تنتمي رواية «حجر الصبر»، التي تعد الرواية الثالثة للكاتب الأفغاني عتيق رحيمي والأولى التي يؤلفها باللغة الفرنسية بعد روايتيه المكتوبتين بالفارسية، إلى نوعية نادرة من الإبداع الأدبي الذي يجمع محدودية الصفحات ورحابة الخيال. نستطيع القول إن «حجر الصبر» هي رواية ترتقي إلى أفق ترتيلة للحرية والحب، وهي تنهض مثلما صلاة لروح الموتى تتحدى كل محاولات النسيان، وهي بهذا المعنى عمل سحري مثل حجر الصبر نفسه في المعتقدات الشرقية.
وعندما ينتهي القارئ من صفحات الرواية التي لا تتجاوز 160 صفحة فإنه لا يملك إلا أن يستعيد أصداء أعمال مارجريت دوراس، مسرحيات سارتر، أعمال صمويل بيكيت، بل وإرنست همنجواي، فهي رواية جميلة، وموجعة، تجمع بين الخفة والجدية، وهي من تلك الأعمال النادرة التي تجعل الوقت يهرب، كأنه رمال تفلت من أصابع، والكثيرون قرأوها في جلسة واحدة، ولكن قلائل هم الذين قدر لهم نسيان سحرها الفريد. ويلفت نظرنا أن عتيق رحيمي يبادر في صدر الرواية إلى تحديد مكانها على أنه: «في مكان ما من أفغانستان، أو في موضع آخر». والواقع أن الرواية تجرى في غرفة صغيرة، تتوقف العين فيها عند صورة بالأبيض والأسود معلقة على الجدار لرجل، سنجده راقداً على حشية على الأرض، وهو في غمار عيبوبة يبدو أنه لن يقدر له أن يفيق منها أبداً. وإلى جواره امرأة تمسك يديه بإحدى يديها وبالأخرى تمسح مسبحتها غارقة في تفكير عميق.
تبتهل المرأة إلى الله أن يعيد إليها زوجها، وكذلك إلى ابنتيهما الصغيرتين، وهي تعكف على العناية به ليلاً ونهاراً، وتغير الزجاجة البلاستيكية التي تكفل قطرات منها تغذية زوجها عبر أنبوب يمتد طرفه إلى جسمه المستقر في سكون، وذلك على الرغم من أنها هي نفسها تعاني من عضات الجوع، وتتهددها وقائع الحرب التي تدور على نحو متقطع غير بعيد عن المستشفى الذي يضم هذه الغرفة.
على امتداد الرواية، يظل الرجل والمرأة وغيرهما من الشخصيات مجردين من الأسماء، وهم لا يخضعون بحال لمصيرهم المتشح موتاً، بل ان المرأة بصفة خاصة تفصح عن قوة مذهلة، هي نفسها التي ستمكنها من أن تروي قصة حياتها المفعمة بالقمع إلى جانب زوجها في مونولوجات طويلة، تسبر أعماق الروح، وهي في غمار هذا كله تصبح مدركة بصورة متزايدة للمظالم الهائلة التي حلت بساحتها.
وفي غمار هذه المونولوجات التي تدور في ذهن المرأة نستمع إلى نواحها على حياة قوامها البؤس، في مجتمع يتسم بالاهمال والوحشية في آن. وشأن بنات مجتمعها، فإنها لا تمنح فرصة لقاء زوجها المقبل، قبل أن يخطبها ويتزوجها، بل انه لا يحضر عقد قرانه عليها، ويتعين عليها الانتظار ثلاث سنوات قبل عودته من الحرب.
وفي بلاد يضع الرجال كل القواعد فيها، ويشكل سفك الدماء جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية، لابد للنساء والأطفال من أن يدافعوا عن أنفسهم في مواجهة التهديد المستمر بالتحرش بهم.
ويلفت نظرنا، في السباق الذي اختاره المؤلف لتقديم عمله من خلاله، أن الجراح التي أصيب بها الزوج في الحرب تلزمه الصمت، بحيث تتيح لزوجته المزيد والمزيد من الانفتاح والحديث بصراحة عن المشكلات التي تعرض لها زواجهما، من دون أن تخشى العواقب المترتبة على ذلك. وبدلاً من الاكتفاء وبالصلاة والدعاء والتسبيح، فإنها تتمكن من أن تفصح عما يعتمل في فرارة نفسها، والإدلاء بنوع من الاعتراف. وهي تتخذ موقفاً مضاداً لزوجها، وتقر بأنها تجده مثيراً للنفور وتصفه بأنه «وحش» حيال كل ما فعله معها.
وفي الوقت نفسه فإن شعوراً قوياً بالتطهر والخلاص يساورها، وينعش روحها أن تتمكن أخيراً من أن «تحادثه حول كل شيء، من دون أن تتعرض للمقاطعة، ومن دون أن ينالها التوبيخ والتقريع». والرجل الراقد هنالك لا يحير حديثاً ولا حراكاً وإن كان لايزال يتنفس هو بالنسبة لها أكثر «جثة حية» تبدو عودتها إلى الحياة أمراً أكثر من مشكوك فيه، فهو قد تحول من منظورها إلى نوع من الطلسم المقدس. إلى «حجر صبر» تفضي إليه بكل شيء، ويمتص ألمها كله وتعاستها وبؤسها بأسره» إلى أن ينفجر ذات يوم جميل».
وفي غمار إلقاء الضوء، عبر سلاسل من الخطوط الروائية الثانوية، على التمزق المدني في ظل حكم طالبان، فإن الرواية تحكي بطريقتها الحذرة عن المحبة التي لا أمل معها والبطش غير المبرر اللذين تتعرض لهما النساء في أفغانستان.
غير أن طبيعة الأوضاع في المنطقة يتم رسمها عبر لمحة بديعة الأداء في الرواية، وبالإضافة إلى غالبية الشخصيات التي تصور على نحو سلبي ومعظمها من الرجال، فهناك قلة منها أيضاً تصبح حلفاء للمرأة، مثل حميها الذي يستقطع العرب، وعمتها المنبوذة اجتماعياً، وجندي شاب خجول تتظاهر المرأة أمامه بأنها عاهرة، لكي تنقذ حياتها من موت مؤكد.
غير أن عنصر المفاجأة في الرواية يأتي في المقام الأول من الموقف الذي لا يحسم إلى جوار فراس الزوج شبه الميت، والذي نفضح فيه المرأة عن المزيد والمزيد من مكنوناتها وأسرارها الأكثر حميمية بينما تواصل رعاية الزوج. وفي النهاية، وعلى نحو غير متوقع، يصل الأمر كله إلى كارثة من المؤكد أنها ستكون مفاجأة مذهلة بالنسبة للقارئ.
وينجح عتيق رحيمي، الذي يعد لتصوير فيلم روائي مقتبس عن الرواية من خلال سيناريو بقلمه أيضاً، في اجتذاب القارئ إلى متابعة مصير بلاد دمرتها الحرب والفظائع، فلا يملك إلا أن يتابع الرواية بمزيد من التركيز اللاهث حتى سطورها الأخيرة.
وقد كان من الطبيعي لرواية فازت بجائزة غونكور التي تعد أرفع الجوائز الأدبية في فرنسا، أن تحظى لدى صدورها في الطبعة الانجليزية بتقدير كبير من العديد من المبدعين والنقاد وعلى حد سواء.
ها هو الكاتب الجزائري باسمينه خضرا يبادر في معرض التعليق على هذه الرواية إلى القول: «بوجه أسدل عليه النقاب وكلمات مجرية، تواصل امرأة التزام الصمت حيال الألم المحظور في أفغانستان تهيمن عليها حماقة الرجال، ولكنها عندما تعيد اكتشاف صوتها فإنها تتغلب على الفوضى. ويروي عتيق رحيمي قصة نواح هذه المرأة الذي يقطع نياط القلب، لكي يستنهض ضميرنا من سباته».
غرفة ورجل
«الغرفة عارية. عارية من كل زخرف، باستثناء الجدار الواقع بين النافذتين، حيث علق أحدهم خنجراً صغيراً، وفوق الخنجر صورة لرجل ذي شارب. وربما كان في الثلاثين من العمر مجعد الشعر، مربوع المحيا، يحف به سالفان حطياً بالعناية. تتألق عيناه السوداوان، وهما صغيرتان، يفصلهما أنف أقني. الرجل لا يضحك، وعلى الرغم من ذلك يبدو أنه يكبح جماح ضحكة، الأمر الذي يمنحه تعبيراً غريباً، هو تعبير رجل يسخر في أعماقه ممن يحدقون فيه.
والصورة بالأبيض والأسود، ملونة يدوياً بلمسات شاحبة. وفي مواجهة هذه الصورة، عند أسفل الجدار، يرقد الرجل نفسه وقد غدا الآن أكبر سنا، على حشية حمراء على الأرض. وله لحية تجمع بين لوني الفلفل والملح، وهو أكثر نحولاً. بالغ النحول، لا شيء فيه إلا الجلد والعظم، شاحب، تكسوه التجاعيد، وأنفه أكثر بروزاً، ولا يزال بعيداً عن الضحك».
مقتطف من رواية « حجر الصبر»
المؤلف في سطور
ولد الكاتب الروائي والمخرج والناقد السينمائي عتيق رحيمي في كابول عام 1962، وتلقى تعليمه في المدرسة الفرنسية ـ الأفغانية وفي جامعة كابول، حيث درس الأدب، وعمل بعد تخرجه ناقداً سينمائيا، ورحل عن بلاده وهو في الثانية والعشرين من عمره إلى باكستان، حيث حصل في السفارة الفرنسية هناك على حق اللجوء السياسي إلى فرنسا، التي أقام بها منذ عام 1985.
وحصل على درجة الدكتوراه في الاتصال السمعي والبصري من جامعة السوربون، وعمل بإخراج الأفلام الوثائقية لحساب التلفزيون الفرنسي وأصدر روايتين باللغة الفارسية ورواية ثالثة هي «حجر الصبر» بالفرنسية حازت على جائزة غونكور، ويستعد حالياً لإخراج فيلم روائي مقتبس عنها من خلال سيناريو بقلمه.
الكتاب: حجر الصبر
تأليف: عتيق رحيمي
الناشر: أذر برس ـ لندن 2010
الصفحات: 160 صفحة
القطع: المتوسط
The Patience Stone
Atiq Rahimi
Other Press, Londan, 2010
P.160

