منذ أن عرفنا الشعر، ظل الشاعر خلافياً، لا يتفق عليه الجميع، حتى أمثال المتنبي، وابو نواس، والشريف الرضي، والنابغة.. وغيرهم ظلت وجهات نظر الباحثين والنقاد لا تتفق إلا على كونهم شعراء كبار، ونجد كل من يملك وجهة نظر يسوقها بدلالات، حضرت مناظرات عديدة لهذه الخلافات حول شعراء كبار انتهت باعتراف الطرفين بعلو قامة الشاعر.

بدر شاكر السياب.. أحد أكثر الشعراء الذين اختلف حوله الباحثون رغم أن السياب أحد عمالقة الشعر في القرن العشرين وصاحب المبادرة الأولى في تحديث الشعر العربي مع نازك الملائكة، ونتيجة هذه التصورات والاختلافات حول سيرته الحياتية، عاش السياب معذباً في وطنه وغربته وحيداً في مرضه.. على الرغم من كل الدراسات حول عمق شاعريته ودوره الريادي في الحركة الشعرية العربية.

نزار قباني.. ظل صوت قصيدته مسموعاً عبر الكثير من الوسائل، واحتل نصف قرن من التألق الشعري، ورحل وظل الناس يسمعونه عبر أصوات المطربين والمطربات وأكثر الناس لا يعلمون أن ما يسمعونه كتبه شاعر اختلفوا حوله حتى شتمه البعض ببذاءة وعاش هو الآخر غريباً.. بعيداً عن وطنه.. لا يحمل سوى حبه للياسمين تقرباً من مدينته التي أحبها.

عبد الرزاق عبد الواحد.. الذي لم يكتب أحد قصيدة كلاسيكية كقصيدته.. إلا الجواهري، فهو آخر شعراء الكلاسيكية، ونستطيع القول ان أحداً لم يكتب مسرحية عن الحسين (رض) مثل الحر الرياحي التي كتبها عبد الرزاق، ولم يكتب أحد قصائد في حب بغداد بعد الجواهري إلا عبد الرزاق، وهو آخر من تبقى من جيل السياب وزملائه من الشعراء، يعيش غريباً أيضاً عن وطنه، يختلف حوله الكثيرون لا في شاعريته وبلاغة قصيدته إنما يحاسبونه على مواقفه وسيرته الحياتية.

رحل صلاح عبد الصبور إثر إصابته بذبحة صدرية بعد حوار حاد واتهامات في سهرة جمعته مع أقرب أصدقائه، فلم يتحمل تلك الاتهامات التي كانت بعيدة عن إبداعه الشعري ودوره في تطوير القصيدة العربية، ولكن هذا كان لا بد أن يحدث، وكان يتلوى ألماً بين يدي صديق آخر نقله إلى المستشفى.. ولم يستطع أن يقاوم تنكر الأصدقاء واتهاماتهم.. ففضل الانتقال إلى العالم الآخر.

والنماذج عديدة، شملت شعراء آخرين مثل، البياتي، أمل دنقل، حسين مردان، أحمد أمين مدني، حتى شاعر العرب الأكبر الجواهري، لم ينجو من نقد واتهامات، غير أن الجواهري كان أكبر من كل اتهام، ولم يكن ينظر إلى أسفل أنفه، إنما كانت عيناه تحدق بالنجوم.

نماذج كثيرة لا تعد ولا تحصى من الشعراء الذين نعتز بشعرهم ونسمع لغطاً ولغواً لتقليل قيمتهم الشعرية، ولعلي أقول اننا بحاجة للاعتزاز بكل شعرائنا المبدعين.

abduleah_q@hotmail.com