أولى عالم الاجتماع والمؤرخ الأميركي ريشارد سينيت اهتماما كبيرا لدراسة حياة البشر في الوسط المديني وفي ظل الرأسمالية «المرنة» وواقع الحركة المستمرّة التي يعيشها العاملون في إطار هذه المنظومة بحيث أنهم يمثلون حالة من «النفي» بسبب افتقارهم إلى «روابط مستمرّة» مع محيطهم.

وكتابه الأخير: «الحِرَفي» يمثل عملية تفحّص دقيقة للعلاقة بين الصانع وما تصنعه يداه، وما يعبّر عنه بالتساؤل حول «ما تعنيه عملية صناعة أشياء ملموسة لنا». إنه يدرس واقع غياب «العلاقة الإنسانية» المطلوبة بين العامل والآلة في العالم المصنّع. وهذا يخلق حالة «اغترابية». كما يدرس بالوقت نفسه التطور التاريخي لمثل هذه العلاقة في المجتمعات الإنسانية المتنوعة. ومن خلال البحث في ثلاثة محاور ـ أقسام يتألف منها الكتاب عن «الحرفيين الصانعين» و«الحرفة» و«الصناعات الحرفية» يبيّن المؤلف كيف أن التاريخ أقام حدودا باستمرار بين الرأس الفكر ـ واليد وبين النظرية والممارسة والحرفي والفنان وبين الصانع والمستخدم لما صنعه. ولا يتردد سينيت في القول أن الحقبة المعاصرة تعاني من آثار هذا الإرث الطويل المستمر منذ زمن رؤساء الورشات الصينيين القدماء حتى المصممين المعاصرين للهاتف النقال.

ويقوم المؤلّف بنوع من «المواجهة» بين عالم الحرف اليدوية القديمة وما رافقها من علاقات إنسانية وما أنتجته من قيم يسميها ب«قيم عالم الحرف» وبين «حالة الانحطاط» التي وصلت إليها أشكال العمل في المجتمعات الصناعية المعاصرة. ويؤكد سينيت أن «الحرفي، الصانع بيده» يمثل قلب المجتمع ومحرّكه ومنبع النشاط فيه وحيث تكون الأولوية فيه للصالح العام ولروح التعاون بين أفراده.

لكن من الهام التأكيد هنا أن المؤلف وعالم الاجتماع الكبير لا يقصد بهذا على الإطلاق التعبير عن نفحة من الحنين إلى تلك الحرف الصغيرة التي عرفتها المجتمعات القديمة وإلى «نمط ولّى ومضى من العيش مع وصول المجتمع الصناعي». إنه يعطي بالأحرى لمفهوم «الحرفي» و«الصانع» معنى أكثر شمولا واتساعا من المعنى المألوف لهذا التعبير.

وهذا ما دلّ عليه بوضوح عندما كتب «يُساء فهم تعبير المهن اليدوية عندما يتم حصرها بممارسة ومعرفة مهنة يدوية واحدة كالنجّار مثلا».وفي نفس النهج من التحليل لا ينظر سينيت إلى «العمل» الذي يقوم به الصانع على أنه مجرد «وسيلة من أجل الوصول إلى غاية محددة». بل يعتبر أن العمل يتسم بالتمسّك ب«روحية العمل بذاته».

ذلك بمعنى أن مهنة الحرفي تدل على «اندفاع إنساني أساسي ومستدام. ورغبة في التنفيذ الجيد للعمل كقيمة بذاته». وهذا ينطبق على «مهنة» الأهل كما على مهنة الطبيب ومبرمج الحاسوب والحدّاد والفنان والممرض، الخ.

إن «اليد» لا تقوم بمجرد عمل ميكانيكي، آلي، ولكنها تعبّر أيضا عن معرفة، «إنها تعرف الكثير» كما يؤكد المؤلف.

وهو يعود من أجل إثبات ذلك بنوع من دعوة قارئه إلى زيارة ورشات عرفها البشر عبر مسيرتهم الإنسانية منذ الأزمنة القديمة من بينها ورش صائغي الذهب في العصر الوسطى أو صانعي الآلات الموسيقية في عصر النهضة أو صانعي النماذج الأولى من الإنسان الآلي روبوت ـ أو أحدث المختبرات الحديثة في مختلف المشارب والفروع.

وفي هذه الحالات كلها تتم دراسة الشروط التاريخية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية والتي أدّت، عبر تطورها، وباسم المنافسة أو المردودية أو سرعة الإنتاج أو زيادة الربح إلى «محاصرة دوافع المهنة».

وفي هذا الكتاب يوسع المؤلف من مفهوم «المهنة اليدوية» كي يطال كل ما يتطلّب «مساهمة اليد ويرمي بنفس الوقت إلى الصيغة الأكمل لإنجاز العمل». وهو بالتالي يرفض اختزال هذا المفهوم إلى مجرد «عمل يدوي». ومثل هذا المفهوم «الاختزالي» يعود، كما يقول المؤلف، إلى الفيلسوف اليوناني ارسطو، ولكنه ارتبط بعمق فيما بعد في إطار الحضارة الغربية بكل تقنية «يدوية»... ومنذ البداية واجهت هذه الحضارة المشاكل الناجمة عن الفصل بين «الرأس واليد»، أي بين من يقوم بالتصميم وبين من يقوم بالتنفيذ. يقول المؤلف: «هناك فصل بين الرأس واليد فكريا وثقافيا، ولكن اجتماعيا أيضا».

إن المؤلف يؤكّد على أهميّة التعلّم عبر التجربة والتعامل مع الواقع القائم. وهاتان سمتان من سمات «الحرف اليدوية». وهو يحدد موقعه إلى درجة كبيرة كسمادّي متنوّر». ذلك على خلفية قناعته أن «من غير المحتمل أن تساعدنا القيم الطوباوية كثيرا».

وهو ينقل عن الفلاسفة اليونانيين قولهم: «إن الإنسان يفكّر لأنه يمتلك يدين». لكن الحضارة الغربية ابتعدت لاحقا، كما يقول، عن هذا الربط ومالت إلى أن الفكر وحده هو الذي ينفع أما اليد فهي «ضرب من العبث». «اليد» تهتم بالأشياء البسيطة من تربية الحيوانات والعمل في الأرض، أما «الرأس» فمجالها هو النشاطات النبيلة والتأمل بالأسباب والغايات والبحث عن «الحقيقة» واختراع السياسة والعلم والفلسفة.

العمل اليدوي والفلسفة

من الواضح أن ريشارد سينيت يولي أهمية خاصة لأعمال حنّة ارنت، التي كانت أستاذته في نيويورك، وبأعمال الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل فوكو. لكنه ينضوي ـ على عكس تفكيرهما الفلسفي بخصوص تحقيق الإنسان لذاته ـ في إطار النهج العملي ـ البراغماتي ـ الأميركي الذي يتصدّى للعالم المادي وللمشاكل الملموسة. ذلك أنه «يمكن القول أن النزعة العملية ؟ البراغماتية ـ الحديثة تجد جوهرها في القناعة التي أعلن عنها توماس جيفرسون عندما قال أن أساس المواطنة يكمن في تعلّم كيفية العمل الجيّد».

المؤلف في سطور

ريشارد سينيت، عالم اجتماع ومؤرخ أميركي يقوم بالتدريس في مدرسة لندن للاقتصاد وفي جامعة نيويورك، وهو أيضا روائي وموسيقي.له مؤلفات عديدة منها «الأسرة ضد المدينة: الطبقات الوسطى في شيكاغو خلال الحقبة الصناعية 1872 ـ 1890» و«البشر والحجر: الجسد والمدينة في الحضارة الغربية» و«ثقافة الرأسمالية الجديدة»، الخ.

الكتاب: الحِرَفي

تأليف: ريشارد سينيت

الناشر: جامعة يال 2008

الصفحات: 336 صفحة

القطع : المتوسط

Craftsman

Richard Sennett

Yale university press 2008

336p.