تشكل مسألة العبودية وإلغائها أحد مواضيع النقاش المستمرة في العالم الانكلوسكسوني بشكل خاص. والمساهمة التي قدّمها المؤرخ الأميركي والأستاذ في جامعة بتسبورغ، سيمور دريشر، هي أحد أكثرها حداثة، وربما أكثرها أهمية نظرا لكون أن المؤلف قد أمضى سنوات، بل عقودا، وهو يبحث حول هذه المسألة.

وفي هذا الكتاب عن «تاريخ العبودية ومناهضتها» يقدّم المؤلف توصيفا تاريخيا دقيقا لحركة مناهضة العبودية، من خلال تقديم تاريخ العبودية نفسها. ويعلن منذ البداية موقف يذهب في عكس اتجاه الفكرة السائدة، والمقبولة عموما، القائلة أن مناهضي العبودية من البريطانيين قد نجحوا في الوصول إلى «إلغائها» كون أن «مستعمرات العبيد» كانت تعرف مسارا انحداريا لا يمكن تغييره. إن هذا الكتاب يمثّل عامة «دراسة مقارنة» لتاريخ ظاهرة العبودية منذ بداياتها وحتى «انطفائها» وهو ثمرة جهد استمر قرابة خمسة عقود من الزمن، كما يشير مؤلفه نفسه في مقدمته.

ثم إن اختيار المؤلف ل«إلغاء العبودية» كعنوان رئيسي للكتاب لا يمثل مجرّد اختيار شكلي، ولكنه يتضمّن تأكيده على دراسة «مسيرة الإلغاء»، ذلك على قاعدة دراسة النتائج «السلبية» التي نجمت عن الظاهرة نفسها.

تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن المؤلف يولي اهتمامه الرئيسي في دراسته لظاهرة العبودية وإلغائها على المقارنة بين ثلاث حالات هي بريطانيا أولا ثم فرنسا واسبانيا، بالمعنى الأشمل وعلى «مواقعها المتقدمة» خلال الحقبة الاستعمارية. بينما لا يولي سوى القليل من الاهتمام للظاهرة في إفريقيا وآسيا.

وتتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام «طويلة» يخص الأول منها «تعاظم» ظاهرة العبودية، ويعنى الثاني بما يسميه المؤلف «العبودية خلال فترة أزمتها»، والقسم الثالث مكرّس لتداخل العبودية وحركات المطالبة بإلغائها. هذا بالإضافة إلى قسم رابع «قصير» يتحدث فيه المؤلف عن «العودة» غير المنتظرة للعبودية خلال الربع الثاني من القرن العشرين، ويقصد المؤلف بذلك ما عانى منه أولئك الذين كانوا في معسكرات الاعتقال النازية والشيوعية.

وينطلق المؤلف من وصف العبودية كنوع من «الممارسة» المغرقة في القدم والتي عرفتها مختلف شعوب العالم باسم إيديولوجيات متنوعة. ويرى أن صيغة تنظيم المجتمعات الإفريقية سهّلت ب«طبيعتها» تصدير العبيد منذ وصول البرتغاليين بأساطيلهم إلى القارة السوداء.

ويحدد المؤلف القول أن نوعا من «مبدأ الحرية» قد تشكّل في وعي العبيد والفلاحين في شمال غرب أوروبا ؟ في بريطانيا- منذ القرن الخامس عشر وأدّى إلى ظهور «عقود العمل».

أما الظهور الحقيقي الأول لحركات مناهضة العبودية فيشرح المؤلف أنه تزامن وتواكب مع بروز مفاهيم الاستقلال الوطني والتحرر الفردي التي احتوت عليها مبادئ الثورة الأميركية و«الثورات» الأميركية والفرنسية ما بين عقد الثمانينات في القرن الثامن عشر حتى عقد العشرينات في القرن التاسع عشر ؟ ثم الثورات الأميركية- اللاتينية للعقد الثاني والثالث من نفس القرن (التاسع عشر).

هذه الثورات والانتفاضات كلها خلقت وضعا لم يعد مقبولا فيه «التناقض الفاضح» بين سياسات «الأرض الحرة» في بلدان الثورات المعنية واستخدام «الأشغال الشاقة» المفروضة على العبيد وأيضا على سكان البلدان «المحيطية» للإمبراطوريات الفاتحة.

ويحدد المؤلف القول أن مثل ذلك «التناقض» كان أكثر شدة في بريطانيا وبالتالي قامت فيها حركة مناهضة العبودية «الوليدة» على خلفية مشاعر الغضب المتنامي لدى الرأي العام ضد مظالم العبودية. وفي مثل ذلك السياق ظهرت أشكال من النشاط الجماعي وتبنّي اللجوء إلى كتابة «عرائض احتجاج جماهيرية».

ويحدد المؤلف ثلاثة «توجهات» كبرى لتلك العرائض عرفتها سنوات 1787-1788 و1791-1792 وأخيرا 1806-1807. ويأتي تأكيد المؤلف على دور هذه العرائض بالقول ان «تكدسّها» أدّى إلى دفع الحكومة البريطانية لإلغاء تجارة العبيد.

ويربط المؤلف بين واقع امتلاك المجتمعات الانكلو-اميركية ل«الرأي العام الأكثر تطورا في العالم» خلال فترة الثورات المشار لها وواقع أن تلك المجتمعات كانت هي التي عرفت كبح أية عبودية جديدة في العالم«. ويرى المؤلف أن السيطرة البريطانية على البحار خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر أدت إلى «تدويل» إلغاء العبودية عبر عقد مجموعة من الاتفاقيات الثنائية مع قوى «العالم القديم» ومع مستعمرات في العالم الجديد». لكن المؤلف فيؤكّد بالمقابل أن الانتقال من العبودية إلى «العمل الحر» لم يتم في جميع بلدان العالم بنفس الآلية «المباشرة» التي عرفتها كل من بريطانيا وفرنسا منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر. ولكن ذلك الانتقال جرى «تدريجيا» حتى الإلغاء التام والكامل «قانونيا» على الصعيد الدولي كله.

ش

بريطانيا والعبودية

يؤكد سيمور دريشر على الدور المركزي الذي لعبته «عرائض الاحتجاج» في بريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر بتوحيد صوت الطبقة العاملة والحركة المناهضة للعبودية. ويولي أهمية كبيرة لدراسة «التجربة البريطانية» في مسيرة إلغاء العبودية مع مقارنة هذه التجربة مع المسار الموازي في الولايات المتحدة الأميركية. أي أنه يقوم بمعالجة مسألة العبودية ومسيرة إلغائها في منظور شامل وعلى مدى حقبة تاريخية طويلة تمتد من القرون الوسطى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

المؤلف في سطور

سيمور دريشر، مؤرخ أميركي وأستاذ في جامعة بيتسبورغ. كرّس دراساته بداية على عالم الاجتماع «الكسي دو توكفيل»وخاصّة دراسته لمسائل الفقر والعبوديّة الاستعمارية . ثم اهتم دريشر بمسألة العبودية في «الحوض الأطلسي».من كتبه :تجربة القوّة».

الكتاب: إلغاء العبودية

تاريخ العبودية

ومناهضتها

تأليف: سيمور دريشر

الناشر: جامعة كمبردج

لندن2009

الصفحات: 484 صفحة

القطع: المتوسط

Abolition, a history of slavery and antislavery

Seymour Drescher

Cambridge University Press London2009

484p.