من المؤكد أن السؤال الأكثر أهمية الذي يقفز إلى الذهن حيال «وقت الصيف» أحدث أعمال جون ماكسويل كويتزي هو: هل هي رواية؟... هذا السؤال نفسه سبق أن طرق الكثيرين حيال أحدث عملين له سبقا «وقت الصيف» وهما «طفولة» و«شباب»، وبالتالي فإن الثلاثية بكاملها تبدو حائرة بين قالبي الرواية والمذكرات.
وعلى الرغم من الوجاهة التي يتمتع به السؤال، فإنه في نهاية المطاف يظل بلا أهمية حقيقية، حقاً قد يشير البعض إلى أن الناشرين هم الذين حرصوا على وضع توصيف الرواية على أغلفة الأعمال الثلاثة لتوقعهم أن يؤدي ذلك إلى مبيعات أكبر من صدور الأعمال حاملة توصيف المذكرات أو السيرة الذاتية، لكن ما يعنينا حقاً هو ما نجده في قلب أحدث أعمال كويتزي. في «وقت الصيف» نحن على موعد مع باحث يقوم بالتدقيق في حياة الكاتب جون كويتزي الذي تفاجئنا الرواية بأنها تستهل بعد أن يكون قد رحل عن عالمنا، ويتسلح الباحث لهذه المهمة الصعبة بمجموعة من الكراسات التي خلّفها كويتزي وراءه، وأيضاً بإمكانية إجراء حوارات مع بعض النسوة اللواتي عاش كويتزي قصص حب معهن في مراحل مختلفة من حياته.
غير أن الباحث، في الرواية، ليس معنياً إلا بالسنوات 1972 ـ 1975 من حياة كويتزي، عندما عاد من الولايات المتحدة إلى مسقط رأسه في كيب تاون بجنوب أفريقيا، وأقام مع أبيه العجوز، محاولاً العثور على عمل كمدرس أو كاتب.
نلاحظ أن الأب رجل صموت، تمضي حياته نحو هدوء بالغ فيما تمضي داره نحو التفكك من خلال الإهمال، وذلك على الرغم من أن كويتزي الابن يحمل على كاهله المهمة الصعبة المتمثلة في دعم المنزل بقوائم من الحديد المسلح.
وفي غضون ذلك يعثر كويتزي الابن على وظائف في مجال التدريس، وتربطه علاقة بامرأة تقيم غير بعيد عنه، وهو في الوقت نفسه ينكب على تأليف رواية.
ومن خلال الأسئلة التي يطرحها الباحث على هذه المرأة نعلم بالمزيد عن علاقتها مع جون كويتزي، ويبدو لنا أنها لم تكن تهتم به كثيراً، وإنما كان الأمر مرده إلى تعرضها للإهمال من زوجها، بينما كان جون غير بعيد عنها.
ويعلم الباحث أيضاً أن جون كان رجلاً يصعب أن يكون محبوباً، فهو ساذج ورومانسي على نحو غير مناسب، وكانت حالة أبيه ونزعته القدرية الكاسحة وحالة بلاده القمعية على نحو عنيف تثيران انزعاجه، على الرغم من أنه لم يكن لديه أي رغبة في المشاركة في الأنشطة الصريحة للمعارضة السياسية.
وهكذا نقرأ: «هكذا كان هذا هو ما عاد إلى وطنه ليجده! ومع ذلك أين يمكن أن يختبئ بحيث لا يشعر المرء بأن القذارة قد طالته؟».
كان ذلك وقتاً حافلاً بالتوترات الشديدة في صفوف «الحكومة الوطنية» فيما هي تواجه كلاً من المعارضة الداخلية والضغط الشديد من الخارج. وهناك بعض المؤشرات الدالة التي تظهر أن كويتزي كان يتابع الأحداث دوماً عن كثب على الرغم من كل سلبيته.وهناك أيضاً بعض المشاهد المتميزة لعلاقة الابن والأب على امتداد الكتاب، وبعض المشاهد المدهشة التي تتطلع إلى الوراء نحو علاقة كويتزي بعائلته من الأفريكانر في كارو.
في هذا الوقت، نرى كويتزي من خلال عيني ابنة عمه وحبه الأول، وهذه الذكريات لا ترحم في تصويرها لعيوب كويتزي كإنسان.
وكلما أوغل القارئ في قراءة هذا العمل عاد بالذاكرة إلى كافكا، وبصفة خاصة إلى رسالته إلى أبيه المفعمة بالعداء والمثقلة بالشعور بالذنب. وحقيقة الأمر أن الجريمة الوحيدة التي ارتكبها كويتزي ضد أبيه هي خدش إحدى الأسطوانات المفضلة لديه.
ولا يخلو «وقت الصيف» من الفكاهة الماكرة والمدهشة، حيث نجد جون يلتقي صديقاً له من أيام الدراسة، ويتذكر أنه لم يكن تلميذاً نجيباً، أما الآن فهو اسم كبير في عالم التسويق، وهكذا نجده يقول متأملاً: «ما الذي يشير إليه هذا في تقلبات الدنيا؟ إن ما يبدو أنه يقوله بجلاء بالغ هو أن الطريق الذي يمر عبر اللغة اللاتينية ومادة الجبر ليس هو الطريق المفضي إلى النجاح المادي، ولكنه قد يشير إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير، إلى أن فهم الأمور هو إهدار للوقت».
والرواية ـ المذكرات تكشف إلى حد كبير عن إحساس كويتزي بعزلته، فإحدى حبيباته تقول عن الأب والابن: «كانا كلاهما ميالين إلى الوحدة، وعاجزين اجتماعياً، ومقموعين، بالمعنى الأكثر شمولاً للكلمة». وهي تمضي في الحديث عن جون قائلة: «من حيث المظهر لم يكن ما يسميه معظم الناس بالشخص الجذاب، كان نحيلاً، وله لحية، ويضع نظارة ذات إطار سميك وينتعل صندلاً، ويبدو ناتئاً، كأنه عصفور، أحد العصافير التي لا تميل إلى التحليق، أو مثل عالم شارد خرج بطريق الخطأ من مختبره. وكان هناك مناخ من الإحباط حوله، جو من الفشل».
ومما له أهميته البالغة أن نكتشف أن جون كويتزي لا يتوحد مع جنوب إفريقيا الأوسع نطاقاً، وإنما مع الأقلية المحاصرة من الأفريكانر في الكيب. وبالنسبة له فإن الأغلبية الإفريقية لا سبيل إلى الوصول إليها، وهي تظل بعيدة تماماً عن عالمه الداخلي، وهو اعتراف شجاع، أخذاً في الاعتبار أن كويتزي يعيش الآن في أدلايد بأستراليا التي هاجر إليها منذ عام 2002.
وفي نهاية الكتاب، سنجد أن كويتزي الأب قد مات والابن أنهى كتابه الأول، الذي يتبين أنه راوية «أرض الغسق»، والنتيجة التراكمية لصراحة كويتزي وجديته التي لا تعرف التراجع هي فهم عميق لبروز كاتب كبير.
وأياً كان التوصيف الذي يحلو للقارئ أن يطلقه، في نهاية المطاف على «وقت الصيف»، وسواء أكان ينظر إليه على أنه رواية أو مذكرات أو سيرة حياة أو «رواية مذكراتية»، كما وصفها بعض النقاد، فإننا نظل أمام عمل شديد الجاذبية والأهمية وجدير حقاً بقراءة نقدية معمقة.
في أصيل شتوي
«إنه أصيل سبت شتوي، وهو وقت طقوسي بالنسبة للعبة الرغبي. وهو يلحق مع أبيه بالقطار المتوجه إلى نيولاندز في الوقت المناسب للحاق بالمباراة الافتتاحية التي تقام في الساعة الثانية والربع. والمباراة الافتتاحية ستتلوها المباراة الرئيسة في الساعة الرابعة. وبعد المباراة الرئيسة سيتعين عليهما اللحاق بالقطار للعودة إلى الدار.وهو يمضي مع أبيه إلى نيولاندز لأن الرياضة ـ الرغبي في الشتاء والكريكيت في الصيف ـ هي أقوى صلة بقيت صامدة بينهما، ولأنه كان يخترق فؤاده كالسكين، في السبت الأول بعد عودته إلى البلاد، أن يرى أباه وهو يرتدي معطفه ومن دون أن ينبس بكلمة يمضي منطلقاً إلى نيولاندز مثلما طفل يتيم».
مقتطف من رواية «وقت الصيف»
الكتاب: وقت الصيف
تأليف: جون ماكسويل
كويتزي
الناشر: فايكنغ
لندن 2009
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Summertime
J .M.Coetzee
Viking, London, 2009
256P

