إذا كانت فرنسا وألمانيا تشكّلان اليوم ما يسمّى ب«محرّك الاتحاد الأوروبي، فإنهما قد عرفتا علاقات مشوشة عبر التاريخ وصلت بينهما إلى المواجهة العسكرية.

وإذا كانت لا تزال طرية في الذاكرة الحرب العالمية الثانية (1939-1945) واحتلال ألمانيا النازية لفرنسا لعدة سنوات قبل تحريرها فإن حربا أخرى كان البلدان قد تواجها فيها واستمرّت عدة أشهر ما بين سبتمبر ـ أيلول 1870 ومارس ـ آذار 1871. تلك الفترة الدامية هي التي يطلق عليها المؤرخ الفرنسي «السنة الرهيبة» كما جاء في عنوان كتابه الأخير. لقد انتهت تلك المواجهة العسكرية بين فرنسا وألمانيا (بروسيا آنذاك) إلى هزيمة فرنسا وخسارتها لمقاطعتي الألزاس واللورين. هاتان المقاطعتان اللتان يكثر الحديث عنهما في فرنسا وغيرها، ذلك أنهما بقيتا تابعتين لألمانيا، حتى في الخرائط الرسمية الفرنسية، منذ ذلك التاريخ وحتى عودتهما إلى «الوطن الأم» فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى.

المؤرخ بيير ميلزا لا يدخل في تفاصيل تلك «السنة الرهيبة» بالنسبة للفرنسيين، لكنه يركّز على شرح «المأساة» الإنسانية التي ترتبت على تلك الحرب وعلى الكيفية التي جرت فيها بحيث أن هزيمة فرنسا فيها كانت «معلنة» منذ البداية، وحيث كانت فرنسا تعيش فترة نهاية حكم نابليون الثالث وتثبيت أسس الجمهورية مع رجال مثل الجنرال «غامبيتا» الذي كان قد أكّد بعد توقيع الاتفاقية التي تخلّت بموجبها فرنسا إلى ألمانيا عن مقاطعتي الألزاس واللورين، قوله: «إننا لن نتحدث عنهما أبدا ولكنهما لن ننساهما أبدا كذلك».

ومن الأفكار الرئيسية التي يؤكّد عليها مؤلف هذا الكتاب القول أن الكثير من مآسي القرن العشرين، وفي مقدمتها الحربين العالميتين، تجد جذورها بالنسبة لأوروبا في تلك الحرب الفرنسية ـ البروسية. تجدر الإشارة هنا إلى أن تعبير «السنة الرهيبة» يعود إلى الشاعر الفرنسي الكبير «فكتور هوغو» وقد استخدمه المؤلف بيير ميلزا عنوانا لهذا الكتاب.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن المؤرخ يبدأ عمله بالتذكير بالشاعر الكبير الذي يعتبره «شاهدا متميّزا» على تلك الأحداث. لقد كان هوغو في منفاه البلجيكي آنذاك، لكنه خفّ للعودة إلى فرنسا عندما دقّت طبول الحرب... وذلك بدافع وطني وعرض خدماته كمتطوع، لقد كان عمره آنذاك 68 سنة، كما نقرأ.

كان بسمارك قد فهم منذ وصوله إلى السلطة أن طموحاته الكبيرة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا فرض تفوقه على البلدين المجاورين الكبيرين: النمسا وفرنسا. وعلى خلفية مثل ذلك الاعتقاد، يرى بيير ميلزا أن الحرب البروسية ـ الفرنسية كانت واقعة لا محالة بسبب الطموحات التوسعية لبسمارك. هذا الأخير تبنّى خطة الهجوم على «هدفيه» واحدا بعد الآخر. هكذا بدأ بالهجوم على النمسا وإخضاعها في معركة «سادوا» عام 1966.

بقيت هناك إذن فرنسا، الصورة التي يرسمها المؤلف لنظام نابليون الثالث الذي كان في نهاياته هو أن جيشه، ورغم مظاهر «الأمة العظيمة» التي كانت ملتصقة بفرنسا، كان قد أُصيب بالإنهاك بعد الحملات والحروب الاستعمارية العديدة. بالتالي لم يكن ذلك الجيش مؤهّلا حقيقة لخوض «حرب حديثة»، حسب معايير الحداثة آنذاك وكالتي كان يتمتع فيها الجيش البروسي. تتم الإشارة هنا إلى أن نابليون الثالث نفسه كان على وعي تام بذلك، كما تدل الإصلاحات التي شرع فيها لتعزيز بنية الجيش في عام 1868. لكن بسمارك لم يترك له الزمن الكافي كي ينجز مهمته.

يشير المؤلف إلى حدث هام جرى في ذلك السياق وكان له دوره في «تسريع» نشوب الحرب ويحدده في الاستفتاء الشعبي الذي عرفته فرنسا في شهر مايو ـ ايار من عام 1870 وأعطى للنظام الإمبراطوري «بنسخته اللبرالية الجديدة» شعبية كبيرة. رأى بسمارك حينها أنه عليه الشروع بإخضاع فرنسا «قبل أن تعزز قوتها كثيرا. كانت الحجة التي استخدمها هي «الخلافة على العرش الاسباني» حيث تصرّف بطريقة دفع فيها فرنسا إلى إعلان الحرب على بروسيا. وعرف كيف يجمع تحالفا «ألمانيا روسيا» حول بلاده ضد «العدو المشترك» فرنسا.

الفصل الأول في «تراجيديا» تلك «السنة الرهيبة» يحدده المؤلف بالأسابيع الستة الأولى من المعارك التي انتهت إلى هزيمة فرنسا وأسر الإمبراطور في بلدة «سيدان». كان نابليون الثالث المريض قد خضع في شن الحرب لإرادة وزير حربه ولأصحاب النزعة القتالية الذين اعتقدوا أن تهديدات الحرب قد ابتعدت وأن بسمارك ليس مستعدا لها.

الفصل الثاني من المأساة، «القسم الثاني من الكتاب»، يحدده المؤلف بفترة المقاومة بعد سقوط النظام الإمبراطوري. وقد حاول الجمهوريون أثناءها أن يبعثوا من جديد «روح الثورة الفرنسية الكبرى» لعام 1789. وشكّلوا جبهة للدفاع عن باريس بمواجهة الغزاة. لكنهم بالمقابل لم يستطيعوا أن يضمّوا إلى صفوفهم الفلاحين الذين كانوا يرون عامة أن تلك الحرب كلها «عبثية».

إن حصار العاصمة الفرنسية باريس الذي استمر طيلة خمسة أشهر، يشكل موضوع القسم الثالث من الكتاب. لقد كان «حصارا رهيبا» انتهى بالإعلان عن «الإمبراطورية الألمانية الكبرى» في قاعة المرايا بقصر فرساي ثم توقيع الهدنة في الأول من شهر مارس-آذار من عام 1871. لقد احتفل المنتصرون بشوارع باريس «الصامتة وهي تلبس ثوب الحداد». لقد كان الغضب يعتلج داخل النفوس ولم يتأخر عن «الانفجار» بعد عدة أسابيع فقط، وهذا في إطار تلك الانتفاضة الشعبية المعروفة ب«كومونة باريس». ولا ينسى المؤلف أن يضرب مع قرائه موعدا معهم حولها في كتابه القادم.

نابليون وبسمارك

إن المؤلف ـ المؤرخ يقصّ تاريخ الحرب الفرنسية ـ البروسية وكأنها «تراجيديا» مسرحية من ثلاثة فصول، وذلك من خلال التركيز على المواجهة بين شخصيتين كبيرتين كان كل شيء يجعلهما على طرفي نقيض. هاتان الشخصيتان هما الإمبراطور نابليون الثالث الذي كان منظر ساحة المعركة يستنفر كل ما في داخله من انفعالات. وفي مواجهته كان هناك المستشار الألماني اوتو فون بسمارك، ذلك «العملاق الذي نذر نفسه كلها لمجد بروسيا»، وصاحب المشروع الشهير بتوحيد أوروبا «بالقوّة».

المؤلف في سطور

بيير ميلزا، مؤرخ فرنسي ذو شهرة عالمية. يشغل منصب أستاذ شرف في معهد الدراسات السياسية بباريس. له عشرات المؤلفات من بينها: «نابليون الثالث» و«تاريخ إيطاليا» و«أوروبا في ثياب الحداد»، الخ.

الكتاب: السنة الرهيبة

تأليف: بيير ميلزا

الناشر: بيران

باريس 2009

الصفحات: 460 صفحة

القطع: المتوسط

L'année terrible

Pierre Milza

Perrin - Paris 2009

460P.