تحت عنوان «التنمية البشرية» صدر في فرنسا كتاب للأستاذة الجامعية في أميركا وفرنسا «استير دوفلو» التي اختارتها مجلّة «فورينغ بوليسي» ـ السياسة الخارجية بين المثقفين الأكثر تأثيرا في العالم.. وهو في الواقع أحد جزأي عمل واحد تحت عنوان «النضال ضد الفقر».، ويتم نشر الجزء الثاني بالوقت نفسه تحت عنوان «سياسة الاستقلال الذاتي».
المحوران الأساسيان اللذان تناقشهما المؤلفة في مجال التنمية البشرية هما التربية والصحّة. هكذا تختار لقسمي الكتاب العنوانين التاليين «التربية: هل ينبغي التسجيل فقط أم نشر الثقافة؟» و«الصحّة: أشكال السلوك والمنظومات القائمة». وفي الحالتين تقوم المؤلفة بعملية توصيف وتشخيص ثم تقترح بعض الحلول في منظور الإصلاح. ما تؤكّده المؤلفة هو أن الجميع يتفقون على الأولوية المطلقة التي يمثّلها التعليم والصحة في جميع مشاريع التنمية. لكن هناك فرقا كبيرا بين التأكيد النظري عليهما وبين الواقع القائم لهذين الميدانين في قسم كبير من البلدان النامية والذي لا يدعو أبدا إلى التفاؤل.
وتقدّم المؤلفة مجموعة من الوقائع والأرقام التي تبرر مثل هذه النظرة غير المتفائلة. وتشير إلى أن تسعة ملايين طفل يموتون سنويا قبل بلوغهم سنّ الخامسة بسبب أمراض قابلة للشفاء حسب المعطيات الطبيّة المتوفرة. ونصف الأطفال في بلد مثل الهند، رغم معدل النمو الاقتصادي الذي حققته البلاد، من الذين يذهبون إلى المدارس لا يعرفون القراءة.
إن المؤلفة تبتعد عن التنظير والنقاشات التجريدية حول مسائل الفقر وكيفية النضال ضده وتقليصه إلى هذه النسبة أو تلك وحول السبيل الأمثل من أجل تحقيق التنمية. وهي تعتبر أن مثل هذه النقاشات والنزاعات والتنظيرات الإيديولوجية تؤدي إلى التعتيم على المواضيع الأساسية وإلى ضياع مشاريع كثيرة للتنمية. وتناقش المؤلفة على مدى العديد من صفحات الكتاب برامج المساعدات المالية الدولية المخصصة للبلدان الفقيرة. وتشير في هذا السياق إلى أن الأصوات تعالت في الفترات الأخيرة من قبل باحثين كبار مثل «وليام استيرلي» الذي يشجب عمليات الهدر والتبذير التي تتعرّض لها هذه المساعدات. ويعيد السبب الرئيسي في ذلك إلى عدم أخذ سلوك الأفراد الموجّهة إليهم بالحسبان. وتذهب الباحثة الإفريقية الزامبية ـ من زامبيا ـ إلى حد الحديث عن «المساعدات القاتلة». وهذا ما تعلّق عليه المؤلفة بشيء من السخرية: «الجميع يروق لهم كثيرا اليوم شجب المساعدات الدولية».كما تناقش أطروحات الباحث الاقتصادي الشهير امارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد والذي تجد فيه إحدى مرجعياتها الأساسية. وتؤكّد على اطروحات «سن» بأنه ينبغي توجيه المساعدات أوّلا بأول إلى ميادين جوهرية لا يمكن تجاوزها إذا كان يراد بالفعل توفير قواعد ثابتة للاستقلال الذاتي للمعنيين.
إن المؤلفة تتبنّى في واقع الأمر خطّا «وسطا» يجمع بين انتقاد المساعدات التالية وبرامجها التي تتبناها بسبب افتقادها للفاعلية وبين التأكيد أنه لا يكن الاستغناء عن هذه المساعدات كليّا. ولكن المسألة تتعلّق بالميادين التي ينبغي توجيهها إليها حسبما يوحي فيه امارتيا سن.
وعلى شاكلة التجارب المستخدمة في عالم الطب وصناعات الأدوية تقوم المؤلفة بعملية مقارنة بين مجموعة من الأماكن التي جرى اعتمادها كمناطق «اختبار» لنجاح عدد من المشاريع الخاصّة بمجالي التربية والصحّة تحديدا. ومثلما تتم ملاحظة فعالية هذا الدواء أو ذاك على الذين يكونون بمثابة «حقل تجربته» ينبغي، حسب المؤلفة، تقييم هذا البرنامج التربوي أو الصحّي.والطريقة التي تقترحها تعتمد نفس المنهج الطبّي بحيث يتم تطبيق «إجراءات» تجديدية وغير تقليدية انطلاقا من دراسة الواقع على جزء من السكان المعنيين «ارتجالا» بدون انتقاء مسبق. ثمّ تتم لاحقا مقارنة النتائج المحققة بالقياس للجزء الآخر الذي لم يخضع ل«الإجراءات» المطّبقة.وتتطرّق استير دوفلو لعملية توزيع كميات كبيرة من الكتب المدرسية مجانا في عدد من البلدان الإفريقية، وحيث أثارت تلك العملية الكثير من النقاشات والجدل. كما تدرس النتائج التي أعطاها اللجوء إلى تقليص عدد التلامذة في قاعات الدرس. وفي الحالتين تبيّن أن تلك الإجراءات كانت أقل فاعلية من أقلمة البرامج مع المعطيات المحليّة أو تخفيف هذه البرامج، وكذلك أقل فاعلية من تقديم بعض الحوافز الماديّة للمعلّمين.
وتؤكّد المؤلفة في مثل السياق الراهن، وبالاعتماد على دراسة دقيقة لمجموعة من الأمثلة الملموسة، على أهميّة اللجوء إلى «تقنيات تجريبية» وإخضاع نتائجها للمقارنة. هكذا مثلا ثبت أنه من العسير جدا تنظيم حملات تلقيح في البلدان الأكثر فقرا عبر تبنّي إجراءات بيروقراطية. وقد بيّنت تجربة واقعية أن توزيع أكياس صغيرة مجانا من العدس كان كافيا لإقناع المعنيين بتلقي اللقاح بالوقت نفسه.وتكرّس المؤلفة عددا من صفحات الكتاب لمناقشة مسائل خاصة بمكافحة ظاهرة التدخين وأخرى لطرق الوقاية من مرض نقص المناعة المكتسب «الأيدز» المنتشر كثيرا في القارّة الإفريقية وصفحات أيضا لمسألة الحوافز المالية للمعلّمين في الهند وكينيا، حيث راجت فكرة «غير واقعية» تقول بطلب مساهمة رمزية من الأكثر فقرا لدفعهم إلى الانخراط في المشاريع التنموية التعليمية وغيرها.
وفي هذه الحالات كلّها، من كينيا حتى الهند ومن مالاوي حتى المكسيك، تؤكّد المؤلفة «أن التقدّم المطلوب تحقيقه لا يزال بدون حدود تقريبا». هذه هي النتيجة التي وصلت إليها على قاعدة تقييم مدى النجاح والفشل في مختلف تجارب التنمية التي قامت باسم محاربة الفقر.
الحس العملي
تؤكّد مؤلفة هذا الكتاب على أهمية الحس العملي ـ البراغماتي ـ على الأرض. ذلك بمعنى التقييم الملموس محليا وواقعيا للبرامج المطبّقة وإيجاد السبل لجعل المعنيين فيها يقبلونها ويساهمون في إنجاحها؛ هذا في حين أن البرامج المطبّقة «التقليدية» لم تعط حتى الآن النتائج المرجوّة منها.
المؤلفة في سطور
تحتلّ استير دوفلو، مؤلفة هذا الكتاب، كرسي «المعرف ضد الفقر» في الكوليج دو فرانس الذي يمُثّل أعلى مؤسسة علمية في فرنسا حيث تناوب على إلقاء المحاضرات فيه كبار مفكريها وباحثيها في مختلف الميادين. وهي أستاذة لاقتصاد التنمية في المعهد التكنولوجي بماساشوستا وكانت قد أسست «مختبرا» لمكافحة الفقر، نالت في عام 2009 جائزة ماكس ارتور الشهيرة عن الأبحاث الأكثر تجديدا.
الكتاب: التنمية البشرية
تأليف: استير دوفلو
الناشر: سويل
باريس 2010
الصفحات: 103 صفحات
القطع: الصغير
Le developpement humain
Esther Duflo
Seil- Paris 2010
103p.

