لعل الموج من بين أكثر المفردات تمثيلاً دلالياً لما نعيش ونفكّر، عندما نتذكر المفهوم التموجي للجسم إلى جانب المفهوم الضوئي، وإن كان يحيلنا إلى عالمه المائي المهيب، لكنه رغم ذلك يفتقد المكان أو الهوية الفعلية، إنه حالة العدم لاسم يتم تداوله كثيراً، ويستعان به في التعبير عن حالات مختلفة، كونه يعيش خفاءً، لا يمكن الحديث عنه إلا في وضعية معينة، كما لو أن رؤيته لمرة واحدة تبقيه حياً متحولاً في الذاكرة الحسية، وبحسب نطاق عمله.

يكون اللامرئي والمرئي إذاً، وهو الذي يضفي على بحره رهبة المدى اللونيّ العميق، سلطة الهشاشة الضاربة!

ثمة ذائقة جمالية سائلة ومرمّزة خاصة تمثل عالم كل كائن، مهما تناهى في الصغر، قد تكون مدمّرة، يكون التعامل معها على صعيد المتخيل وليس الدخول معها في حوار مباشر كما هو وضع الموج الذي يتبدى عنصرَ غواية لأصحاب المغامرات، وهم ينازلون الموج تلبية لرغبة موجية قائمة في بنية النفس.

لا عهود، لا مواثيق تضبط الحراك الموجي، ثمة قانونه الخاص وهو نفسه تابع لقانون أكبر منه، أكبر من اعتباره مائياً، لكنه الدال على حياة، إذ لا حياة دون هذا المفهوم الموجي. إن قدرة الموج على تأكيد عالم محيطه تنبع من الدور الذي يجلوه، دور الحركة الناظمة لعالم مائي، إنه شعور تنفسي، خفَقاني، مفاصلي، تحليقي، أفعواني تناسباً مع القوة المتشكلة في نقطة مائية ما، لحظة ظهوره أو بقائه خفياً ليجمع بين خاصية الضمير المستتر والمنفصل، ليكون اسمَ العلَم حين يتراءى وكأن القائم حقيقة موجية فقط.

وتلك أفانين الموج، عروضه، تشكيلاته المختلفة، ألسنته، إيقاعاته، مناسباته، أهواؤه، صنوف تحولاته.. الخ، حاضر وغائب في آن، والشاقون عباب البحر أو المحيط أعلم ممن هم على البر بمزاجيات الموج، بطبيعته الريحية في جمعها بين العليل والجليل، بين اللمسة النسيمية، والرجَّة العواصفية، بين ابتسامة تغري بالاندفاع إليه وفخ المنصوب والمباغت على قدر المعطى له قاعياً.

الموج: شغف المعنى في بعض تجلياته، إذ يتقدم العلم بتفسيره، ويتأنَّى الفن كما يتروى بتأويله، فما فيه مشدود إلى اللامرئي واللامتوقع، إلى برّية مائية عصيَّةٌ على الضبط، فيكون عدد عشاقه موازياً لعدد ضحاياه باضطراد.

بين عشق الموج وضحيته ثمة مسافة لا تكاد تُرى، هي مسافة الذهاب إلى الموج والتوحد معه، أو الشعور بنشوة التوحد، ونسيان المتوحَّد معه، والذين يستسهلون أمر الموج بمقاييس خارجية، يكونون ضحاياه لزوماً، وليس التغزل بالآخر من موقعه الموجي، والارتماء في حضنه إلا إخراجاً فاتناً ومميتاً في لعبة القوى اللامتكافئة!

لا شيء يفتن كالموج وهو يصرّح بحقيقته وبطريقته، وهو في انتفاء لغة قادرة على حصر ألفبائه، لهذا كان المعنى سابقاً لكل لفظ عائد إليه، إذ يكون البحر نصاً، والموج معنى لا يحاط به، إذ يكون أيٌّ في مقام الموج الذي لا يدرَك وهو في ظاهره فكيف بالحال مع باطنه، ليكون الموج مديً تضاريسياً صامتاً وصائتاً، يسهل رؤية المحدَّب والمقعَّر فيه، رؤية فالقه وشامخه المائيين، معايشة مباغتاته وما لا يُتوقَّع في لهو الموج وحدود انتشاره.

لا يعود الموج هنا ذلك المبللَ لنا في رِشاشه المائي أحياناً، وفي حماه العميق الغور، إنما يخرج إلينا، ملبّياً لرغبة دون أخرى، في تمثيل بحري وهو لسانه، أو نفَسه، أو جبهته، أو استعارته في بنية علاقاتنا الاجتماعية المعقدة، وفي هذا الاستدعاء كثيراً ما يحدث الانفصال عن الأصل، عن الموج الذي يجري تصوره أقل مما هو مميَّز به!يحيلنا الموج إلى صفة المرونة القصوى هذه التي تضعنا إزاء صلابة ملحوظة في كرتنا الأرضية، لا يمكن اختراقها بسهولة.

وبنوع من التوازن الكوني، لنعيش درس الأوجه المتكاملة، بحضور الهواء النافذ، والنار التي لا تفارق الرباعي الكوني(اسطقسات الطبيعة)، لنكون في عهدة حكمة المكوّن لطبيعتنا وما يشدنا إلى خارج المتاح لنا اعتبارياً، لحظة الشعور بأننا ذرات حية، عاقلة نوعاً ما، مويجات مركَّبة، في الأوقيانوس الكوني، لكل منا بداية ونهاية، لكل منا ذاكرته الموجية التي تصله بما يعجز التفكير عن تسميته.

كما هو شأن الموج الذي يستحيل قياس طوله أو فصله عن عالمه المائي، لأن بنيتنا الحيوية هي التي تنبّهنا بهذا الدفق الموجي المتنوع لعالم لا يهدأ، لمشاعر تعتمل في الداخل، لأفكار وتصورات تعرّف بنا، لكن ما يبقى في العمق هو أبعد مما هو مسمَّى، أبعد من هذا المفهوم الموجي لما نراه ونتحدث فيه ونكتب عنه، لنكون نحن أنفسنا فيما جُبلنا به، ونحن غافلون عن كثير مما يتحرك داخلنا، ويسمّينا من حولنا، ذلك التشكيل الموجي، لنكون في كل هذا الذي نتباهى به، كما يقول تاريخنا، بعضَ معنيً مما هو مكتشف عنا وعن كوننا وفينا، أي في بعض تجليات حقيقتنا الموجية!

إبراهيم محمود