تعود يسرى مقدم في كتابها «الحريم اللغوي» إلى بدايات مرحلة القلق التي عاشتها، وهي تراكم مرارة الوعي الأنثوي بزمن النقصان الذي عاشته، وفتح وعيها على سؤال الذات والهوية في واقع قائم على المفاضلة بين الذكورة والأنوثة والأصل والفرع والمركز والهامش، فكانت محاولة التمرد الأولى عليه تحمل طابع المشاكسة والغضب ومحاولة التماهي بصورة المذكر، لكن تطور وعيها جعلها تبحث في الأسباب التي أسست لهذا الوضع الأنثوي تاريخيا، ما جعلها تعود في هذا الكتاب إلى تلك البدايات وصولا إلى راهن الواقع من خلال بحثها في النصوص والمدونات والمصنفات الفقهية والقواعدية للبحث عن إجابة على سؤال المذكر والمؤنث معطوفا عليه سؤال الاختلاف والهوية.

المقاربة الأولى التي جاءت تحت عنوان في مديح اللغة ومساءلة النظام تطرح سؤال الاختلاف بصفته الخيط الذي تُنسج منه اللغة التي تشكل نفسها وتتشكل من رموز تختلف وتتغاير باستمرار وفق منطق ينشأ معه الدال والمدلول من صلب الاختلاف. وإذا كانت هذه اللغة خاضعة لسلطة نظامها فإنها بحسب ما تراه تخالف الأصول التي تتمثل في اللغة الأولى أو لغة الأمومة البكر التي عرفت الإنسان قبل أن يعرفها فحفرت أثرا عميقا في دمه . لذلك تأتي كلمات المؤنث/ أفكاره المهجورة لتكشف عن مضمر علاقتها باللغة الأم والرغبة في استعادتها لكي يعود المؤنث من منفاه الدهري ويحقق استقلاليته اللغوية . وبعد هذا التوصيف البلاغي لعلاقة اللغة بالمؤنث تنتقل إلى دراسة تعبيرات تلك العلاقة في اللغة التي تصير أسيرة قواعدها التي تتحول إلى مرجعية لها تعمل على كم صوت المؤنث عندما تجعل منها فرعا على الأصل المذكر، فيكون خطابه خطاب الواحد المفرد الذي يكون النظام اللغوي مشابها له يكبل لسان المؤنث ويقيد تعبيراته. وتستعين الباحثة بالشواهد المنقولة من كتب اللغة القديمة والمعاجم لتأكيد هذه الخلاصات التي تنتهي إليها وترى من خلالها، لاسيما ما يتعلق منها بقضية ولادة حواء من ضلع آدم، إذ ترى فيها محاولة لإضفاء قيمة رحمية هي بالأساس قيمة عضوية مؤنثة على الجسد المذكر، بحيث يكون الأصل الذي يرد إليه المؤنث.

وتناقش مقدم مقولة الأصل المذكر التي لا دليل عليها من خلال العودة إلى موضوع اللغة وقواعدها التي تؤدي دور الحاكم والضابط لحركة اللغة وضبط حدودها، إذ تعمل هذه القواعد على تقييد الحريم اللغوي بضوابط صارمة بغية ترسيخ هيمنة الذكورة وتفوقها، وهو ما تجده في كتاب المذكر والمؤنث للسجستاني في قوله بأن ليس للتذكير علامة لأنه الأول على خلاف ما تجده في النصوص القرآنية التي تؤكد على النفس الواحدة التي خلق منها الرجل والمرأة ما يدل على بطلان ادعاءات اللغة . تنتقل بعدها إلى تناول مباحث التذكير والتأنيث في اللغة باعتبارها تحطّ من قيمة المرأة، إذ تلحق بجمعه من يعقل ومن لا يعقل، لاسيما عند المبرّد الذي يرى أن بعض الصفات الدالة على التأنيث من غير علامات لا يخضع للمنطق. وقد نعت المؤنث بالسحر والغموض كما تفعل الأساطير الأبوية التي تكسب المرأة صفات المكر والخداع والمراوغة.

ومن كتب التراث تنتقل إلى الرواية باعتبارها الوسيط الفني الأنسب للتعبير عن انكشاف الواقع الذي تقوم الروائية بكشف عوراته وفضح انحيازاته، على الرغم من كون اللغة تشكل هاجسا يقلق المرأة، ويعيق إبداعاتها ما يستدعي من المرأة الراغبة بتحقيق ذاتها وتأكيد هويتها العمل على تحرير اللغة عبر استحضار اللغة المؤنثة من خلال تجاوز الخطاب المؤنث لحيرته وتردده ووقوفه عند عتبة الكلام، الأمر الذي قاد هذا الخطاب إلى عدم تحقيق مرتجاه وقيامه بمراجعة نقدية حقيقية، فجعله يغرق في موجة كتابات حافلة بالشكوى والبكاء والاتهام والإدانة، بحيث عجزت المرأة الكاتبة عن إنتاج ذاتها وحضورها في لغتها بكامل هويتها الأنثوية لأن اللغة التي تكتب بها هي أصلا لغة منحازة.

وتبحث مقدم في إيديولوجية الاستعارة نظرا لأن المؤنث في كتب اللغة قد ألبس ثوب الاستعارة الذي طمس وجوده الحقيقي، لأن الاستعارة كما يقول ابن جني تلحق بالحقيقة متى اتسعت وشاعت ثم تناقش العديد من الاستعارات التي تقودها لتأكيد هذه النتيجة عبر تحليل دلالاتها ومعانيها التي حكمت وجودها على خلاف ما تقوله لغة الآيات القرآنية التي تتحدث عن الذكورة والأنوثة، ما يجعل لهذه اللغة وجهين مختلفين اختلاف الحقيقة عن المجاز.

مفيد نجم

تاء التأنيث

تتناول يسرى مقدم مفهوم اللغة داعية إلى أنسنتها ماديا وذهنيا بغية الإشارة إلى ثنائية المذكر والمؤنث فيها، باعتبارها ثنائية الأصل لا القول بالمذكر الأصل ومثله نظام اللغة اللذين يمثلان وريث السلطة الأبوية المر الذي يرمي التأنيث بالشبهة عندما يرد نظام النحو العربي المؤنث إلى فرع نميزه عن المذكر بعلامة لغوية فارقة تحيل على هوية صورية هي تاء التأنيث.

المؤلفة في سطور

يسرى مقدم باحثة وناقدة لبنانية تهتم بالنقد النسوي، نشرت العديد من الأبحاث والدراسات في الصحف والمجلات اللبنانية والعربية. ترجمت بعض أعمال ماركيز وكتاب آخرين. وقد صدر لها كتاب (مؤنث الرواية) الذي تتناول فيه بالنقد والتحليل من منظور نسوي واقع الرواية الأنثوية العربية.

الكتاب: الحريم اللغوي

تأليف: يسرى مقدم

الناشر: شركة المطبوعات

بيروت 2010

الصفحات: 196 صفحة

القطع: المتوسط