«يكفيني أن أعيش لأكون سعيدة» قول للكاتبة الأميركية يوكو كاواشيما واتكينز اليابانية الأصل والكورية المولد، التي أثارت مع نشرها لروايتها «بعيدا عن بستان القصب«، زوبعة عنيفة من النقد الذي لم يقتصر على الوسط الأدبي، بل انسحب إلى المجتمع وبعض الدول التي منعت الكتاب، وأصدرت تصريحات تنفي ما ورد فيه.

أيقظت هذه الرواية التي هي بمثابة سيرة ذاتية لحياة الكاتبة وعائلتها في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، الخلافات القديمة والضغينة بين كل من كوريا واليابان وفي الخلفية روسيا. وقد أثارت هذه الحملات الإعلامية عام 2007 دهشة الكاتبة وحيرتها، خاصة وأن روايتها تلك نشرت عام 1986 لتحكي عن مآسي الحروب والدمار الذي تتسبب به. التحدث عن سيرة الكاتبة كاواشيما التي ولدت عام 1933 وروايتها، أمر واحد بالنسبة للمرحلة التي تبدأ بطفولتها في شمال كوريا وتنتهي في اليابان. والسيرة تبدأ، مع الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية عام 1945، حينما كانت في الحادية عشرة من عمرها، في إحدى ليالي منتصف يوليو حين يأتي إلى بيتهم المحاط ببستان من قصب الخيزران في نانام، صديق لوالدها الذي كان يعمل كضابط بالعلاقات السياسية في الجيش الياباني، ليحذرهم من ثورة الحزب الكوري الشيوعي وتغلب الجيش الروسي على الياباني. كان على الأم ويوكو واختها الكبرى كو، الهرب بمفردهن فورا قبل وقوعهن أسرى.

وهكذا غادرن المنزل ليلا والألم يمزقهن، لتركهن الوالد وأخيهن هيديو الذي كان يعمل في مصنع للذخيرة آنذاك. تنقلب حياة يوكو بين يوم وليلة، لتفارق عهد الطفولة والبراءة والأمان، وتدخل عالم الحرب، والشر ضد الخير، والقوة ضد الضعف، والابتكار ضد التدمير.

كانت البداية، من خلال توجههن إلى الحملة الطبية التي أخفت الثلاثة، بترتيب مسبق بين الجرحى في القطار. وحينما أوقف الروس القطار، لطختهن الممرضات بالدماء لتمويه هويتهن. لم يكلل نجاحهن طويلا إذ أصاب الكوريون القطار بقنبلة، فكان على الثلاثة متابعة رحلتهن إلى سيؤول سيرا على الأقدام لمسافة 45 ميلا. كن يسرن ليلا ويختبئن نهارا، وواجهن في مسيرتهن مختلف أنواع الأهوال، وعايشن الجوع والمرض وشهدن وحشية الإنسان من الإغتصاب إلى القتل والتنكيل بالموتى.

خلال سيرهن، وقفن وجها لوجه أمام بعض الثوار الكوريين الذين راودتهم نفسهم على شقيقتها كو البالغة آنذاك 16 عاما. وما أنقذهن سقوط قنبلة أطاحت بهم، وإن اخترقت شظيتان منها أذن يوكو وصدرها. وسرعان ما طلبت الوالدة منهن قص شعورهن وارتداء ملابس القتلى لإخفاء أنوثتهن.

تذكر يوكو أن تلك الرحلة عبر المخاطر والأهوال كانت بمثابة رحلة عبر الحياة، علمتهما خلالها والدتهما، الصمود والقوة والتماسك والتآزر وقيم الحياة وجوهرها. وحينما استطعن الوصول أخيرا إلى محطة سيؤول انضممن إلى الهاربين الآخرين وركبن القطار المتوجه إلى مدينة بوسان الواقعة على الميناء، الذي سيتوجهن منه عبر سفينة إلى اليابان.

كانت الحرب حينها قد انتهت، وجميع الهاربين في حالة بؤس وإنهاك، كان جرح يوكو في صدرها ملتهبا وتعاني الصمم في إحدى أذنيها. تعالجت يوكو في إحدى المستشفيات وبقين في المدينة شهرا كاملا على أمل أن ينضم إليهن هيديو. كن خلال تلك الفترة يبحثن عن الطعام في حاويات النفايات أسوة بغيرهن من الهاربين. لم تتمكن الأسرة من الانتظار أكثر، وما إن ركبن السفينة إلى اليابان حتى شعرن لأول مرة بالارتياح، وبعودة الأمل بلقاء الأحبة ورؤية الوطن الجميل المطبوع في الذاكرة عبر الصور.

ما إن وصلوا كيوتو حتى تبخرت أحلامهن، فقد كان الخراب يحيط بهن من كل صوب. وكما في كوريا، دمرت الحرب المكان والسكان. في كيوتو، تركت الأم طفلتيها لدخولهن المدرسة، وذهبت بحثا عن والديها، لتكتشف أنهما قتلا خلال الحرب. وفي اليوم الذي عادت فيه إلى ابنتيها، فارقت الحياة؛ وبذا وجدت الفتاتان نفسيهما وحيدتان في مدينة لا يعرفان فيها أحد، وما من معيل.

عاشت الأختان في غرفة من مخزن لأحد التجار ممن تعاطفوا مع الأسرة. كانت كو تصنع الأكياس من القنب وتدور على أبواب البيوت لبيعها، بينما تلمع كويو الأحذية. في تلك المدينة وجدن معاناة من نوع مختلف، فهن اللاجئات الفقيرات، حيث كانت يوكو هدفا لسخرية الطالبات اللواتي أسمينها «لعبة الخرق الممزقة» لارتدائها ملابس مرقعة.

تذكر يوكو أنها تعلمت من أختها القوة والحب والإيثار، مما دفعها في ليلة رأس السنة إلى الاحتفاء بشقيقتها، لتعرب عن امتنانها وتقديرها لكل ما فعلته من أجلها. اشترت يوكو بقيمة ما جمعته من تلميع الأحذية، بعض الطعام والشاي الأخضر الرخيص وإبريق، وأعدت وجبة الطعام بنفسها.

ما إن عادت كو من عملها حتى رحبت بها شقيقتها بحب وإشراق، وقامت على خدمتها. في نهاية المأدبة، انحنت يوكو أمام كو باحترام، وسكبت لها كوبا من الشاي، فلم تتمالك كو نفسها أمام هذا الشعور بالعرفان والتقدير النابع من ثقافة اليابانيين. ومن خلال الإعلانات التي وضعتها الأختان، استهدى هيديو على عنوانهما والتأم شمل العائلة؛ وبذا ينتهي الجزء الأول من الرواية.

وعلى صعيد الواقع، تابعت يوكو دراستها وحصلت على شهادة جامعية في الترجمة، وعملت في إحدى القواعد الجوية كمترجمة وتزوجت من طيار أميركي عام 1953، وانتقلت معه إلى الولايات المتحدة بعد عامين، لتستقر معه أخيرا في ماساشوستس، وأصبحت أما لأربعة أطفال.

لم تتمكن يوكو من كتابة سيرتها إلا بعد مضي 30 عاما، لعدم مقدرتها على تجاوز الذكريات المؤلمة. وأخيرا بدأت بالكتابة عام 1976، لتنشر الرواية بعد عشر سنوات. وقد فازت روايتها بالعديد من الجوائز الأدبية.

وفي عام 1994 نشرت الجزء الثاني من روايتها وسيرتها وهي بعنوان، «أخي وأختي وأنا»، وتصف فيها صراعهم مع الحياة في اليابان المنكوبة بعد الحرب. وتقوم يوكو في حياتها العملية بمناصرة السلام، وزيارة المدارس والتحدث مع الطلبة عن معاني الحياة، وشرح جوهر الحكمة التي وصلت إليها من خلال تجربتها.

الكتاب: بعيدا عن بستان القصب

تأليف: يوكو كواشيما واتكينز

الناشر: هاربر كولينز ـ الولايات المتحدة

الصفحات: 192 صفحة

So Far from the Bamboo Grove

Yoko Kawashima Watkins

HarperCollins

p.192

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae