يؤكد الباحث الجيولوجي الأسترالي الشهير ايان بليمر أن «الفعل البشري» لا يتحمّل مسؤولية كبيرة في التحولات الراهنة للمناخ. وهو يسير بهذا المعنى عكس التيار السائد. بل ويؤكد أن الإنسان ليس مسؤولا سوى عن انبعاث نسبة ضئيلة من غاز ثاني اكسيد الكربون الذي لا يمثل بدوره سوى نسبة ضئيلة من الغازات التي تؤثر على الغلاف الجوي حيث أن 96 بالمائة منها مصدره بخار الماء.

هذا الباحث هو صاحب كتاب «الجوّ والأرض» الذي يبحث فيه العلاقة بين الاحتباس الحراري والتحولات المناخية، وعلاقتها بالسلوك الإنساني على ضوء النظريات «العلمية الشائعة. وهو يؤكد القول أن كميات غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من مصانع العالم ومختلف المحركات، قد ازدادت بشكل ملحوظ خلال القرن العشرين، وزادت أيضا درجة سخونة الأرض، لكن «ليس هناك أية رابطة علمية مثبتة بين الظاهرتين». إن أطروحات هذا الكتاب قد لا يرى بها كُثر سوى مجرد «صوت شاذ» أمام ما يؤكده أغلبية المهتمين والمختصين بشؤون المناخ. لكن أطروحاته تستحق الاهتمام فهي تصدر عن عالم مشهود له بالجدية والمعرفة العلمية، وهو لا يتردد في القول: «الفرضية القائلة أن النشاط البشري يمكنه أن يؤدي إلى سخونة الأرض هي فرضية استثنائية، ذلك أنها تذهب ضد المعرفة العلمية التي تقرّ بها الفيزياء الشمسية وعلم الفلك والتاريخ وعلم الآثار وعلم طبقات الأرض- الجيولوجيا».

ومن الملفت للانتباه أن المؤلف يعرض أفكاره بكثير من البساطة والدقة، وهو يؤكد أن غاز ثاني اكسيد الكربون «يتبع» الحرارة وليس العكس. وهو يقرّ أن «سخونة» الأرض ارتفعت 7,0 درجة خلال القرن العشرين ولكن كانت هناك أيضا زيادة في ظواهر أخرى مثل «زيادة نشاطات القراصنة» و«سطوهم» على السفن، وهذا لا يعني مسؤوليتهم عن حرارة الأرض.

لكن المؤلف لا يتخلّى أبدا عن «صرامته العالمية» التي يستند عليها في تحليلاته كي يؤكّد أن النظرية السائدة عن مسؤولية النشاطات الإنسانية في زيادة سخونة الأرض، بسبب الغازات المنبعثة من المنشآت الصناعية، تمثل «أكبر وأفدح» عملية «احتيال» عرفها التاريخ، بل ويصفها أنها العملية «الأكثر تخريبا» التي تلقى مثل هذا الإجماع اليوم.

يقول المؤلف: «أنا باحث جيولوجي، ونحن الجيولوجيون نعرف أساسا أن المناخ يتغيّر عبر مرور الزمن. ونقطة خلافنا وتميّزنا عن الآخرين الذين يدعمون فكرة سخونة الأرض في الظرف الحالي، هي في كون أن هؤلاء لا يهتمون سوى بال150 سنة الأخيرة بينما نأخذ نحن في الحسبان 4567 مليون سنة».

وعلى أساس مثل هذا القول والتأكيد على «التباين» بين منظورين ومنطقين يشرح المؤلف كيف أنه جرت «مصادرة» المنظور العلمي في النقاش الجاري من قبل «مجموعة من محترفي السياسة، والأصوليين والمناضلين في إطار حركات حماية البيئة».

وفي إطار الدعوة إلى تعزيز «المنظور العلمي» في النقاش يطرح المؤلف مجموعة من الأفكار مثل قوله أن المناطق القطبية كانت مغطاة بالجليد خلال فترة أقل من 20 بالمائة من الزمن الجيولوجي، وأن «انقراض» بعض الأنواع ظاهرة طبيعية، وأن التغير المناخي يتم بصورة «دورية» و«غير محددة مسبقا»، وأن ثاني أكسيد الكربون الموجود في الجو لا يمثل سوى نسبة 001,0 بالمائة من إجمالي ما هو معروف منه في المحيطات والصخور السطحية والهواء والتربة، الخ.

وبالاعتماد على ما يؤكد المؤلف أنه وقائع يثبتها العلم يرى المؤلف أن أصحاب الرأي المقابل لا يعتمدون في أطروحاتهم سوى على تهويمات «لا ترى سوى الجزء وتهمل الكلّ» ولا تقوم أساسا على ملاحظة علمية دقيقة للواقع وبالتالي «لا علاقة لها مع العلم ولا مع تجربة الواقع».

ومن الظواهر التي يشير إليها المؤلف قوله أن «النزعة الحديثة ذات الطبيعة الإيكولوجية-المحافظة على البيئة» تخص بالأحرى الناس الأغنياء خاصة. يكتب: «عندما أحاول أن أشرح ظاهرة سخونة الأرض إلى سكان إيران أو تركيا، فإنهم لا يدركون جيدا عما أتحدث. إنهم يعيشون يوما بيوم، وهمّهم الأول هو الحصول على الوجبة القادمة. أما الإحساس بالذنب حيال البيئة فهو من ترف البلدان الصناعية».

ويؤكد المؤلف في العديد من تحليلاته في هذا الكتاب على البعد السياسي والاقتصادي في الآراء المطروحة. ويشير في هذا السياق إلى الحساسية الكبيرة لدى الرأي العام في أستراليا- بلاده- للأطروحات ذات الطابع التحذيري من مخاطر سخونة المناخ. نقرأ: «وحتى إذا كنا نمتلك 40 بالمائة من اليورانيوم في العالم، فإننا لا نمتلك طاقة نووية . وآخر ما يحتاجه اقتصادنا هو التصديق على القانون الخاص بانبعاث الغازات الذي سيعني التصديق عليه إفلاس أستراليا».

لا شك أن مؤلف هذا الكتاب «يسبح ضد التيار»، ولكن هل يعتقد أن الرسالة التي يريد توجيهها من خلال هذا الكتاب «الجوّ والأرض» مسموعة من الآخرين؟ على هذا السؤال يجيب: «منذ ثلاثين سنة، لو طلبتم من رجال علم أو من أطباء ما هو مصدر التقرّح في المعدة، فربما كانوا قد قدّموا جميعا الإجابة التالية: إن التقرّحات تأتي من حمض ينتجه الإفراط في القلق.

لكن باحثين اثنين خالفا تلك المقولة وأصرّا على أطروحتهما القائلة أن التقرّحات في المعدة سببها جرثومة بكتيريا- محددة. هذان الباحثان حصلا على جائزة نوبل عام 2005».

ش

برودة المناخ

إن جميع الأطروحات التي يقدمها القائلون ب«السيناريوهات-الكوارث» لم ترتقب «فترة برودة المناخ التي يمر فيها العالم اليوم». ولا يتردد المؤلف في القول ضمن هذا الإطار: «إن سخونة الأرض لا تمثل مشكلة، ذلك أنها توقفت عام 1998، والعامان الأخيران من البرودة أنهيا آثار حوالي 30 سنة من السخونة».

المؤلف في سطور

ايان بليمر، مؤلف هذا الكتاب، هو عالم جيولوجيا أسترالي، من مواليد مدينة «سيدني». حائز على شهادة الدكتوراه في عالم الجيولوجيا. يعمل أستاذا في جامعة «ايديلاييد» وقبلها في جامعة «ميلبورن». حصل على عدة جوائز عن أبحاثه الجيولوجية من بينها «جائزة اوريكا» لمرّتين.كتب المئات من المقالات العلمية في ميدان اختصاصه «الجيولوجيا»، وله عدة مؤلفات من بينها: «تاريخ مختصر لكوكب الأرض» الذي غدا مرجعا «كلاسيكيا».

الكتاب: الجوّ والأرض

تأليف: ايان بليمر

الناشر: كوارتت بوك

لندن 2009

الصفحات: 360 صفحة

القطع: المتوسط

Heaven and earth

Ian Plimer

Quartet Book

London 2009

360P.