يبين الكاتب منير كيال في كتابه «سهرات النسوان في الشام أيام زمان»، أن الأسرة في الشام كانت أشبه بالقبيلة، تعيش في دار واحدة، وكان الرجال يقضون سهراتهم في المقهى للاستماع إلى الحكواتي أو تزجية الوقت واللعب بالنرد والورق والدومينا أو المنقلة، ويحتسون القهوة والشاي والزهورات ويدخنون النارجيلة.

كانت دمشق أشبه بخلية نحل تعمل فيها طوائف الحرفيين ليل نهار من أجل تحضير متطلبات القادمين إليها من بلاد الترك والعجم والأناضول والبلقان، فضلاً عن حجيج الشام وحلب والجزيرة، وقد أطلق هؤلاء القادمون من أقاصي البلاد على دمشق اسم «شام شريف» لما كانت توفّره لهم، من أمان ومواكبة لقافلة الحج إلى الحجاز، والسير في ركابها إلى الحرمين الشريفين، فقد كان السنجق ينصب تحت قبة النسر بالجامع الأموي، للإعلام بانطلاق القافلة في ذلك العام، ثم ما تبع ذلك من استعدادات تطلبها القافلة، شملت الجمال والخيول والطعام، وإعداد الجند المرافقين للحماية والدفاع، واستعدادات الخيمية والمقوفين والعكامة والمهاترة والمشاعلجية والسقائين من أجل ضمان أكبر قدر من الراحة والاطمئنان للحجيج في ذهابهم وإيابهم وإقامتهم وترحالهم.

في ثاني أيام عيد الفطر ينقل الزيت اللازم لإنارة الحرمين الشريفين، في ضروف من الجلد على ظهور الجمال، في موكب كبير يشارك فيه العلماء والمشايخ والكبارية والعراضات وألعاب السيف والترس والأمر نفسه في الاحتفال بنقل ماء الزهر والورد من المزّة التي كانت تشتهر بورودها وأزاهيرها لتعطير الحرمين الشريفين في احتفال لا يقل روعة عن الاحتفال بيوم الزيت. وكانت الأسطح والحارات تغصّ بالنساء من المتفرجات، وأصحاب المحالّ يتسابقون بنثر ماء الزهر على الجماهير المشاركة وتحيتهم بالتهليل والتكبير، كل ذلك يتمّ بيوم خروج السنجق من القلعة ويدور حول سور مدينة دمشق.

وتسهر النسوان في غرفة من غرف المنزل، يتحلقن حول منقل نحاسي أصفر، يتقد في وسطه جمر الدق، فوق رماد يملأ أكثر من نصف ذلك المنقل، ويستضئن بضوء الكاز المعلق بمسمار ثبت على جدار الغرفة، ويقضين سهراتهن في لعب البرجيس وأبي الفول وكشف البخت بالفنجان، وفي قصّ الحكايا والأحاجي والتباري بالأمثال والأقوال والموّالات، والتحدث عن الأخريات، وخلال ذلك يحتسين أكواب الشاي وفناجين القهوة ويتناولن الفواكه الطازجة أو المجففة فضلاً عن المكسرات، يومها كانت المرأة عبئاً اقتصادياً على الأسرة، وكان عليها أن تعاني الأمرين في صراعها مع أسرة زوجها، فضلاً عن ما قد تلاقيه من الضراير والسلايف، من أجل أن توفر لحياتها الزوجية الطمأنينة.

إشكالية السمار والبياض عمرها طويل، قد يتصل بانتشار الإسلام في ما وراء بلاد العرب، وما رافق ذلك من تزاوج بين نساء البلاد المفتوحة والفاتحين العرب، كما قد يتصل بانتشار الجواري والإماء والمحظيات، وقد لعبت الخاطبات دوراً في الترغيب بالسمراوات أو البيضاوات، فأصبحنا نجد من يتغزّل بمحاسن السمراوات ومن يتغزل بمحاسن البيضاوات.

لكن تناول الكستناء وكذلك الشوندر، أمر مختلف ويكون هذا التناول آنياً، آي من الغلوة إلى الكلوة، فالشوندر يقطع بعد سلقه ويقطع ويقدم ساخناً. وكذلك الكستناء فإن تناولها يكون ساخناً بعد شوائها على حمو نار المنقل.

لعبة ملك ووزير من أكثر الألعاب شيوعاً لسهولة تناولها وتداولها بين اللاعبات كباراً وصبايا، أداة اللعبة (علبة كبريت) تقذف بها اللاعبة، فإن أتت العلبة واقفة على كعبها يرمزن لها بالملك، وإن أتت واقفة على جنبها فيرمزن لها بالوزير، أما إن أتت العلبة على بطنها فيرمز لها بسائس الحمير. ..

ومقلاة النساء هي اصطلاح مجازي للدلالة على أن سيرة المرأة التي توضع بالتداول تلوكها ألسنة الحاضرات بسياط القدح والذم، فلا يكففن عن ذلك إلا والمرأة قد أصابها ما أصابها من ذلك التناول ثم تبدأ المعاتبة بالأمثال، والمثل يجر المثل حتى تنتهي السهرة.

تعدّ أكلة الحراق بإصبعه من الآكلات الشعبية التي اشتهرت بها دمشق، ولهن في تناولها طقوس فيها الكثير من الدعابة، ويستساغ أكلها جماعة لما في ذلك من متعة عند النساء، وهي من الوجبات الرخيصة السهلة التحضير، يطهينها بزيت الزيتون، وتتكون من الخبز اليابس مع العدس المسلوق ومرق التمرهندي مع الكزبرة والبصل المفروم. أعدت إحداهن هذه الأكلة وقدمتها للساهرات، وكانت مفاجأة لهن.

وتأتي زبدية الفول النابت وإلى جانبها المرق الحامض والملح والكمون ثم الشاي الأخضر والفطاير باللحم والجبن والقشطة وزبادي الرز بحليب وأوّل عشرة محبوبي هداني خاتم الماس، وهكذا انتهت سهرات النسوان وذهبت كل واحدة إلى بيتها تجهّز نفسها لملاقاة زوجها.

فيصل خرتش

ضراير وسلايف

أمتع فترات سهرات نسوان أيام زمان، سواء عند الصبايا منهن، أم عند الجدّات والحموات وكذلك عند الأمهات والضراير والسلايف والكناين هي حلقة فتح فنجان القهوة: «شوفي كنتنا.. فنجانك في حكي كتير.. شايفة هالعصفورين شلون تمهن ببعض مثل عاشق ومعشوق، يمكن في بيناتن حكي حب، شايفة شلون عم تنقط قلوب من تمهن». «بس في عرقيلة صغيرة، بتروح بعد تلت إشارات، هنن تلت ساعات، تلت أيام.. شهور، سبحان العليم قولوا الله يجعله خير».

المؤلف في سطور

ولد منير كيال في دمشق عام 1931، ودرس في مدارسها، وحصل على درجة البكالوريوس في كلية الآداب ـ قسم الجغرافيا، من جامعتها. مارس هواية التصوير الضوئي ودرس عادات الناس وتقاليدهم في إطار الكلمة المحكية واللحن الإيقاع والتشكيل، له من الكتب: فنون وصناعات دمشقية، وزارة الثقافة، 1964 ـ رمضان وتقاليده الدمشقية، مطبعة الحياة، 1974 ـ يا شام، مطبعة ابن خلدون، 1984 ـ حكايات دمشقية، مطبعة ابن خلدون، 1987 ـ معجم درر الكلام، مكتبة لبنان، 1994 ـ معجم بابات مسرح الظل، مكتبة لبنان، 1995 ـ دمشق ياسمينة التاريخ، دار البشائر، 2004 ـ محمل الحج الشامي، وزارة الثقافة، 2006 ـ مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية، وزارة الثقافة 2007.

الكتاب: سهرات النسوان

في الشام أيام

زمان

تأليف: منير كيال

الناشر: وزارة الثقافة

الهيئة العامة

السورية للكتاب

دمشق 2009

الصفحات 599 صفحة

القطع : المتوسط