للقلوب هي دواء، وللسمع هي الطرب الأصيل، وفي المكان هي فرحة وعيد، وفي اللاشعور هي كل الذكريات وأوقات الحنين، أنغامها تحرك الوجدان وترتقي بالإنسان، تذكره بكل جميل وحبيب ونفيس... الموسيقى، السمو والإنسان والتجرد من كل الماديات معها يكون التحليق في العالي فيكون الرقي والسلطنة.. بالموسيقى قد يحيا الإنسان، فالمكان بالنغم الأصيل يميل ومعه أوتار القلب تحس وتستجيب، والدماغ يصغي فيرتقي التفكير، ولأنها غذاء الروح والوجدان يشبع الإنسان، شعور جميل يدوم ويدوم حتى تكف الأوتار عن إصدار الأصوات والأنغام.

عالم رائع من تداخل الأصوات، فيولد نغم بكر واعد رائع ينظف الأذان من كل النشاز الصوتي الذي يلم بالإنسان.. هي حكاية نغم.. فما هي أسرارها؟ ـ النغم الأول في مسيرة الإنسان سمعه من الطبيعة من حوله، صوت الطيور وزقزقتها في الربيع يستيقظ عليها الإنسان الأول، ويتصاعد النغم لينضم للطيور زفيف الرياح وهدير المياه من البحار والأنهار واندفاعات الشلالات، وتعاقب الأمواج.. وفي الخريف عندما يسير الإنسان على أرض مفروشة بأوراق الشجر يسمع لها صوت دغدغات جميل، وكأنها تشجعه على المسير، تلفه رياح الخريف فيتجاوب معها طواعية، فالإنسان والنغم رحلة بداية ونهاية.. بالزغاريد ودق الدفوف تستقبل الدنيا الإنسان في يوم السبوع وهو من العادات والتقاليد المصرية القديمة، وتنطلق الأغاني والألحان، ويوم عرس الإنسان يزف على الأنغام وعروسه تتبختر وتميل على أحلى نغمات الزفاف وسط شموع وأمنيات، وفي نهاية المطاف إلى المثوى الأخير يرتاح تحت الثرى على أصوات وداع حزين.. ولكن هذه الأصوات المتشحة بالحزن يعتقد علماء النفس بأنها تشتت الشعور النسبي بفراق العزيز.

تاريخ الموسيقى في العالم كله قديم قديم، فالإنسان مخلوق يتمايل بالفطرة مع النغم الجميل المبهج والشجن الحزين، دراسات غربية عديدة أثبتت ان ملكة الاستمتاع بالموسيقى لدى الإنسان تبدأ في الشهر الرابع، وهو جنين في رحم أمه، يبتهج لسماع الأصوات المنتظمة الجميلة، وينزعج للمرتفع والعالي منها، والدراسة ذاتها من جامعة «ماكجيل» الكندية بمدينة مونتريال أثبتت ان النباتات والأسماك من المخلوقات جيدة الاستماع للموسيقى، فنبات عباد الشمس يتمايل مع النغم والضوء، وهي الدراسة التي استغرقت تسع سنوات من فريق للعلماء، على رأسهم دكتور «بيار ماردى» المتخصص في علم الصوتيات وأثرها على المخلوقات.

فالموسيقى والغناء جزء مهم وأصيل وأيضاً فطري في تركيبة شخصية الإنسان، منذ فجر التاريخ، وللقدماء المصريين باع طويل مع الموسيقى وآلاتها المختلفة، ومع الغناء فتشهد جدران المعابد والمسلات على أن الغناء في مصر القديمة شكل فطرة هؤلاء القدماء، ورسموا كل الآلات على الجدران وعلى المراكب العملاقة، والتاريخ الفرعوني يؤكد أن هؤلاء المصريين القدامى هم أول من ابتكر الوتريات وآلات النفح والخشبيات، ويرجح العلماء في مجال المصريات أن القدماء المصريين تنبهوا إلى عالم الموسيقى عندما اكتشفوا أصوات الطبيعة من حولهم، وأخضعوها للدراسات وتحويلها إلى مفردات في أبجدية النغم ومقامات وأوزان.

وكان الغناء والموسيقى الفرعونيان يلعبان دوراً مهماً في حياة الإنسان الساكن على ضفاف النهر الخالد وباني أقدم مجد تاريخي في العالم، فكانت الموسيقى المصاحبة للغناء على مستويين كليهما له دور خاص ومهم في حياتهم، غناء المعابد، وهو غناء ـ كما اعتقدوا ـ ينقى الضمير والروح من الشر، ويخفف من أعباء الحياة وهموم الإنسان.

أما البعد الثاني للغناء والموسيقى الفرعونيين فكان يصاحب مظاهر حياتية كثيرة، في مقدمتها موسم الحصاد وفيضان النيل، والأفراح والأعياء وانتصارات الحروب والغزوات، واستقبال المواليد والحث على رفع انتاجية العمل، وهو ما توصل إليه الشعب الياباني بعد سبعة آلاف سنة مما توصل إليه القدماء المصريين، الذين يعتبرون من عجائب العالم في كل مظاهر حياتهم ومعمارهم وحتى في الاستعداد للحياة الآخرة.

وللموسيقى دور في الجنازات الفرعونية ذات الطقوس المهيبة احتراماً وإجلالاً لقدسية الموت.

وإذا استكملنا مشوارنا الموسيقى في مصر على امتداد عصورها، فنجده مشواراً طويلاً وثرياً بحق، عندما تعرضت مصر تاريخياً لرياح الغزو الأجنبي المختلف، كان كل غاز يحط برحاله على مصر المحروسة يأتي ومعه إرثه الموسيقي الغني، وينثره في مصر، فتتأثر الموسيقى المصرية الأصيلة بالجديد القادم لها من كل صوب، وبقيت الازدواجية الموسيقية المصرية قائمة تمثل اتجاهين، الاتجاه الرسمي الذي يتخذ من القصور مكاناً له.

والاتجاه الشعبي الأصيل النابع من تحت العباءة المصرية الحقيقية بكل طوائف الشعب من فلاحين وعمال وحرفيين وفنانين، فهم غير مستهلكين للفن، وإنما هم المبدعون الأصليون له في مصر تحت أي ظروف ورياح تغيير. وفي العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر كانت التأثيرات التركية الموسيقية تفرض حضورها القوي على الموسيقى المصرية، ولكن طوال القرن العشرين كانت الجهود المصرية الشعبية الأصيلة غيرت مجرى الموسيقى التركية.

وحررت الموسيقى المصرية منها على آيادي عمالقة في مقدمتهم سيد درويش ابن الاسكندرية الذي خرج من منطقة شعبية تفتخر به هي «كوم الدكة»، وهو صاحب التحول الحقيقي للموسيقى المصرية وتحررها من تبعية أي موسيقى أخرى، وهو صاحب النشيد الوطني المصري الذي تهتز له القلوب حتى الآن، وهو النشيد الوطني المعتمد في مصر منذ سيد درويش وحتى الآن.

وظلت الموسيقى المصرية تتطور على يد الشيخ زكريا أحمد والشيخ عبدالحي حلمي ومحمد عثمان وعبده الحامولي وكامل الخلعى وداود حسني وصالح عبدالحي ومحمد القصبجي وسلامة حجازي ومحمد عبدالوهاب ومحمود الشريف ومحمد منير وزكريا السنباطي والعديد والعديد من المحدثين مثل كمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد فوزي، وهو عدد يعكس تعدداً في المواهب الموسيقية.

واذا كانت هناك هذه العبقرية الموسيقية في مصر فلابد وأن تكون أمامها عبقرية لا تقل عنها في الغناء، فكانت منيرة المهدية وأم كلثوم وفتحية أحمد ورجاء عبده ومحمد عبدالوهاب وسعاد مكاوي ولورد كاش ونجاة علي وهدى سلطان وشادية والعندليب حليم وسيد مكاوي ومحمد عبدالمطلب وكارم محمود وكمال حسني ومحمد طه ومحمد رشدي ومحمد العزبي، والكثيرون يصعب إحصاؤهم هنا.

واذا كانت الموسيقى بالأذن تسمع، وبالقلب والوجدان تستشعر، فجنباً إلى جنب من العبقرية الموسيقية التي كانت ومازالت وستظل بصمة مصرية عالمية، إلا إنه في الآونة الأخيرة ظهرت أنواع من الموسيقى تسمع «بالعيون»، نعم فقاعات صوتية وحناجر عالية وتقلصات جسدية في خلفية قميئة كثيراً ما تخدش الحياء.

ولكنها يصعب عليها ان تفرض حضورها وسط قمم حديثة في الغناء والموسيقى والطرب الأصيل في عصرنا الحديث وأيامنا هذه التي مازالت تستمتع لكل ما هو نقي رائع وجميل، فكان الملك محمد منير، والحجار وهاني شاكر وفرقة الموسيقى العربية وفرقة عمر خيرت، وهما فرقتان تبنتا مواهب رائعة.

وفي الأربعينات من القرن الماضي وأحياناً في الألفية الثالثة كان الفيلم الغنائي بأغانيه القصيرة وموسيقاه التي لها دور في اكتمال أحداث الفيلم، وكان محمد عبدالوهاب وأم كلثوم رمزين لهذه النوعية من الأفلام الغنائية ثم عبدالحليم حافظ وشادية وفريد الأطرش ومحمد فوزي ومحمد الكحلاوي.

والموسيقى راسخة كقاع البحار والمحيطات كلما تعرضت للتلوث تجدد ذاتها، فإذا كان غياب عمالقة الموسيقى والغناء في مصر والعالم العربي وظهور حناجر صارخة، فهناك من يخرج بكل الأمل لنعيد للموسيقى العربية مجدها الأول.

واذا كان كلامنا على الموسيقى والغناء، فهناك تطل من تحت أشجار الأرز اللبنانية فيروز ذات الحنجرة الذهبية، التي هي واحدة من قمم الغناء العربي والتي تلتف حولها جموع العالم العربي الذين يعشقون «السلطنة». فالموسيقى تنمي العواطف وتبعث على الحب والبهجة في أوقات السلم والحب، وأيضاً تؤجج المشاعر الوطنية القومية وتقديس الوطن والعلم والانتماء.

وهذه النوعية من الموسيقى تعتمد على آلات النفخ النحاسية وضربات الطبول، ولكن هناك ألواناً من الموسيقى أعمق تأثيراً وأشد وقعاً في النفس، وهي التي تجسد الحكايات الشعبية التاريخية في مسيرة الأمم، وتعرف في مصر ب«الربابة» حيث يحكي المغني حكايات شعبية على آلة وترية تعرف بالربابة ويعرف صاحبها بالحكواتي الذي يحكي ويسرد في المقاهي.

ولذلك تسمى «حكاوي القهاوي» وفي المدن الساحلية في مصر، مثل رشيد وبورسعيد، هناك «السمسمية» وهي آلة محلية الصنع تركز مع الأغاني على حياة الصيادين، ومن أشهر المسلسلات التي جسدت «السمسمية» في الدراما المصرية مسلسل «النوة» تأليف وسيناريو وحوار أسامة أنور عكاشة، والذي يتكلم عن الحياة الاجتماعية والسياسية في الاسكندرية ومطلع الأغنية ذائعة الصيت وقتذاك وحتى الآن هو: «بتغني لمين ولمين ولمين.. بتغني لمين يا حمام» وظلت الأغنية عالقة في أذهان وآذان الناس حتى الآن.

وماذا عن الموسيقى العالمية؟

روادها عالميون بالفعل، عباقرة الحس والتأليف والعزف، يعتبر الموسيقيون الروس الأكثر اهتماماً في كتابة النوتة الموسيقية القومية، بسبب الحروب التي تعرضت لها بلادهم، وهذا ما فعله بالتحديد «بيتر تشايكوفسكي» في رائعته باليه «بحيرة البجع» وهو الباليه الأجمل على مستوى العالم وعرض على مسارح العالم الغربي والعربي.

أما موسيقى الموسيقار «موسورسكي» فقد تألقت رائعته «بوريس غودونوف» التي تنطق بالروح الروسية في طبيعتها وسكونها أيام السلم وبعنفوانها أيام السلم والعدوان.

عباقرة كرسوا حياتهم للنغم، منهم «بيتهوفن» صاحب البناء الموسيقي الذي لا يرتقي إليه أحد في العالم، قوة تأثير قدرة في التعبير، ثورة في عالم الموسيقى الغربية العالمية فتحت آفاق رحبة في عوالم أسطورية، موسيقاه كادت تنطق مشاعر وأحاسيس حب وغضب سكون وكبرياء سلام ورياح تغيير عاتية، علم الناس ألوان الموسيقى، معها تنفسوا، ومعها أيضاً كان احتباس النفس فيما بين الضلوع، بلغ منتهاه الفني في فضاء التعبير العبقري الرحب.

فقد شهدت مدينة بون الألمانية مولد العبقري لودفيج فان بيتهوفن في 16 ديسمبر 1770، وعانى الكثير في حياته من أب قاس، ووفاة والدته وهو في سن التفتح 17 سنة الأمر الذي عرقل نسبياً حياته، ولكنه انتقل للعبقرية متحدياً كل الظروف.

نجوم ساطعة في عالم الموسيقى العالمي، يتصدرهم فاجنر، شتراوس وجميعهم شهد لهم العالم بعبقرية نادرة، فالموسيقى جزء من نوازع النفس البشرية العبقرية تخلد أصحابها بعد رحيلهم عنا، رصيدهم سلم موسيقى ونوتة عليها تتلمذت أجيال من الملايين حول العالم.

وإذا غابت الموسيقى عن حياة الإنسان، فيكون هذا الغياب ـ بالإضافة لأسباب أخرى حياتية ـ لسبب ذلك الدخول في حالة رتابة سلوكية مزمنة هي بداية مشوار للإكتئاب النفس، هذا ما توصل إليه الباحثون في تأثير الموسيقى على نفسية الإنسان، خاصة المرهف الشعور والمصنف من قبل الطب النفسي بالشخصية الرومانسية، أي الشخصية التي تنشد الكمال النسبي في كل تصرفاتها، وربما من هنا كانت الموسيقى جزءاً مهماً جداً في علاج الأمراض النفسية في المصحات منذ القدم.

وأول المصحات التي طبقت هذا الأسلوب مؤسسة الطب النفسي المعروفة «بالميراستان» أي «الطب النفسي» باللغة التركية، وكانت موجودة بمنطقة باب الفتوح في القاهرة القديمة والعديد من المدن الإسلامية الأخرى، فكان المرضى يخضعون لأنغام من موسيقى التراث التركي خاصة التراث الصوفي الذي يتسامى بالنفس، وأحرز هذا العلاج نتائج هائلة.

والموسيقى والاستمتاع إليها هو نوع من «العدوى الجميلة» إذا جاز التعبير، فإذا شب طفل في منزل يهوى الاستماع إلى الموسيقى الراقية، عشقها بدوره بالإضافة إلى تهذيب طباعه وسلوكياته واتزان نفسيته.

وفي زمن غاب عنه الجمال في الشكل والجوهر، غابت مفردات كانت ضمن زمن جميل، ففي بهو المنزل قديما كان بيانو أبيض ألماني الصنع يجمل أحد أركان البهو على جانبيه شمعدان من الكريستال البلجيكي يحمل شموعاً ذهبية اللون وعندما يفتح البيانو يظهر غطاء مخملي في لون النبيذ المعتق وحامل للنوتة الموسيقية من العاج الإفريقي الأصلي، تبدأ الشابة الأرستقراطية بالعزف عليه أجمل ألحان شتراوس وفاجنر خاصة عند زيارة أهل «العريس» الذي جاء ليخطب ود الارستقراطية التي يتطاير منها عبق عطر «فام» الذي يدخل ضمن جماليات المكان..

العود ذو الصرة المطعمة بالصدف اليدوي الشغل والصنعة، وأوتاره مشدودة محكمة، يوضع غالباً بجوار «فوتيل» رب الأسرة، «ليدندن» عليه بعبق من ألحان سيد درويش أو صالح عبدالحي خاصة طقطوقة «ليه يا بنفسج بتبهج.. وأنت زهر حزين» يتحد النغم مع دخان القهوة التركي المصنعة منزلياً.

أما الرق ذو الصاجات الفضية فغالباً ما يوجد في الصالون الحريمي «الحرملك» حيث ينعش الزيارات الحريمي لفتيات المنزل ذوات الضفائر الأبنوسية والفستان الزهري بالدانتيلا.

يقول البعض ويتساءل، أين ذهبت موسيقى العصر الجميل؟ ربما تقليص استخدام الراديو؟ ربما، غياب «السميعة» جائز، وجود الكمبيوتر الذي عن طريقه يمكن «تنزيل» أغنيات على موبايلات تزيد العصر سرعة والنفس تدفقاً والضغط ارتفاعاً؟ أكيد..

ولكن يقول آخرون «ع الأصل دور».. نعم سنجده في مكان ما في المنزل، في قنوات الطرب في قلب تواق لزمن سيد درويش وحليم وثومة.. نعم «إذا أردنا الطرب.. علينا البحث عن السلطنة».

أكشاك الموسيقى

أكشاك الموسيقى مظهر من مظاهر التحضر في المدن العريقة، ففي القاهرة كانت معظم الحدائق الكبرى كحديقة الأورمان التي اشتهرت بأندر أنواع الزهور، وحديقة الحيوان وحديقة الميرلاند، كانت بها أكشاك جميلة مبنية على ربوة عالية تعزف فيها فرقة موسيقى الشرطة على شكل نحت موسيقي متكامل أجمل الألحان، وسرعان ما يتجمهر الناس صغاراً وكباراً ويستمعون ويدندنون مع النغم الأصيل، وكانت مدة العزف تزيد على الساعة ونصف الساعة.

وكان لحديقة الحيوان تقليد جميل، فحول «جزيرة الشاي» وهي عبارة عن مقهى راق يقع على بحيرة اصطناعية شاسعة يسبح فيها البجع الأسود والأبيض والبط البكيني، تعزف موسيقى الشرطة أجمل الألحان، بينما الصغار يقذفون بلقيمات من الخبر المحمص لتتجمع حوله البجعات والأوزات والبط.

مشهد لم يغب عن أذهان هؤلاء المنتمين لهذا الزمن. ولكن ملمح شبه هذه الأكشاك يوجد حالياً في «حديقة الأزهر» في منطقة الحسين بالقاهرة، حيث تعزف فرق الموسيقى ألحاناً مختلفة قديمة وحديثة، ولكن هناك أمل في العودة لزمن يكون للموسيقى فيه دور البطولة.

موسيقى التعذيب

تبدو تركيبة «موسيقى التعذيب» غير مستساغة، ولكنها واقع يمارس حالياً، ففي المعتقلات والسجون يضعون موسيقى صاخبة تعتمد على الصخب المنتظم وقرع طبول تهز أوتار وعظيمات الأذن، فتحدث صداعاً وطنياً مزمناً بالأذن من أجل التعذيب وزيادة في الترهيب. وتم ذلك بصورة شنعاء في غوانتانامو.

عندما ربطوا السجين «رهال أحمد» وهو واحد من ثلاثة سجناء، ربطوه بسلسلة حديدية في أرض الزنزانة التي لا تزيد عن متر في متر طولاً وعرضاً، في وضع فيما بين القابع والقاعد بحيث يشعر معه بألم شديد في كل جسده، وسط ظلام دامس أمام مسجل يرسل دفعات ضوئية حادة ترهق العين، تنبعث منه موسيقى صاخبة مخيفة، تصاحبها دقات طبول تقشعر لها الأبدان، فقط الهدف منها بث المزيد من الخوف والرعب والعزلة والاغتراب.

هنا خرجت الموسيقى عن رسالتها الإنسانية لتخضع رغماً عنها لرغبات مجنونة.

موسيقى الإسكندرية

تتناثر على امتداد شطآن المتوسط بعروس البحر الإسكندرية العديد من المقاهي «الجريجية» ـ «التليانية» نسبة لإيطاليا وحسبما ينطقها أبناء بحري ـ تتناثر ـ مقاهي على أعلى مستوى أيضاً في الزمن الجميل، مثل مقهى «دليس» و«آتينيوس» و«باسترودس» و«فلوكيجر» و«سان جيوفاني» و«سان ستفانو» يبدأ فيها «كونشرتو» موسيقى يوم السبت والأحد لعزف الموسيقى الغربية الكلاسيكية كالفالس والتانجو.

وأيضاً موسيقى ألفيس بريسلي الذي كان حلم فتيات الشواطئ وقتذاك، والذي كان يلوح للجميع أثناء مهرجان التلفزيون المقام في الإسكندرية وقتذاك. ولأن لسماع الموسيقى طقوسها، فكان لابد من الدخول بالملابس الرسمية في الخامسة بعد الظهر.

وعلى الأهل أن يقنعوا صغارهم ـ من السادسة حتى ما بعد العاشرة عمراً ـ بضرورة ارتداء الفستان الدانتال الأبيض والجوانتي الأورجانزا وينصتوا لموسيقى فاجنر، فما كان يصبر هؤلاء الصغار على تلك الأجواء الأرستقراطية سوى طبق من الآيس كريم المعروف باسم «كاساتا» أي الممزوجة بالفواكه. ويبدأ العزف ويفتح رقص الفالس.

منى مدكور