من المعروف والمسلم به، أن الفراغ عامل ضروري لكتلة البناء. يبرزها ويؤكدها ككتلة، ويوفر الشروط الصحيّة والصحيحة لقاطنيها، لا سيما الهواء والضوء والرؤية الواسعة والمريحة. ولكي تتحقق العمارة في أرض الواقع، بالصيغة المثلى، لا بد من انسجامها وتوافقها مع محيطها المعماري.
وتالياً، لا بد من عملية ترتيب وتنظيم لهذا المحيط، بحيث يُظهر جمالياتها، وتؤكد هي بدورها ترتيبه ونظامه.نفس الشروط، تنطبق على العمل النحتي بشقيه الصالوني أو الحُجري، والنصبي، فالنحت كتلة في فراغ، وفراغ يحيط بكتلة، ولكي يأخذ وجوده الصحيح والمّعبّر، وتتأكد قيمه التشكيليّة الفنيّة، لا بد له محيط منظم مرتب ومدروس. العمارة هي إحدى أبرز وأهم ضروب الفنون الجميلة، والحاضن الرئيسي للفنون التشكيليّة التي تنحدر من أسرة الفنون الجميلة، والنحت يأتي كأهم وأبرز ضروبها، لذلك فإن (فن العمارة) و(فن النحت) ينتميان لعائلة واحدة هي (الفنون الجميلة) التي تضم أيضاً الشعر، والموسيقى، وبعض أنواع الرياضة، والفنان بحاجة ماسة للفراغ المناسب، ليؤكد حضورهما، ويبرز قيمهما الجماليّة البصريّة.
حاجة وفن... بدأت العمارة حاجة ماديّة محدودة الوظائف والغايات في حياة الإنسان، تتلخص بتأمين المأوى والحماية له، من عوامل الجو المختلفة (الحرارة والبرودة) ومن الحيوانات المفترسة. كانت في البداية، بسيطة، عفويّة، منفذة من المواد الأوليّة المتوفرة في البيئة كالحجارة، والطين، وأغصان الأشجار والنباتات. قبلها سكن الإنسان الأول في المغائر والكهوف، باعتبارها جاهزة لتأدية هذا الدور، وبالتدريج، توجه إلى إقامة مسكنه في الخارج، تحت ضوء الشمس والمطر ولفح الريح، وأمام مرأى أعدائه، وقد بدأ هذا المأوى بسيطاً، ثم تدرج ليصبح تحفة فنيّة تتماهى فيها القيم الماديّة النفعيّة بالقيم الروحيّة الجماليّة. كذلك فن النحت، بدأ وسيلة تعبيريّة بسيطة للإنسان، ثم تطور ليتحول إلى لغة إبداعيّة رفيعة، انداحت عنها مجموعة من الأعمال الفنيّة المهمة والخالدة، عكست براعة الإنسان ومواهبه ونزوعه للجمال، وفي نفس الوقت، سكب فيها، هواجسه وخيالاته تجاه قضايا وأفكار، شغلته في حينه، ومازالت تشغله حتى اليوم، رغم حالة الوعي والتطور المذهلة التي ينعم بها في هذا العصر.
صعود وتطوّر... في المقلب الآخر، تابعت العمارة تطورها وصعودها الفني والتقاني والتصميمي والخاماتي، لتجمع بين النفعيّة الاستخداميّة، والجمالية البصريّة الابتكاريّة الرفيعة، بحيث تحوّل بعضها إلى معالم فنيّة حضاريّة مهمة، لما تضمنته من صنعة متقنة، وتصميم مبتكر، وفنون غاية في الروعة والجمال. يرى علم الجمال الذي ظهر مع الثورة البلشيفية في القرن الماضي أن العمل الفني المعماري، يختلف اختلافاً نوعياً عن البناء النفعي كأكواخ الخشب، والبيوت التي صُممت عناصرها كلها: السقف، الجدران، الأبواب، النوافذ... الخ، على نحو منظم ومتناسق ومتناسب. والمنشأة في العمارة هي بمنزلة انعكاس البناء النفعي كالبيت مثلاً، ولكن لها خصوصيتها المميزة. كالأعمدة التي تُزين القصر أو المعبد، ليست مجرد تقليد للقوائم المصنوعة من جذوع الأشجار التي تسند العوارض وسقف البيت، فقد تكون هذه الأعمدة تماثيل على صورة إنسان ينوء بحمل (الكارباتيد) أو (بنات الأعمدة المضفورة) وعلى هذا المنوال.
أهم ما في العمارة الصورة التعبيريّة، ومحاكاة مواقع حياة البشر وعملهم وراحتهم بشكل يُعبّر عن أحاسيسهم ونوازعهم. والعمارة قادرة على التعبير عن الحرية، والعظمة، والأبهة، والانفتاح، والوضوح، والزهد، والصراحة، والانطلاق، والخفة، والرشاقة... وغيرها من الأحاسيس.
بمعنى آخر: المنشأة المعماريّة كالنغمة، أو اللون، أو الكلمة، يجب أن تُشكّل مع ما حولها، وضعاً منسجماً وجميلاً. على هذا الأساس، من الخطأ الفادح أن نخطط لإقامة سكن مريح ومفيد وصحي، ولا نهدف لأن يكون جميلاً في الوقت نفسه. أي أن يكون منسجماً كوظيفة نفعيّة استخداميّة، وكوظيفة تعبيريّة.
عناق حتمي
لقد أكد التاريخ، أنه لا سبيل مطلقاً لتقدم وإحياء فن العمارة إلا بتعانقه مع الفنون التشكيليّة. كان هذا في الماضي، ويجب أن يستمر في الحاضر والمستقبل، حتى تحمل العمارة روحانيتها، ويقف المهندس على قيمها الحقيقيّة. فقد أوصت جميع المؤتمرات الدوليّة التي بحثت في وسائل النهوض بالفنون التشكيليّة الحديثة ونشرها وإنعاشها اجتماعياً.
أوصت بالاهتمام بالفنون التشكيليّة ضمن التصميمات المعماريّة. وقد قامت في العصر الحديث تجربة رائدة في هذا المجال قادها المعماري (لوكوربوزيه) ظهرت نتائجها بشكل واضح في المكسيك والبرازيل، وقد أكدت لنا هذه التجربة الرائدة، هذه القاعدة، وذلك بمحاولتها ضم عائلة الفنون الجميلة إلى بعضها البعض، ضماناً لخلق فن جديد، كبير، متكامل، انطلاقاً من المفهوم السابق، ومن واقع تاريخ الفن وقيمه.
علم وفن
الحقيقة المؤكدة اليوم، أن فن التصميم والتشكيل في العمارة، بات جوهرها، ولذلك يتم تعليمه لطلبة الهندسة المعماريّة مع المراحل الأولى للدراسة، مقترناً بالموهبة الفنيّة، إذ يُفترض في الطلاب إدراك المعارف التقانيّة والرياضيات، حيث ان للعمارة أيضاً جانباً علمياً هندسياً يتضمن على سبيل المثال: علوم قوة التحمل التي تتناول التعامل مع أشكال وأبنية وتراكيب تزن الأطنان من الاسمنت والحديد والصلب والحجر والزجاج.
لذلك، أصبحت دراسة العمارة تشتمل على مواد تعليميّة وتخصصات في غاية التنوع، تبدأ من تاريخ البناء والعمارة، وتنتهي بعلم السكونيات، وبناء المدن وتنظيمها، مروراً بعلوم مواد البناء والفيزياء والقانون والاقتصاد، وصولاً إلى المحتوى والتأثير الاجتماعي للعمارة.
اختصاصات مكملة
إلى جانب الدراسة التقليديّة لفنون هندسة العمارة، تتيح معظم الجامعات والمعاهد العليا المختصة بتدريسها، إمكانية تعمق طلبتها في تخصصات مكملة لها، كالتصميم الداخلي، وتصميم المناظر الخارجيّة، أو تخطيط وتنظيم وبناء المدن، وحماية ورعاية التراث، والنصب التذكارية، والفنون التشكيليّة بشكل عام.
لم يقتصر تطور فن العمارة على التصميم والشكل الخارجي، بل طاول أيضاً، المواد والخامات والعناصر الداخلة في بنيّة العمارة المعاصرة، كالإسمنت، والحجر، والخشب، والحديد الصلب، والزجاج، والألمنيوم، والكروم... الخ.
ومؤخراً أضيفت مواد جديدة منها (التيتان) وهو مادة تُبنى عليها الكثير من الأحلام. أول من استخدم هذه المادة المعماري القادم من كاليفورنيا (فرانك غيري) الذي استخدمها في بناء متحف (غوغنهايم) في مدينة (بيلباو) الأسبانيّة.
ومنذ ذلك الحين، يحلم عالم العمارة وهندسة البناء، بتوظيف هذه المادة واستخداماتها. حيث ان مادة التيتان ذات اللون الرمادي الداكن تتحول في الطبيعة إلى اللون المائل للزرقة، أو للأحمر، حسب أوضاع الطقس والمناخ.
هذا المعدن الثمين الذي كان استخدامه محصوراً حتى اليوم، في صناعة الحلي وتقانات الفضاء وبعض الصناعات الطبيّة، كصناعة الأعضاء الصناعيّة لجسم الإنسان، يتمتع بمزايا منها أنه أكثر تحملاً للحرارة من الألمنيوم، وأقسى من الفولاذ، رغم أن وزنه يعادل النصف فقط. من جهة أخرى، فإن مادة التيتان لا تصدأ، وتستمر للأبد، أو على الأقل طيلة بقاء الإسمنت الذي يقع تحتها، واليوم يتم استخدام مادة البناء الجديدة هذه، في مختلف أنحاء العالم، مثال ذلك، بناء الفنون الجديد في (دنفر) ودار الأوبرا الجديدة في (بكين).
من جانب آخر، يتجه المختصون في العمارة، لاستخدام الخلايا الضوئيّة (العضويّة) لإنتاج الطاقة من طاقة الشمس، عبر شرائح شفافة تحول الضوء إلى طاقة، ويمكن لفها وطيها وثنيها، عكس خلايا الطاقة الشمسية الصلبة والكتيمة السائدة حالياً.
تجربة رائدة
النزوع القديم ـ الجديد، للجمع بين فنون العمارة والفنون التشكيليّة والحرف اللازمة لها، تحقق، وبشكل مثالي رائد، في مدرسة (الباوهاوس) أو (بيت البناء) التي أسسها المهندس الألماني (فالتر غروبيوس) عام 1919 في مدينة (فايمر) قرب (لايبزيغ) والتي انتقلت العام 1920 إلى مدينة (ديساو) وظلت هناك حتى تم منعها عام 1932 على يد النازيين. ثم بقيت بعد ذلك عاماً واحداً في العاصمة (برلين).
انضم إلى هذه المدرسة مهندسون معماريون ونحاتون ورسامون وأصحاب حِرف يدويّة، أرادوا في هذه المدرسة الاشتراك معاً في بناء المستقبل، وما فعلوه حقاً، كان ثورة في لغة الشكل، غيّرت على نطاق عالمي مفهوم العمارة والتصميم.
لقد كانت مدرسة (الباوهاوس) ظاهرة فريدة في مجال العمارة والفنون والحِرف. ولدت من ذهنية لا تمت بشيء إلى ذهنيّة أكاديميات تلك الفترة. ففي بيان نشره مؤسسها (غروبيوس) أعلن أن المشاركين فيها من مهندسين معماريين، ونحاتين، ورسامين، عليهم أن يعودوا إلى الحِرفة، وتأسيس جماعة جديدة من الحرفيين متخلين بذلك، عن الكبرياء والطبقيّة التي تريد أن تُقيم جداراً شامخاً بين الفنانين والحرفيين، والتصميم على التخيل والبناء والابتكار معاً.
والحقيقة، قام أساتذة (الباوهاوس) وطلابها بابتداع أشكال جديدة جذرياً، ربطوها بالوظيفة وإمكانات الإنتاج الصناعي، وكانت النتيجة (الحداثة الكلاسيكيّة) التي لم تزل معتمدة حتى اليوم. فهندسة (الباوهاوس) تعني الموضوعيّة والوضوح والإضاءة والغرض الوظيفي.
وكما كانت المعايير الجماليّة مهمة، كانت كذلك المتطلبات الاجتماعيّة، لا سيما تلك المتعلقة ببناء المساكن الجديدة في المدن الكبيرة.
عائلة الفنون الجميلة
العمارة إحدى أبرز وأهم ضروب الفنون الجميلة، والحاضن الرئيس لنشاطات الإنسان الفنيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، ما جعلها ميداناً خصباً للابتكارات.
الأحاسيس والنوازع
أهم ما في العمارة، الصورة التعبيريّة، ومحاكاة مواقع حياة البشر وعملهم وراحتهم وتعبيرها عن أحاسيسهم ونوازعهم وعن الحرية والعظمة والانفتاح والزهد والانطلاق والخفة والرشاقة والأبهة.
علوم وفنون
أصبحت دراسة العمارة تشتمل على مواد متنوعة تبدأ من تاريخ البناء والعمارة، وتنتهي بعلم السكونيات وتنظيم المدن والفيزياء والقانون والاقتصاد وعلوم مواد البناء والمجتمع.
الباوهاوس
النزوع القديم ـ الجديد للجمع بين العمارة والفنون التشكيليّة والحِرف تحقق بشكل مثالي في مدرسة (الباوهاوس) التي انطلقت من (فايمار) بألمانيا وماتت على يد النازيين في (برلين).
د. محمود شاهين



