لم تخض أميركا أية حرب ضد فرنسا أو العكس، وذلك على مر التاريخ، لكن الحرب الحقيقية والأقوى بينهما، لم تخمد يوماً، ففي محطات ومجريات غالبية الأحداث والمناطق في العالم، يبقى الأمر مرهوناً دوماً بالتنافس والحرص على تحقيق السبق، أو الحضور الطاغي والتحكم المؤكد من قبل أي منهما بمقدرات أو ثروات منطقة أو دولة ما، والحال نفسها مع الدول العظمى الأخرى.
يتناول كتاب «أبعاد الصراع الفرنسي الأميركي حول المغرب العربي والشرق الأوسط وإفريقيا» الصادر عن دار قرطبة للنشر في الجزائر للكاتب د. المغربي حسن مصدق، حقيقة خفايا كوامن العلاقات الفرنسية الأميركية، واصفاً إياها بالفريدة، كون الدولتين لم تتحاربا أبداً على مر التاريخ، على الرغم من التنافس وتضارب المصالح بينهما غالباً، وينتقل الكاتب إلى تفكيك وإيضاح أوجه الحرب الخفية الناعمة بينهما في الوقت الراهن، والمتجسدة بصيغة صراع متعدد الأوجه والأساليب والتقنيات، فهو يرى أن توصيف وتسمية العلاقة بينهما أصبح يحتاج فعلياً إلى دراسة ورؤية تحليل جديدة، مبرهناً على هذا في قراءته الاستراتيجية المعمقة لأحد تصريحات هنري كيسنجر؛ وزير الخارجية الأميركية سابقاً، حيث قال: «من هنا فصاعداً لن تكون الأمور كما كانت عليه بين فرنسا والولايات المتحدة»، وكذلك تصريحات رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق.
يعتمد المؤلف في فصول كتابه التسلسل المنطقي والتركيبي البحثي العلمي، فيخصص الفصل الأول في مباحثه لشرح العلاقات الفرنسية الأميركية تاريخياً على أنها قابعة في ديمومة وإطار الشد والجذب، موصّفاً الحالة النابعة عن ذلك بـ «الشك المتبادل والدائم بينهما»، وذلك خاصة منذ مناهضة الرئيس ديغول للهيمنة الأميركية في الكثير من المحطات والعينات، ثم يسرد الكاتب مجموعة متنوعة وشاملة من أسباب الصراع وجذوره بين الدولتين منذ عام 1958 م.
والفترات اللاحقة، متمثلة في الخلاف على مشروعات سياسية وقوة أوروبا وخيار أو رغبة تمركزها كقطب قوي مستقل كما تريد فرنسا، أو كما تريدها غريمتها أميركا، مؤيداً وخادماً لسياساتها ومصالحها. ويتطرق المؤلف في هذه المحطة إلى مشروع ايزنهاور تاريخياً.
وطبيعة ما أحاط بذلك المشروع من جدل بين الدولتين، ومن ثم انسحاب فرنسا ديغول من القيادة العسكرية لحلف الناتو عام 1966م. ويختار الكاتب مصدق هنا التأكيد على أن فرنسا أصرت على وجود أوروبا قوية سياسياً وموحدة اقتصادياً، بينما يقابله مشروع وسيناريو الولايات المتحدة التي تريدها موحدة اقتصادياً لكن تحت مظلة حلف شمال الأطلسي.
ويناقش مصدق تداخلات وتفاصيل استمرار هذه الحالة بين الدولتين بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، وما رافق ذلك من اضطرابات في أوروبا، وتناقض الكثير من مواقف الدولتين حيالها في أغلب المحطات؛ وأبرزها إقصاء «ميلوسوفيتش»، وعرقلة الولايات المتحدة لمشروع وخطط بناء أوروبا موحدة وقوية عسكرياً وسياسياً من خلال بث الانقسام بين أعضاء الاتحاد الأوروبي بشكل غير مباشر.
وزيادة استقطاب أعضاء جدد في حلف الأطلسي من أوروبا، ليصل الكاتب بعدها إلى النقطة الساخنة والمحورية في بروز هذا التناقض والصراع بينهما من خلال الحرب على العراق، ولكن مصدق يسبق الحديث عن هذه النقطة بذكر محطة التوافق والاتفاق بين البلدين في بعض المحطات؛ ومنها مساندة فرنسا لأميركا في أزمة الصواريخ الكوبية 1966م، ثم أحداث سبتمبر 2001م.
ليتحول بعدها إلى إبراز شدة رفض المعارضة بفرنسا للحرب على العراق، ومن ثم تعبير الحكومة الفرنسية بأنها غير مستعدة لتحمل تبعات السياسة الخارجية الأميركية في أفغانستان.
وقبل أن يخصص الكاتب بحثاً معمقاً وموسعاً في كتابه لمنوال التناقض والصراع في هذه العلاقة بين الدولتين في شان إفريقيا، يفرد بحثاً وافياً في قضية هذا التناقض والخلاف وحيثياتهما في ما يتعلق بدول الخليج العربي، متعرضاً إلى التنافس الحامي والبين بينهما في مجال بيع وتوريد الأسلحة إلى دول المنطقة، وأيضاً المصالح الاقتصادية والاستثمارات والتعاون الثقافي، لافتاً إلى أن تأثيرات أحداث سبتمبر في دول الخليج ومدخلات وتبعات ذلك على جوهر التنافس وتنافر المصالح بين أميركا وفرنسا.
ويدخل الكاتب إلى ماهية تمايز المصالح، وتناقض العلاقة بين الدولتين في شأن إفريقيا؛ بدءًا من الفصل الرابع في الكتاب، والذي يستهله بإيضاح منحى سيطرة الحضور الفرنسي تاريخياً ضمن هذه المنطقة، في مقابل غياب أي دور قوي للولايات المتحدة، ولاحقاً طبيعة التحول عبر محاولة أميركا لتتمثل في إفريقيا هي والدول العظمى الأخرى، كما يعالج الكتاب بعدها رهانات الصراع على الطاقة الإفريقية في العلاقات الدولية.
مبيناً القدرات البترولية الكبيرة في هذه القارة، وما تشكله وتعنيه في مرآة و«موشور» المنافسة بين الدول العظمى، وأبرزها هنا فرنسا وأميركا والصين والهند، ملمحاً إلى الحظوة الأكبر لفرنسا في هذه المنطقة، رغم الاستمرار الدائم في المنافسة والتجاذب بينها وبين أميركا.
المؤلف في سطور
د. حسن مصدق، أكاديمي وكاتب مغربي، له العديد من الدراسات المتخصصة، باحث في مركز تاريخ أنظمة الفكر المعاصر بجامعة السوربون الفرنسية.
الكتاب: أبعاد الصراع الأميركي حول المغرب العربي والشرق الأوسط وإفريقيا
تأليف: حسن مصدق
الناشر: دار قرطبة ـ الجزائر2010
الصفحات: 220 صفحة
القطع: الكبير

