضينا نخوض في الجليد العميق وحقول الألغام، وحسبنا أننا سنظل على هذه الحال حتى حلول الربيع».

غير أن أحد قادة المجاهدين تتطوع لإنقاذهم عبر توصيلهم إلى الحدود. ويتذكر رحيمي : «كان رجلا شجاعاً للغاية، تقدمنا في المسيرة على صهوة جواده، ومضى يطلق النار من بندقيته الكلاشينكوف على الجليد، وقال لهم: إذا انفجر لغم وأطاع بي، فامضوا في طريق آخر!».

وتابع: «كان علينا الانطلاق متبعين آثار جواده على الجليد، ووصلنا بالفعل إلى الحدود الباكستانية. وقال المجاهد: أمامكم باكستان، ووراءكم بلادكم فانظروا إليها للمرة الأخيرة! ونظرت إلى الوراء، فبدت آثار أقدامنا ممتدة في الجليد على مدى البصر، وأمامنا امتد مشهد مكسو ببياض الجليد، وبالنسبة لي بدا ذلك مثل صفحة بيضاء، مثل الحرية».

مكث في باكستان شهراً، متسائلاً عما إذا كان سينضم إلى المقاومة، وفي نهاية المطاف قدم طلباً للجوء السياسي إلى فرنسا، واعتبر نفسه لاجئاً ثقافياً أكثر مما هو لاجئ سياسي، فأكمل رسالة دكتوراه في الاتصالات البصرية والسمعية في جامعة السوربون، وبدأ تأليف روايته: «الأرض والرماد» في 1996، التي كانت في أحد جوانبها، استجابة لنظام طالبان، وفي جانب آخر استجابة لخبر وصرع أخيه.

وهو يقول: «خشيت عائلتي من أنني سأحاول الثأر له، فحجبت خبر مقتله عامين عني. وبدا لي أن ثقافة الثأر هذه كانت السبب في أن أفغانستان تردت مراراً إلى أشكال جديدة من العنف. وكان هذا الرفض للحداد والإصرار دوماً على السعي للانتقام بلا تنازل يعني أنه حتى فيما كان السوفييت ينسحبون من أفغانستان مخلفين مليون قتيل وراءهم كنا نقاتل من جديد».

كانت رواية «رحيمي الأولى.. الأرض والرماد» محاولة للتصالح مع هذا الجنون، وهي تحكي قصة دستاجير، الفلاح العجوز، فيما هو يمضي مصطحباً حفيده ياسين ذي السنوات الخمس إلى منجم فحم يديره الروس ويعمل فيه والد ياسين. وكان الصبي، وهو الناجي الوحيد من غارة قصف سوفييتية أودت بأم الصبي وجدته، قد فقد قدرته على السمع في غمار الغارة، ولكنه لم يكن قد أدرك بعد السر في أن «الأحجار كفت عن أن تصدر صوتا». أما أبوه الذي كرمه السوفييت باعتباره عاملاً مثالياً، فهو يعتقد أن المجاهدين هم الجناة.

يعد هذا الكتاب حكاية رمزية عن الإخفاق العائلي، يواجه فيها الفلاحون الموغلون في العمر، الذي أربكهم عالم صناعي حديث، مستقبلاً لا يمكن للأطفال فيه أن يسمعوا شيئاً. وقد كثف رحيمي عشر سنوات من الاحتلال السوفييتي لبلاده في ستين صفحة مذهلة. وهو يقول: «لابد من تذكر أن الكثير من طالبان هم من يتامى الحرب، الذين ربتهم المدارس الدينية التقليدية في باكستان.

ولما كانوا لم يحظوا برعاية الأمهات قط، ولم تكن لهم صلات بالنساء ولم يعرفوا إلا الترهيب من الجحيم، فقد كانوا معاقين على الصعيد النفسي، وعلى الرغم من أنني جعلت أحداث (الأرض والرماد) تدور خلال الاحتلال السوفييتي، فإنني كنت أحاول حقاً الوصول إلى سبيل لأفسر لنفسي جذور صعودهم».

وهو في غمار اختياره السرد من خلال الضمير الثاني، فإنه أيضاً يجبر القارئ على مواجهة الجحيم من وجهة نظر دستاجبر. ويقول الروائي الأفغاني في هذا الصدد: «إن (أنت) الواردة في الرواية عنيفة في البداية، ولكنني آمل أيضاً أن تكون شاعرية، ورواية (الأرض والرماد) تشبه خطاباً مفتوحاً، موجهاً إلى الأفغان، إلى الغربيين، ولكنه موجه أيضاً إلى الأصدقاء. إنه احتجاج، إذا شئت، ضد الحرب التي يبدو أن العالم لا يكترث بها».

بعد 18 عاماً في المنفى، عاد عتيق رحيمي إلى أفغانستان التي تذكرها العالم، وإن كان ذلك لفترة قصيرة، وقام بتصوير فيلم وثائقي لحساب التلفزيون الفرنسي، وزار في غمار ذلك أطلال كابول، الأمر الذي ذكره طوال الوقت بسطور في مقال كان فريدريك إنجلز قد كتبه عام 1857: «في حالة الأفغان، فإن الحرب إثارة وانعتاق من انشغال مضجر بمهام مصطنعة».

مع صدور الترجمة الانجليزية لرواية «حجر الصبر» للروائي والمخرج السينمائي الأفغاني عتيق رحيمي ، بادرت صحيفة «إندبندنت» اللندنية إلى إجراء هذا الحوار معه، حيث ألقى فيه الضوء على تجربته الإبداعية في الرواية والسينما، وشدد على أن بلاده بحاجة إلي استرداد روحها واستعادة المزيد من الشعر قبل إنشاء المستشفيات والمدارس، ووصف روايته بأنها عمل عنيف لكنها تتدفق بشعر القرن الثالث عشر، وأعرب عن اعتقاده بأن أفغانستان وقعت في فخ الصورة التي رسمها الغرب عنها، بحيث أن الأفغان أصبحوا لا يعرفون شيئاً إلا الحرب، وفيما يلي نص المقابلة.

منى مدكور