نشر غراهام غرين رواية «الأميركي الهادئ» في عام 1955، وقد صور تجربته الشخصية كعميل بريطاني في الحرب العالمية الثانية في سيري ليون في بداية الأربعينات في الشتاءات التي أمضاها هناك من 1951 إلى 1954.
وكذلك في سايغون حيث كان يقوم بكتابة التقارير عن الحرب الفرنسية الكولونيالية لصحيفتي «التايمس» و«الفيغارو». وقد استوحى كتابة هذه الرواية التي استغرقت ثلاثة أعوام أثناء عودته إلى سايغون من محافظة «بين تري» في سيراليون. وكان يرافقه عامل أميركي أخبره بالعثور على «القوة الثالثة في فيتنام». وتدور قصة الرواية حول صحافي بريطاني يدعى توماس فولر في الخمسين من عمره، كان يغطي الحرب الفرنسية في فيتنام على مدى عامين. وهناك يلتقي بشاب أميركي مثالي النزعة يدعى ألدين بيلي، وهو من القوة الثالثة. يلتقي الرجلان عن طريق الصدفة المحضة في فندق كونتنتنال في سايغون. وكان لفولر عشيقة فيتنامية، تعتبر من أجمل نساء سايغون في العشرين من عمرها تدعى فوينغ. يحاول صديقه بيلي أن يراقصها بقصد مغازلتها.
وكانت أخت فوينغ الكبرى تحلم بتزويجها إلى رجل أوروبي ثري. لذلك تقف ضد فولر لأنه متزوج ولا يمكنه الزواج منها. وتتكرر لقاءات فولر وبيلي في الفنادق والمواخير حيث يوجد البريطانيون الشعبيون بكثرة لكن بيلي لا يحسن التعامل مع العاهرات.
ويعبر بيلي لفوينغ حبه ووعده بالزواج منها. فولر يذهب إلى مدينة فات دايم لكي يغطي معركة هناك، فيلحقه بيلي إلى تلك المدينة، ويخبره بوقوعه في حب فوينغ من أول نظرة ويرغب في الزواج منها.
في تلك الأثناء، يطلب المدير من فولر العودة إلى انجلترا. لذلك يعود فوراً إلى سايغون ويكذب على فوينغ، مدعياً بأن زوجته تطلب الطلاق منه لكن بيلي يفضح أكاذيبه من أجل الحصول على وّد فوينغ. وتأتي الأخبار بتمديد عمل فولر في سايغون عاماً آخر.
لذا يتفرغ للكشف عن شخصية بيلي وأسراره، فيكتشف أنه يجيد اللغة الفيتنامية ويتمتع بوظيفة عسكرية مرموقة، أرسلته وكالة المخابرات الأميركية إلى فيتنام تحت غطاء بعثة طبية إنسانية. وفيما بعد يلتقي الاثنان ويتحدثان عن موضوع الزواج من العشيقة الفيتنامة. وفي ذلك الوقت، يقع انفجار هائل يقتل عدداً كبيراً من الأبرياء. وبعد جمع الأدلة، يكتشف فولر أن بيلي هو المنفذ لذلك الانفجار بناء على تعليمات أميركية من رؤسائه لذلك يقرر اغتياله.
يجمع غراهام غرين بين الوثائقي والمتخيل بطريقة مبدعة، حيث يتنبأ مبكراً بفشل التورط الأميركي في فيتنام. وهذه واحدة من اللحظات النادرة في الأدب.
ولذلك صُنفت هذه الرواية على أنها رواية ضد الأميركيين في عام 1955، ورغم ذلك تم نقلها مرتين إلى الشاشة العريضة في عامي 1985 و2002.
يمكن قراءة هذه الرواية على مستويات عدة، في شكلها البسيط، هي قصة أجنبيين في الهند الصينية، تتداخل علاقتها في مسارين: الأول مع الحرب بيلي كما يرسمه المؤلف ليس «الأميركي الهادئ» بل هو أميركا نفسها... وبقدر تورطها واندفاعاتها في هذه الحرب، وهي تعكس وجهات نظر البلدين أميركا: المثالية والساذجة، وبريطانيا المتعبة والمفكرة.
عندما نشر غراهام غرين روايته «الأميركي الهادئ» لأول مرة اعتبر من المعادين لأميركا. وهاجمها النقد، لأن مواقف الروائي كانت سلبية تجاه أميركا في عبر شخصياته، فيظهره تارة ساذجاً وتارة أخرى مفسداً أو كليهما، إضافة إلى أنها كانت تبشر بنقد شديد للقيم الكولونيالية وأخلاقياتها الرديئة، وقد أظهر الوجه القبيح لأميركا آنذاك.
والملاحظ أن الكاتب لم يركز على شخصية الفتاة الفيتنامية فوينغ بل وضعها على الهامش.
هل كان يريد من ذلك أن يثبت للقراء بأن الاثنين لا يعرفانها جيداً؟
فهي تتصرف في الرواية كطفلة مطيعة لا رأي لها، تنجذب إلى الاثنين، وتخضع لاختيارات أختها الكبيرة.
إضافة إلى ذلك، تتضمن الرواية أساليب متعددة للكتابة: التقرير الصحافي، المذكرات، الشعر، التحقيق، الاستنطاق، الرسائل الشخصية، وغيرها من الأحاديث والاعترافات والحوارات وقصص الحب والاستشراق.. كلها اجتمعت في نص واحد.
وكما يرى غالبية النقاد أن هذه الرواية بعيدة كل البعد عن الاحتفال بالكاتب كبطل بحيث نرى أن الراوي لا يفتخر كثيراً بما يكتب، ولا يهتم بكتابته الشخصية أو يعتز بها، بل لها مهمة واحدة وهي إبقاؤه في وظيفته في فيتنام. كما نرى أن البطل يبقى خارج الأحداث ولا يشارك بها لا من قريب ولا من بعيد.
وهو لا يتدخل في الحرب، ولا يعبر عن آرائه بها، بل يبقى على التل كما يُقال، تماماً مثل أبطال سارتر وكامي، وكانت هذه فكرة جديدة على الرواية الانجليزية في الخمسينات والستينات، وهذا ما كانت تبّشر بها الوجودية في فرنسا.

