عُرف عن الكاتب النمساوي الكبير غريغور فون ريزّوري، أنه مارس العمل في حقل السينما كممثل وتعرّف على عالمها عن قريب وعلى كبار الممثلين من أمثال مارسيلو مستروياني وآنا كارينا، وشارل ازنافور وبريجيت باردو. وفي عام 1962 تعرّف على الممثلة السينمائية الفرنسية الأكثر شهرة في القرن العشرين بريجيت باردو عند إنجاز فيلم «فيفا ماريا» للمخرج لويس مال.
كان دور غريغور فون ريزّوري هو أن يلعب دور ساحر عجوز. لكن لويس مال كلّفه بنفس الوقت أن يكتب «يوميات» حول إعداد الفيلم لحظة بلحظة. وهذا ما فعله بالاشتراك مع جان كلود كاريير، وهذه «اليوميات» هي التي تشهدها رفوف المكتبات الفرنسية للمرّة الأولى بعد وفاة صاحبها عام 1998.
جرى إنجاز فيلم «فيفا ماريا» في المكسيك وكانت كلفته باهظة جدا. وكان الشعار الذي رفعه المخرج لويس مال هو إنجاز «فيلم فيه الكثير من الحركة ـ الفعل ـ والكثير من المرح في إطار غريب ودون إلحاق أي أذي بالذهن». وقد جمع فيه «نجمتين» فرنسيتين شهيرتين في عالم السينما آنذاك هما بريجيت باردو وجان مورو.
وخلال الأشهر الستة الأولى من عام 1965 دوّن الكاتب النمساوي، والممثل ـ الساحر ـ في الفيلم، ما كان يقع تحت نظره وما سمعه من أحاديث جانبية في تلك «المغامرة الاستثنائية»، كما يصفها.
وقد اختار المؤلف عنوانا لليوميات التي كتبها ما يمكن ترجمته ب«رجال القش» أي «الكومبارس». ذلك أن المخرج لويس مال كان يكرر أمامه كل يوم عشرات المرات جملة في اللغة الإسبانية موجهة لمئات «الكومبارس» الذين لم يكن دورهم يتجاوز تواجدهم كعدد في هذا المكان. تقول الجملة «أيها الموتى إلى أماكنكم»، لقد كانوا بنظره «بشرا من قش».
ويلخص المؤلف قصة الفيلم أنها تجري في مطلع القرن التاسع عشر بأميركا الوسطى.
وتحكي عن فنانتين شابتين امتهنتا الغناء في فرقة موسيقية جوّالة، لكنهما تقعان في حب رجال واحد، من رجال العصابات المتمردين. وبدافع حبهما له تتبنيان قضيته وتستمران في متابعة المهمة التي بدأها حتى الانتصار النهائي للثورة.
بريجيت باردو وجان مورو تلعبان دوري الفتاتين، وقد كانتا آنذاك في ذروة شهرتهما. ويقول المؤلف أن ما يجهله الجمهور هو أن للميدالية وجهها الآخر. ويكرس العديد من الصفحات للحديث عن المنافسة الشرسة التي قامت بينهما. كانت منافسة «محتومة» بين طبيعتين «حادّتين»، منافسة بين «لبوتين»، كما يقول المؤلف. «إنهما تتعارضان في كل شيء»، يضيف.
أما المخرج لويس مال الذي كان صديقا مقرّبا للمؤلف الذي يكتب عنه ما يلي: «مع لويس مال، يبدو الأمر وكأن البشر يسيرون على أرض هشّة ـ أرض من البيوض. وقد كان جوّ من غياب أي فكر بسيط، كما هو الأمر في بقية أفلام لويس مال السابقة. ومما يلفت الانتباه هو أنه لا يغدو في هذا السياق ـ تصوير الفيلم ـ أكثر صفاء، وأكثر ثقة وتماسكا، بل على العكس أقل ثقة وبالتالي يغدو تحمّله أكثر صعوبة». ومن الملفت للانتباه أيضا أن الصداقة بين الرجلين لم تصمد أمام ما جاء في هذه اليوميات.
ورغم كل شيء يتم وصف فيلم «فيفا ماريا» على أنه يحتل «مكانة خاصة» في أعمال مخرجه لويس مال، ذلك من خلال «التناقض» الكبير بين «خفّة» أفكاره و«الجدية» الكبيرة لموضوعه عن الثورة في بلد وهمي بأميركا اللاتينية. نقرأ: «كان يسود الإحساس أننا في كل مكان من العالم وليس فقط في المكان الذي كنّا نعتقد أننا فيه، أي في المكسيك»
وعبر ما كان يرقبه المؤلف ـ الممثل من تناقضات ومنافسة أمام ناظريه يصل إلى القول ان لويس مال لم يكن يعرف حقيقة إلى أين يمضي و«الخطر في جميع أفلامه السابقة كان في افتقاره حقيقة إلى ما يرويه».
وأيضا «إنه دائما في حالة بحث عن موضوع. إنه يبحث عن رؤية للعالم، لكن الأمور تجري وكأنه لا يتوصل إلى صياغة مثل هذه الرؤية».
وإذا كان الموضوع المباشر ل«اليوميات» التي كان غريغور فون ريزّوري بصدد كتابتها، هو فيلم «فيفا ماريا» وعالمه وأحداثه وشخوصه، فإن المؤلف يذهب أبعد من هذا كي يصف «خبايا مهنة السينما» و«مشهدها من الداخل»، حيث يمكن أن يكون «الضجر» أحيانا هو سيّد الموقف عندما تكون مهمة الممثلين هي أن «يضحكوا» ويدفعوا الآخرين إلى الضحك.
ومن الواضح أن المؤلف بدا «متحيّزا» بوضوح إلى بريجيت باردو التي يغدق عليها الأوصاف الجميلة كما يبدو في الصفحات العديدة التي كرّسها لها. لكن الأمر انتهى فيه إلى إعلان مودته واحترامه الكبير للنجمة الأخرى «جان مورو».
ويحتوي هذا الكتاب على توصيف جميل للأماكن التي كان يدور فيها تصدير فيلم «فيفا ماريا» وما استدعته في ذاكرته من أماكن في البلقان، وللأشخاص المجهولين من «رجال القش» وغيرهم من المكسيكيين الذي رأى فيهم «غجرا آخرين».
وفي النهاية يشير المؤلف إلى أنه «عومل» في المرحلة النهائية للعمل كشخص غير مرغوب فيه، بسبب نشر بعض ما جاء في يومياته بإحدى الصحف الفرنسية.
وكان ضيق لويس مال به كبيرا إلى درجة أنه فكر ب«قتل شخصية الساحر» التي كان يمثّل دورها في الفيلم ، للتخلّص سريعا، من وجوده لكنه عدل عن ذلك في النهاية.
أنانية عالم الفن
فيما هو أبعد من التعرّض للصفات الفردية لمختلف العاملين في إنجاز فيلم «فيفا ماريا»، فإن المؤلف يصف ذلك أنه كان مغامرة إنسانية استثنائية تجابهت فيها «النزعات الأنانية» المتضخّمة عادة بين العاملين في الحقل الفني.
المؤلف في سطور
غريغور فون ريزوري، كاتب نمساوي. يعتبره كُثر أحد أكبر الأسماء التي عرفها الأدب النمساوي في تاريخه الحديث. لكنه لم يكن كاتبا فقط ولكنه مارس مهنة الصحافة والسينما، حيث عمل ممثلا في 15 فيلما ما بين 1954 و1981.من كتبه: «اوديب في ستالينغراد» و«مذكرات مناهض للسامية» و«على آثاري: مذكرات»، الخ.
الكتاب: رجال القش
تأليف: غريغور فون
ريزّوري
الناشر: لوسربان ابلوم
باريس 2009
الصفحات: 295 صفحة
القطع : المتوسط
Les morts à leur place
Gregor Von Rezzori
Le serpent à plume Paris - 2009
295p.
