لا تقتصر صناعة وفنون إنتاج السجاد الشرقي على بعدها التجاري وطابع الاحتياجات المنزلية، فهي تمثل بالأساس ركيزة نسق ثقافة مميزة تعبق بالقيم والرؤى الجمالية التي تختزن تاريخ وقصص شعوب المنطقة، هذا حقيقة ما يعكسه ويجمله كتاب «السجاد الشرقي..دراسة تاريخية وفنية وعلمية » لمؤلفيه إياد وحنان أبو شقرا، والذي يأتي ليسد ثغرة كبيرة في المكتبة العربية في هذا المجال، متجسدا بتشويقه ومنهجه كرحلة استكشافية معرفية ممتعة مع هذا الفن الذي يعد من أجمل الفنون والحرف الشرقية.
يستهل المؤلفان أبو شقرا أبحاث الكتاب بإضاءة معمقة على الخلفية التاريخية لنشوء فن هذه الصناعة في المجتمعات الإنسانية عموما منذ صنع ما يسمى الحصر(جمع حصير)، ووصولا إلى مراحل أخرى متقدمة، ومن ثم اكتشاف الصبغ والتلوين .كما يفرد الكاتبان هامشا خاصا موسعا حول أصل تسمية السجاد باللغة العربية وابرز تصنيفين عامين لصناعته، ويخصصان مساحة بارزة في هذا الصدد لتوضيح معايير التعرف على أنواع السجاد تاريخيا، مبينان أن السجاد الأثري هو تحديدا الذي سبق في إنتاجه التحول إلى استعمال الأصباغ الكيماوية، أي قبل الفترة 1860-1870م ، بينما صنع النوع الثاني وهو السجاد القديم ما بين 1860-1870 م ومطلع القرن العشرين، لتفرز مرحلة الإنتاج في ما بعد العقد الثاني من القرن العشرين النوع الأخير وهو السجاد العصري أو الحديث .
ثم يوضح الكاتبان في سرد مفصل ابرز مواصفات وأسس جودة السجاد، ويعرضان إثرها لأشهر أساليب النسج حيث يرفقان ذلك بصور وشروح تفصيلية لعقده وطبيعة المواد المستخدمة، إلى أن يخلصان في بنية استنتاجاتهما وإسقاطاتهما ضمن منحى تشكيل قاعدة فن هذه الصناعة، وآراء الخبراء المتخصصين، إلى أن الشرق والمشرق بالأخص أساس فن صناعة السجاد، ويشبع الكتاب في فصله الثاني مفردات ومحاور توضيح لوازم ومعدات وتقنيات هذه الصناعة. وفيما يخص النقوش والتصاميم الفنية والأشكال الهندسية في صناعة السجاد، يعتني الكاتبان أبو شقرا بتسجيل وعرض مختلف مراحل تطورها وكيفية استقائها في الانعكاس بصناعة السجاد من مفردات وتكوينات البيئة الجغرافية والثقافية والفكرية لمكان الصنع.
ويحرص الكتاب في فصوله اللاحقة على شرح جوانب وجوهر صناعة السجاد الإيراني الذي يتبوأ مركز القمة في هذا المجال عالميا، إذ يدرج المؤلفان بعد اللمحة التاريخية ومسار التطور، ترتيبا مفصلا لمستويات جودة نوعيات السجاد الإيراني، ويتناولان عقبها فن هذه الصناعة بتركيا التي تعد -حسب تأكيدهما- صاحبة الفضل في وصول هذا الفن وهذه الصناعة إلى أوروبا ، ووفق المنهج نفسه يعاين الكاتبان واقع حال وتاريخ وتطور هذه الصناعة في القوقاز ومناطق الأكراد والبلوش والتركمان وفي أفغانستان وتركستان وشبه القارة الهندية والصين.
وفي معرض تفصيل دراسات الكتاب حول فن هذه الصناعة في العالم العربي، يذكر الباحثان أبو شقرا بخصوص العراق أن أهم أنواع السجاد فيها هو السجاد الوبري المعقود ومصدره الشمال، ويجملان في هذه المحطة شتى أماكن وأنواع هذه الصناعات فيه، وبالنسبة لسوريا يوضحان طبيعة «سجاد دمشق»وشهرته العالمية والذي عرف بزخم كبير في العهد المملوكي في القرنين 14 و15 م ، ويبين مبحث فن هذه الصناعة بلبنان أنها ولدت ونشأت في منتصف القرن التاسع عشر إبان عهد داود باشا أول متصرف في جبل لبنان حيث افتتح في ما بين عامي 1861 و1870، مدرسة لتعليم صنع السجاد.
أما في فلسطين المحتلة فيؤكد الكاتبان أن فن هذه الصناعة تلون بإرث وتاريخ وعادات أهل المكان واشتهرت معه بسط بلدة المجدل والبسط الغزاوية والبسط الخليلية وغيرها الكثير، والحال نفسه ،حسب الكتاب ينطبق على ارتقاء وتطور هذه الصناعة في الأردن حيث شهد خلال العقود الثلاثة الأخيرة انتعاشا جوهريا.
وفي شبيه الجزيرة العربية يوضح الكاتبان أن هذه الصناعة تعد من الحرف المحلية الهامة متجسدة خاصة بحرفة السدو (نسج البسط البدوية الفطرية) والتي تنسج على النول البدوي، ويلفت الكاتبان انه ومع التطور الكبير في طبيعة الحياة أطلقت العديد من دول الخليج مشاريع أعمال مدروسة لحفظ مقومات هذه الصناعة وحمايتها.
ويشير البحث التالي في الكتاب إلى طبيعة ومستوى هذه الصناعة في مصر كونها معروفة ومشهورة منذ أقدم العصور بفعل تأكيد المصادر على وجود البسط والسجاد أو ما يشبهها في بلاط الفراعنة، لكن المكانة الكبيرة ؟كما يبرهن المؤلفان -كانت إبان العصر المملوكي المميز بتصاميمه الدقيقة وألوانه الجميلة، ثم يعرضان لعدة مراحل في تطور هذه الصناعة، مشيران أن معظم الإنتاج الحالي يتركز في القاهرة وضواحيها إضافة إلى بعض المدن الإقليمية.
وحول واقع وتاريخ فن هذه الصناعة في دول شمال أفريقيا، يركز الكاتبان على ميزات ورفعة أنواع سجاد شهير هو سجاد القيروان بتونس الذي يمتاز بأرفع الألوان والجماليات البديعة التي أكسبته شهرة واسعة، فيما يصفان فن صناعة السجاد في الجزائر بالعريقة، مبينان أنها تركزت وتتركز في مدينة تبسة وتلمسان وسطيف ويذكر الكاتبان هنا المواصفات الراقية للسجاد التلمساني، وفي ختام تناول فن السجاد وصناعته في الدول العربية يتوسع المؤلفان بالحديث عنها في المغرب.
حيث يشيران إلى أنها الدولة العربية التي تتصدر وتتفوق في صنع السجاد راهنا إذ تعود حرفة وفنون هذه الصناعة فيه إلى مئات السنين، كما ينتج السجاد الوبري المعقود(الزرابي) إلى جانب مختلف أنواع البسط والسجاد الأخرى، حيث تدر هذه الصناعة الخزينة المغربية اكبر مقدار من العملة الصعبة .
ويختم الباحثان أبو شقرا فصول كتابهما مع مبحث خاص يتضمن نصائح عملية عن السجاد تشمل توجيهات حول جمالياته وفوائده، إضافة إلى مجموعة إرشادات ونصائح لمشتري السجاد ليعرفوا جيدا أجدى معايير تقييمه وأفضل أنواعه علاوة عن عدة أمور أخرى لا بد أن يغذي ويذكي الشاري معرفته بها عن طريق القراءة حول السجاد وفنونه ومصادره ومميزاته.
كما يشددان على أهمية ايلاء العناية بتنظيف السجاد وصيانته أهمية خاصة، نحتاج معها إلى استخدام أدوات وتقنيات مدروسة ومختبرة، ولا يغفل المؤلفان إيراد تفاصيل متنوعة عن معالجة مشاكل السجاد وطرق إزالة البقع وأشكال لفه وتخزينه.
رحلة استكشافية
دراسة تاريخية وفنية وعلمية تسد ثغرة كبيرة في المكتبة العربية في مجال صناعة السجاد، تشكل رحلة استكشافية معرفية ممتعة مع هذا الفن الذي يعد من أجمل الفنون والحرف الشرقية.
المؤلفان في سطور
إياد أبو شقرا صحافي من مواليد عماطور (قضاء الشوف ) في لبنان، تخرج من الجامعة الأميركية في بيروت حاملا بكالوريوس آداب في العلوم السياسية، ثم تابع دراسته العليا المتقدمة في معهد الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن، حيث حصل على الماجستير وأجرى أبحاث الدكتوراه في الفلسفة.
عمل في صحيفة النهار في بيروت، كما عمل منذ العام 1979م في صحيفة الشرق الأوسط في لندن.
حنان أبو غانم أبو شقرا .اختصاصية في العلوم الطبية والمخبرية، من مواليد الرملية (قضاء عاليه) في لبنان، تخرجت من الجامعة الأميركية في بيروت حاملة بكالوريوس علوم طبية بامتياز.عملت مديرة لمختبر طبي قبل أن تتزوج من إياد أبو شقرا وتنتقل إلى بريطانيا حيث أنهت أبحاث الدكتوراه في بيولوجيا الجزئيات الوراثية في معهد رين الطبي في لندن.
الكتاب: السجاد الشرقي..دراسة تاريخية وفنية وعلمية
تأليف: إياد وحنان أبو شقرا
الناشر: دار الساقي ـ بيروت 2010
الصفحات: 358 صفحة
القطع: الكبير
رفعت أبوعساف


