تجوب الكاتبة والأديبة الكويتية هبة خميس فضاءات مفعمة بالحرية، ينسج ملامحها وهج إلهام وموهبة خاصين شفيفين، لا تعترف معهما إلا بجدوى وتأثير الكلمة المنفلتة من القيود الواهية، ولأن هذا الروض مرتع ومحرك عوالم إبداعها، تجدها حريصة على تذخير منتجها الفكري بتصورات وطروحات غنية، تتلقف معها تفاصيل واقع الحياة، فتشخص مكنونها، متحولة إلى خلق أرضية حوار وتحليل أدبي معمق مرماه، ودأبه تقويم الخلل، والبناء على الإيجابيات، ضمن أفق ومضامين ثقافة مجتمعاتنا العربية، وطبيعة الحراك الفكري الذي تشهده.

عن هذه المحطات والأفكار كان هذا الحوار التالي نصه مع الأديبة هبة بو خميس: تعد لحظة الإمساك بخيط البداية أصعب ما يواجهنا في صوغ وإنجاز أي من رؤى الإبداع في مجالات حياتنا، وبخاصة الإبداع الفكري، كيف كانت قصتك مع هذه الحالة وفي تلك اللحظات؟ تلك لحظات خاصة جداً، حميمية بما لا يمكن لأية كلمات وصفها، هي أوقات تسكن قعر الذاكرة، وتنعم بدفء الأسرار المختبئة معها، فأول حالة كتابية هي كنز الكاتب ومخزون عاطفته، بل إنها محطة اكتشافه لاستراحته وتأمله معاً، إذاً فكيف يمكن للكاتب أن يشي بتفاصيل لذتها؟

فسحة تحرر

كيف واجهت وحاورت أوراقك البيضاء حين أمسكت القلم للمرة الأولى بغرض رسم ملمح انطلاقة مسيرة منتجك الإبداعي؟

تلك برأيي ليست مواجهة، بل فسحة تحرر، إنه عالم خاص، لا يستطيع ولوجه غير صاحبه ومن هو أهل لذلك، الكتابة نعمة ليس يماثلها أو يشابهها أي شيء آخر، هي حياة خيال توازي واقعه، فينعكس رؤى وعواطف وأفكاراً وجدانية نافذة مؤثرة.

ما هو - تحديداً - نوع ومساق الحرية التي تنادين بها كمبدعة؟

حرية الرأي والفكر وما يتطلبانه من ضمانات تكفل حرية التعبير عنهما، وتتيح للأفراد اعتناقهما، دون أن يخلف ذلك أية تأثيرات يطالهم معها أذى أو تجريح في محيطهم الاجتماعي، ويجب ألا ننسى أن هذه الحريات راسخة ومعززة، تكفلها التشريعات الدولية والمحلية لكل بلد على حدة، حيث إنها مصانة - مثلاً - بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأيضا الدستور الكويتي.

صميم وجودنا

أعمالك السردية تتضمن نوافذ مشرعة على هذه الحرية التي تصفين، لكن إلى أي مدى يمكن أن تصل أو تتحدد زاوية انفراجها؟

لم يتبن أي من أعمالي السردية حريات متوهمة، ولأن التابوهات أخضعت الكثير من الأفكار والممارسات لقيودها، بات عصياً على الكثيرين استيعاب أن تلك الحريات هي من صميم وجودهم، فلو أنهم يتمعنون ويتأملون جيداً لتثبتوا أن أقدس وأنبل شيء في حياتهم هو حرية الفكر والممارسة، والتي أتوا إلى الحياة وهم لا يملكون سواها، أما عن المدى والأفق فإنني أترك تحديده للقارئ المتابع لأعمالي بعمق.

ما الذي قالته هبة في أعمالها صراحة، وبالمقابل ما الذي ترددت في التصريح به؟

من المحبط أن نكتب ومن ثم نقوم بتفكيك نصوصنا وتقديم تقرير بما قلناه للمتلقي. تلك المنطقة من صميم واجب الناقد والباحث.وعموماً فأنا لا أتردد في قول أي شيء، فقط قد يكون هناك ما أنتظر التوقيت المناسب لتدوينه في نص ناضج.

بعيداً عن الرتابة

يزخر سردك بالشاعرية إلى حدود يكاد الحدث أن يختفي معها وراء قصيدة، ما السر في ذلك؟

ربما تسعفني صيغة وحيدة في الإجابة حول هذه النقطة، وأحبذ توصيفها كالتالي:«يرقص الحدث من خلال لغة شعرية بعيداً عن رتابة السرد المباشر والتلقين للأحداث متى كانت هذه اللغة مطلوبة»، وإذا كنت تسأل عن الأسباب فلن أبوح بأي منها، لأن الشاعرية بتصوري موجودة في دم ودواخل كل منّا، تشكل قدرة نسبية وخاصة على التعبير بها، وإن كنت حظيت شخصياً بموهبة الرقص بالكلمات، والعزف على أوتار المفردات، فهذا أمر يمتعني، وأرجو أن يروق القارئ، وبالمجمل فإنني لا أدّعي كتابة الشعر، بل أجيد تذوقه.

كيف تنظرين إلى واقع المرأة الكاتبة في الخليج؟

صدقني إن واقعها أفضل بكثير من واقع الكاتب الرجل، فكل الأضواء مسلطة عليها لاستشفاف التجربة وما يكمن خلفها، حيث إن جميع العيون تبحث عن ما يمكنها إسقاطه من تجربتها الكتابية على حياتها الخاصة، في ظل وجود الكثير من المتربصين بها، إلا أن ما أرجوه هو التركيز على قيمة منجز المرأة الكاتبة في المشهد الثقافي بشكل أكثر جدية وعمقاً، لا فقط لمجرد دبج حوارات عابرة ومفرقعات إعلامية لن تخدم بمؤداها مسيرة الأدب أو تجربة المرأة الكاتبة بأي شكل من الأشكال.

هموم الكاتب

هل يوجد - برأيك - نقد حقيقي فاعل ضمن الساحة الأدبية العربية والخليجية منها خاصة؟

النص لدينا متفوق بمراحل كثيرة على النقد.هناك حركة نقدية وليدة وخجولة جداً في حبوها ضمن الساحة الأدبية الخليجية، بذا فإنها ليست مؤثرة أبداً، هذا بينما لا تخلو الساحة العربية، وعلى الرغم من قوة وقدم النقد فيها، من المحاباة والتكريس والتصنيف وخلق التحزبات التي تسيء إلى الأدب بشكل عام.

لكن لم إذاً نتهم النقد بالتقصير دائماً، ألا يحمل الإبداع أيضا جزءاً من المسؤولية في عدم وصوله إلى الناس وقدرة التأثير الإيجابي في الساحة الأدبية والإبداعية الفكرية عموماً؟

لكل طرف مسؤوليته، وجميع هذه الأطراف تتحمل المسؤولية بشكل ما.الكاتب بتنمية إبداعه وتطوير أدواته ولغته من جهة، والناقد باحتضان تلك النصوص والعمل عليها بوجهة تخدم إذكاء الحركة الإبداعية من جهة أخرى. ألا يستحق الكاتب بعد كل تلك السلسلة من الكدّ والجهد أن نتعاطى مع نصه نقدياً بمنحى يخدم تطوير أدواته الفنية والكتابية، فنوفر بالتالي إثراء نموذجياً للساحة الأدبية من خلال مردود النقد على مسار ارتقائه؟.

ما رأيك بالضجة التي أثيرت هذه المرة حول جائزة «بوكر» بنسختها العربية؟

هذا ينضوي تماماً في سياق حديثي عن النقد الوليد والمحسوبيات والتحزبات في عالم الأدب راهناً، فهناك جوائز أو لنقل مسابقات أدبية ولجان تحكيم، بينما الحركة النقدية المحايدة والحقيقية غير موجودة. أنا عموماً، ومع التقدير للمنتج عبر الجوائز، لا أؤمن بجدوى وقيمة التنافس في إطار المسابقات، ذلك التنافس الفج الذي لا ينتج عنه سوى انسلاخ الأديب عن سموه.

ومع الاحترام للتجارب الإبداعية لجميع الزملاء، يؤسفني ما يؤول إليه الحال عند البعض حين لا تسير الأمور على نحو ما يشتهي، فتراه يخرج عن لباقة الأديب ليهاجم الآخر، محاولاً أن يحط من قدره، ويتجاهل في هذا المسلك أنه يسيء لنفسه. وهنا أؤكد بطبيعة الحال أنه لدي بعض المآخذ على الترشيحات في الدورات «البوكرية» السابقة، إذ اطلعت على بعض الأعمال التي لم ترقني أبداً، وهذا الرأي شخصي في النهاية، غير أن فوز «عزازيل» أعاد لي بعض الثقة بتلك الجائزة.

التمسك بالرؤية

تتمسك هبة بو خميس برؤية لها بريقها ورونقها اللافتان فيما يخص جوانب وقضايا أدبية متعددة؛ أبرزها النقد، وموقف المجتمع من المبدع المجدد الرافض للتقوقع، وهي ربما في مكاشفتها الصريحة حيال أهم هذه المسائل الفكرية، تستهجن تعمد البعض مطالبة الأديب والكاتب بتفكيك وتوضيح كلية خطاب رسالته الإبداعية: «المحبط أن نكتب، ومن ثم نقوم بتفكيك نصوصنا وتقديم تقرير بما قلناه للمتلقي».

الأديبة في سطور

هبة بو خميس أديبة وكاتبة كويتية، من مواليد الكويت 1977م. حاصلة على بكالوريوس إعلام ـ تخصص إذاعة وتلفزيون جامعة الكويت 1999م.صدر لها أربعة أعمال أدبية:مجموعة قصصية بعنوان «شغف»، ورواية بعنوان «قليلاً.. شهقة!»، ومجموعة قصصية بعنوان «ذات سكرة»، ومجموعة قصصية بعنوان «...في قعر أمنية» الطبعة الأولى والثانية في عام.

عدنان فرزات