في هذا الكتاب تتناول رضوى عاشور بالبحث والدراسة الرواية الأولى في الأدب العربي الحديث «الساق على الساق فيما هو الفارياق» 1855 للرائد الأديب واللغوي والصحفي والمترجم أحمد فارس الشدياق 1805 - 1887. يطرح الكتاب السؤال: «لماذا أُسقط إنجاز الشدياق وقد أنتج النص الأدبي الأغنى والأقوى في الأدب العربي في القرن التاسع عشر؟» ثم يجتهد في الإجابة عبر قراءة نقدية مستفيضة تستكشف النص وعلاقته بزمانه.
وتتساءل المؤلفة في معرض تناولها عن أبعاد تهميش تجربة الشدياق، معتبرة أن ذلك قد يكون في أحد أبعاده نتيجة للخيارات التاريخية للنخبة العربية في علاقتها بنفسها وبموروثها وبواقعها الكولونيالي، وحلمها في التحرر منه بالتطلع عبر البحر إلى الآخر ونموذجه الحضاري لتتخذ منه نبراسا تهتدي به، ما يجعل من الكتاب محاولة جادة لتتبع موقف المؤسسة النقدية من «الساق على الساق» واجتهاد في تفسير هذا الموقف وصولا إلى مجموعة من الأسئلة تصب في سؤال واحد كبير حول مشروع النهضة الذي نعرف الآن من موقعنا في مطلع القرن الحادي والعشرين مدى تعثره.
و«الساق على الساق فيما هو الفارياق» أو «أيام وشهور وأعوام في عجم العرب والأعجام» هو نص روائي فيما يربو على سبعمائة صفحة نشر في باريس عام 1855 والفارياق حسبما تشير الدكتورة رضوى هو الشخصية المروي عنها في النص تعكس المقطع الأول من اسم المؤلف وهو فارس والمقطع الأخير من اسم عائلته وهو الشدياق.
ويتتبع فيه المؤلف مراحل حياة الفارياق ابن النحس منذ ولادته وطفولته المبكرة في لبنان وحتى إقامته في لندن وباريس مرورا بعمله وزواجه في مصر ثم انتقاله مع زوجته للعمل في مالطة.
يتكون «الساق على الساق» من أربعة كتب كل كتاب منها عشرون فصلا والفصل الثالث عشر من كل كتاب مخصص لمقامة وفي الكتاب إذن أربع مقامات ويسبق الكتاب الأول تنبيه من المؤلف تتبعه فاتحة الكتاب وهي منظومة من مائة بيت ويعقب الفصل العشرين من الكتاب الرابع «ذنب الكتاب» تليه خاتمة من جزأين يقع الجزء الأول منها في صفحة ولا يتجاوز الجزء الثاني سطرين ونصف السطر.
في هذا القالب ترى المؤلفة رسالة تأكيد من الكاتب بشأن مهارته وتمكنه من صنعته وانتمائه لموروث أدبي يربط الكتابة بالقدرة على النظم والسلك.
وتشير الدكتورة رضوى إلى أن نص الشدياق يجمع بين بنية كلية محكمة واستطراد يشكل دعامة أساسية من دعائم إنشائه الفني، ويرفد بروافد عديدة المجرى الرئيس في النص الذي تشكله حكاية الفارياق.
وتضيف في سياق قراءتها النقدية للكتاب إن الراوي - الشدياق ـ له أدوار متعددة فهو كاتب مؤلف في يده القلم وأمامه الأوراق وهو محدث يستحضر تراث الأحاديث في الأدب الكلاسيكي وهو مؤلف يتتبع حياة الفارياق فهو كاتب سيرته وناقل كلامه وفي ذلك نجده يقول مثلا: نذرت على نفسي أن أمشي وراءه خطوة خطوة وأحاكيه في سيرته فإن رأيت منه حمقة جئت بمثلها أو غواية غويت مثله أو رشدا قابلته بنظيره.
والقارئ في «الساق على الساق» دائم الحضور تربطه بالراوي ـ المؤلف ـ علاقة حميمة ومركبة ودودة أحيانا ومتوترة أحيانا أخرى تتفاوت من الملاعبة والمداعبة إلى التوتر والعدوانية وهو المخاطب في الحديث والمتلقي للنص المكتوب شريك معلن في الحالتين.
ورغم اتفاقها مع الطرح الذي يشير إلى أن «الساق على الساق» جاءت في لحظة تحول تاريخية في الأدب العربي صار العرب خلالها ينظرون إلى الشمال إلى أوروبا على نحو صار معه الشكل الروائي أوروبيا إلا أنها تؤكد أن «الساق على الساق» كان يطرح شكلا للتحول يختلف عن الشكل الذي تبنته النخبة العربية، شكل يقترح الاستمرارية لا القطيعة والتواصل مع موروث الكتابة العربية الكلاسيكية مع تطوير وتجديد فيحيط بالذات بما هي واقع معيش وتاريخ ثقافي.
وعلى ذلك تنتهي إلى أن المؤسسة النقدية والتاريخ النقدي قطعا الطريق مرتين على الشدياق أولهما بإغفال مشروعه النهضوي الكبير المتمثل في «الساق على الساق» وثانيهما بتبني الأشكال الأخرى والتنظير لها وهو موقف ممتد في كتابات النقاد حتى يومنا هذا حيث تنتقي بعض الكتابات المؤثرة لنقاد من الدارسين المشهود لهم بالمكانة.
وتنتهي المؤلفة إلى التأكيد على أنه باختصار فإن حداثة الشدياق في «الساق على الساق» كانت حداثة مناقضة للحداثة الكولونيالية القائمة على قطيعة تاريخية وثقافية تتبنى نظرة استسشراقية للذات فلا ينوبها من هذه النظرة إلا التفريط في ثروتها وموروثها وهزال المنبت وعريه في مواجهة قاسية وممتدة على جبهات متعددة.
في «الساق على الساق» حسب الدكتورة رضوى بذور حداثة ممكنة لا تملك مقومات الحياة فحسب بل تملك طاقة هائلة من الحيوية تفتح آفاقا تغنينا وتغني البشر، عموم البشر لا العرب وحدهم في مسعاهم للإحاطة بتجاربهم عبر صنوف البيان.
فليس المشروع الأحادي للحداثة سوى وجه من وجوه الهيمنة الكولونيالية التي تملي على الوجود سياساتها وتاريخها وقوانين تطورها ورؤيتها لتنظيم حياة البشر تسقط خصوصيتهم لتملي عليهم خصوصيتها مغفلة أن لكل ثقافة حداثتها وفي مقابل هذه الحداثة الأحادية الضارة والمستحيلة حداثة ممكنة بل حداثات متعددة بتعدد لغات البشر وثقافاتهم.
الاستمرار والتواصل
الساق على الساق كان يطرح شكلا للتحول يختلف عن الشكل الذي تبنته النخبة العربية، شكل يقترح الاستمرارية لا القطيعة والتواصل مع موروث الكتابة العربية الكلاسيكية.
المؤلفة في سطور
رضوى عاشور أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس وأديبة، ولدت في القاهرة عام 1946، وحصلت على الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس 1975. صدر لها عدد من الدراسات النقدية، مثل: «الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفانى».
و«جبران وبليك» باللغة الإنجليزية، و«التابع ينهض: الرواية في غرب إفريقيا»، و«في النقد التطبيقي: صيادو الذاكرة»، وبالاشتراك مع آخرين «ذاكرة للمستقبل، موسوعة الكاتبة العربية: 1873-1999. كما صدر لها عن دار الشروق ست روايات هي «ثلاثية غرناطة» 2001، و«تقارير السيدة راء» 2001، و«قطعة من أوربا» 2003، و«سراج» 2008، و«أطياف» 2008، و«فرج» 2008.
الكتاب: الحداثة الممكنة
تأليف: د. رضوى عاشور
الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2009
الصفحات: 146 صفحة
القطع: الكبير
مصطفى عبد الرازق

