حين يوقع الفنان على لوحته، قد يعني هذا أنه وصل إلى رضا فني وروحي، لكن ربما تأتي النهاية شائكة، وتصبح عملية قابلة للتفاوض بدون أية رقابة، إلى أن تحسم المسألة تجربة الفنان ومزاجه، وإحساسه أن أية لمسة إضافية تعني الانحدار في مستوى العمل، وتخريب ما تم إنجازه على مدار فترات من الزمن، فاللمسات الأخيرة هي التي تمنح العمل الفني روحاً وحركة، أو تسحب تلك الجمالية التي اشتغل عليها الفنان. ولإدراك أهمية الخاتمة أو النهاية ربما يتطلب من صناع الأفلام التفكير في اللقطة الأخيرة، أكثر من مجهود العمل كله، فهو ما يضع عملهم في طريق النجاح، وهكذا بالنسبة للعمل الفني.
طبيعة الفن كما يراه الكثيرون الديمومة، ومستقبل العمل السليم الاستمرارية، ولهذا يتذوق المشاهد الأعمال الفنية التي أنجزت من زمن بعيد، ربما كل هذا الإبداع تحدده النهاية. وحدهم الفنانون قادرون عن التعبير عن تلك اللحظات، التي يشعرون بها، بل ويشعرون إن هذا كل ما لديهم، تجاه عمل معين، مع سؤال مفتوح في داخلهم هل هذا الرضا الآني سوف يستمر مستقبلا. في المحصلة لا يمكن للعمل أن ينتهي يؤكد الفنان عبد القادر الريس: اللوحة عندي لا تنتهي أبدا، إنما تصل إلى مرحلة معينة لهذا أقف عندها، ومن هذا المنطلق يرى الريس: أن أعماله كلها مشاريع لوحات. وأوضح الريس: يصل الفنان أحيانا إلى مرحلة يشعر فيها أنه إذا أضاف لمسة نهائية على لوحته فإنها تتحول، إلى منطقة جديدة، وإن لم يضف في مرحلة أخرى فإن عمله يأتي ناقصا.
ويؤكد الفنان الإماراتي أن أهم شيء هو خبرة الفنان نفسه، وإمكانياته، ومن واقع خبرتي تتحول لوحاتي في بعض الأحيان، إلى لوحات جديدة من حيث الفكرة والشكل، وقد أشتغل على لوحاتي لمدة طويلة بحيث تنضج رؤيتي لها. القرار لا يأتي أبدا هذا ما تقوله الفنانة الدكتورة نجاة مكي: مضيفة أرى دائما أن اللوحة ناقصة، وليست كاملة، هناك حاجزا أو شيئا ما لا أدري ما هو، يدفعني أن أرى اللوحة ناقصة دائما، لكنني في لحظة معينة أرى أنه من الواجب علي أن لا أضع أية لمسة إضافية لأني أشعر أن هذا العمل سوف يؤدي لـ خراب اللوحة، أتركها وأعود إليها مرة أخرى وأشعر أني الآن يجب أن أوقع عليها، مع أني متأكدة بوجود شيء ما زال ينقص اللوحة.
ومن هذا المنطلق تقول د. مكي: مجمل أعمالي لوحات لم تكتمل، أي عمل فني أرى فيه عندما أعود إليه مرة ثانية أنه يحتمل الكثير من التداخلات، أرى هذا في لوحات تم اقتناؤها من قبل ناس أو جهات. وأقول في نفسي لو فعلت كذا في هذه الجهة من اللوحة. مجمل هذه المناقشات لا تذهب هباء تشير الفنانة نجاة: مناقشتي الكثيرة لنفسي استفيد منها في كل لوحة جديدة أنتجها، وأتعلم من أعمالي السابقة أن أفعل شيئا ما دون سواه، وأعيد النظر قبل توقيعي على عملي مرة واثنين، وربما أكثر.
ورغم كل هذا لا تجدد مكي في أعمالها كثيرا تشير: لا أعيد تجديد الكثير من اللوحات فكل الأعمال التي لم تكتمل في المرات السابقة كنت قد عملت عليها مرة واثنتين، وربما سنة أو شهور، في مثل هذه الحالات أراجع نفسي كثيرا، واسترجع حالاتي السابقة وهذا شيء صعب للغاية، يشبه الانتقال من مدينة إلى مدينة أخرى، بل عندما أسافر وأنا لم أكمل لوحة ما أبقى وقتا طويلا من أجل أن أتالف مع جو اللوحة من جديد، وأعود للمشي بنفس الخطوات مرة أخرى.
نهايات الأعمال الفنية موضوع شائك تكشف د.مكي: مناقشة نهايات اللوحات لا يقتصر على لوحاتي بل من الممكن، أن أنظر إلى أعمال غيري، وأشعر أن لوحته غير مكتملة لكني لا أعلق، مع العلم أنه قد نتبادل وجهات النظر في نهايات لوحاتنا أنا وصديقتي الفنانة منى الخاجة، ونتقبل أفكار بعضنا في الكثير من الأحيان.
نهايات لا تتغير
عندما يوقع الفنان فهد الجابر على اللوحة يعتبر أنها اكتملت مضيفا: أحيانا يحدث أن ألغي اللوحة، أو أعدل عليها ومن هنا تتحول جذريا شكلا ومضمونا. لكن التوقيع والنهاية بالنسبة لي يعني أني راض على كل معطيات العمل كل النسب والظل والنور، واللون، أي أني ارتحت من داخلي للعمل كله بل أظهرت كل في أعماقي للعالم الخارجي، ولو حدث وأضفت يعني هذا أني نظرتي الأولى للوحة قد تغيرت. وإن بدأت أغير يعني أنني استبدل لوحة بأخرى ولا أشجع هذا الشيء كثيرا.
عدة عوامل تجعل الفنان خليل عبد الواحد ينهي لوحته قال: العامل الأول بعد أن أستمر في العمل على فترات متباعدة، ما بين استراحة وما بين مسافة زمنية معينة، أعود لأطالع عملي من مسافة مكانية وليس عن قرب، مما يعطيني القدرة على وضع النواقص التي أريدها، من ألوان أو توزيع للتكوين، وعندما أجد أنها لا تحتاج إلى شيء إضافي أضع توقيعي عليها، وأقرر إنها انتهت.
أما السبب الثاني الذي يكشف عنه عبد الواحد فهو العمل في الاستديو أوضح: عندما كنت أعمل في الاستديو يحدث أن يكون الزميل قريبا مني للغاية وهذا ما يجعلنا نتبادل الملاحظات في الكثير من الأوقات، فكل شخص متميز لا بد أن أخذ ملاحظته بعين الاعتبار، لكننا الآن نعمل بشكل منفصل، وهو ما يجعل الإنتاجية فردية، بعد أن خفت لقاءاتنا مع بعض.
ولم يعمل خليل عبد الواحد على لوحات كانت قد انتهت من قبل إلا نادرا قال: عملي على لوحات قديمة أنتجتها لا يحدث إلا نادرا، ويحدث هذا بين فترة وأخرى، لكنني عندما أفعل هذا أعود للرسم من جديد.
ويختتم بالحديث عن اللمسة الأخيرة: توضع تلك اللمسة بطريقة غير عبثية، لأنها تعبر عن تجربة الفنان، فالفنان يخمن بإحساسه وتجربته أن لوحته لا تحتاج إلى أكثر من هذا، ويعرف أيضا ان اشتغل عليها أكثر سوف يختل التوازن، ويذهب باتجاه لا يريده.
الفنان جلال لقمان يرى أن اللوحة تكمل نفسها ويضيف بعد مرور وقت على العمل في اللوحة أجد فيما بعد أنها تقودني إلى مناطق معينة، تشكل فيها شخصيتها الخاصة، وهكذا إلى أن أجد أنها تعلن عن نهايتها، وأشعر أيضا أني ارتحت لهذه النهاية.العودة إلى العمل على اللوحة مرة جديدة لا يقنع الفنان لقمان قال: لا يمكنني أن أفعل ذلك ولو بعد فترة بل أعتبر هذا تغييرا جذريا فعلى سبيل المثال لو ذهبت إلى فرنسا في العام 2001 والتقطت العديد من الصور الفوتوغرافية لا يمكنني اليوم أن أعيدها بنفس الإحساس والطريقة، لأنها مربوطة بالمكان والزمان، بل هي شيء من الروح، ولو عدت إليها لن تكون بنفس المصداقية، ولن تنتج بنفس الأحاسيس.
ضربة حائرة
عندما انتهى فنان عصر النهضة «مايكل أنجلو» من نحت تمثاله ضربه بالإزميل على إحدى يديه وقال حينها: «أنطق» بعض النقاد فسر كلامه أنه أعجب بالتمثال لدرجة شعر بها أن ما ينقصه هو أن يصبح من لحم ودم، وذهب آخرون من النقاد إلى التفسير إنه قال هذه العبارة الشهيرة كتعبير عن سخطه على التمثال فمن يرى أعمال «أنجلو» الأخرى من منحوتات ورسومات، سيشعر أن المنحوتة كانت جامدة بالمقارنة مع غيرها من الأعمال، ولهذا عبر «أنجلو» عن غضبه.
عبير يونس



