بعيدا عما يُشاع حول وجود أزمة في المسرح السوري (على صعيد النص والإخراج)، قد تكون جزءا من أزمة المسرح العربي عموما، ثمة تجارب مسرحية سورية جديدة تتسم بالاختلاف على صعيد الشكل والمضمون.وتتميز هذه التجارب برؤية جديدة لشكل المسرح في سوريا، سواء على صعيد الإخراج أو التوظيف الفني الجديد لبقية عناصر المسرح التي تهملها العروض المسرحية الكلاسيكية لصالح الممثل، أو الخروج بالعرض المسرحي إلى فضاءات أرحب بعيدا عن «العلبة الإيطالية» التقليدية.

هذا الطرح الفني الجديد بتنا نلاحظه في فرق مسرحية جديدة، يرى مؤسسوها أنها ستمنح دماء جديدة للمسرح السوري المتعثّر، وتحرّك مياهه الراكدة، فيما يرى البعض الآخر أنها لا تتعدى تجارب فردية لن تؤسس لتقاليد مسرحية جديدة، بل إنها ببساطة «طفرة» جديدة لشباب مندفع يسعى لتأكيد مقولة «قتل الأب»، وتكريس نفسه كبديل ممكن أو مخلص جديد للمسرح السوري. ويؤكد الفنان باسم قهار ل«البيان» أن هناك حراكا جديدا سيؤسس لمشهد مسرحي سوري جديد، مشيرا إلى أن «هناك شبابا جُددا يظهرون على الخشبة، ولكنهم قادرون على تأسيس بوادر وطموحات مشهد مسرحي سوري جديد».

ويضيف: «المسرح السوري بلا آباء كبار، وباعتبار أن الأب غائب فلا وجود لمعطف يخرج منه أحد كما يقول مكسيم غوركي، ولكن هؤلاء الشباب يملكون طموحا كبيرا ودخلوا المسرح كعصاميين يؤسسون لأنفسهم، وأنا أتوسّم الكثير فيهم - خلال 5 إلى 10 سنوات القادمة- لتأسيس ونمو مسرح سوري مهم جدا في المنطقة، وأعتقد أنه سيكون في طليعة المسارح العربية».

ويرى قهار أن وجود «فرق مسرحية شابة» في سوريا أمر هام جدا، «ولكن يجب أن تنتبه المؤسسات لدعمها، لأنه لا مسرح بلا دعم مادي ومعنوي»، مشيرا إلى أن الدعم المعنوي متاح من خلال الجمهور المتعطش لمشاهدة المسرح، «ولكن لا بد من الدعم المادي من المؤسسات الرسمية المختصة والشركات الخاصة وأصحاب رؤوس الأموال، لدعم الحركة الثقافية في سوريا ومن ضمنها المسرح».

من جانبه يرفض الفنان حسام الشاه وجود فرق مسرحية شابة في سورية، مشيرا إلى أن مفهوم الفرقة في سوريا مازال مفهوما جنينيا موجودا على الورق فقط، «أي أنه ليس هناك مقر لأي فرقة أو أشخاص دائمين».

ويقول الشاه الذي شارك في بعض التجارب المسرحية الشابة: «لا نستطيع إطلاق مصطلح فرقة على تجمع ما، إلا في حال وجود حالة تنظيمية وتمويل وترتيب إداري ومكان ومسرح خاص بها، وعدد من العروض التي قدمتها، بمعنى أن أغلب هذه التجمعات هي مشاريع شخصية، والمشروع الشخصي عندما لا يجد مؤسسة رسمية أو خاصة تموله سيلجأ إلى تسمية «الفرقة».

لكنه يعود ليؤكد أن هذه الفرق - أو التجمعات كما يسميها- أحدثت «شبه نهضة مسرحية» في سوريا، مشيرا إلى أنها تقدم عروضا تناقش هموم الشباب بلغة فنية عالية المستوى، «وأستطيع القول إن هناك جيل مسرحي شاب موهوب، سمهم ما شئت، سيُقال بعد عقد من الزمن إنه غيّر في خريطة المسرح السوري».

في حين يؤكد الفنان رامز الأسود- مؤسس فرقة الخريف المسرحية- وجود فرق مسرحية جديدة في سوريا، رافضا تسميتها ب«فرق شابة» لأنها قد توحي بضعف الخبرة، «دعني أقول: هناك فرق مسرح وُجدت من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا، ممثلين أكاديميين محترفين يمتهنون التمثيل ولديهم هاجس ليصنعوا مسرحا، وهذا مهم جدا».

ويضيف: «خلال السنوات القليلة الماضية، أصبح هناك حراك من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية ليكوّنوا فرقا فنية ، وهذا جاء نتيجة محاولة دعم معنوية من وزارة الثقافة والمهتمين بالشأن المسرحي أو المسؤولين عنه، والدنيا تنفتح والشباب يشعرون بالضيق وعروض المسرح القومي لا تكفي للكل، وأنت يجب أن تجد طريقك الخاص في النهاية».

ويتابع: «المسرح بالدرجة الأولى هو ثقافة وفكر ومتعة، وعندما تريد عمل مسرح يجب أن تحقق هذه المعادلة، لأنه عندما ينزاح عرضك المسرحي باتجاه الفكر والثقافة الجافة يُفضل أن تحوله إلى محاضرة، وعندما يذهب باتجاه المتعة البحتة واللحظية يُفضل أن تحوله إلى سيرك، وهناك أيضا المسرح التجاري الذي يقدم جرعة من التسلية عبر أشكال فنية غير راقية أحيانا، لمجرد التسلية والإضحاك، وهذا يبتعد كليا عن المسرح الذي يجب أن يجمع بين الفن والفكر في آن».

ويشير الناقد الفني أيهم ديب الى أن مسرحية «كاسك يا وطن»، هذه المسرحية في لحظة وجدانية وسياق جامع تحولت إلى مسرحية جماهيرية، ليس بمعنى الحضور ولكن بمعنى مسرحية مجتمع. (لغتها؛ أسلوبها؛ رسالتها) كل هذا وجد حاملاً وحاضنة اجتماعية».

ويرى ديب أن ما يفعله بعض المسرحيين اليوم هو «تقديم أدب مترجم نتحدى الجمهور به. يجب أن نفرق بين النخبة و بين العامة، وحتى النخب قد تتفاوت في قدرتها على التلقي. اليوم معظم جمهور المسرح- الجاد- هم من المسرحيين وأصدقائهم. وهم كثر- اليوم- بفضل المعهد العالي وروافده».

ويضيف: «انظر إلى الأثر الذي تركته مسرحية تيامو (للمخرجة الشابة رغدة شعراني) على الجمهور. الاستعراضية التي انطبع عليها العرض وعدم الدخول في لغة مترفة، جعل من العرض تسلية للعامة ورفضه الكثير من المثقفين، المسرح والشارع يقع بين هذا وذاك.

وقد يكون تحرير المسرح وإطلاقه يبدأ بالاعتراف بالجمهور».

ويعتقد ديب أننا نحتاج اليوم إلى تنشيط قدرتنا على إبداع علاقات جديدة في فضاء المسرح، وأن «لا نقف عند حدود التبشيرية التي تمارسها المؤسسات الغربية».

ويضيف: «في مصر على سبيل المثال، ثقافة الشارع تفرض نفسها بقوة في الفن، لا تستطيع أن تتجاهل هذه الهوية الفذة للشارع المصري (الضحك، السخرية، الموسيقى)، لكن في سوريا نحن مخبريون دون أن نمتلك مختبرا، و انتقائيون دون أن يساعدنا هذا في بلوغ آفاق حرفية عالية».

فيما يشير الفنان أسامة حلال - مؤسس فرقة كون - إلى وجود أسماء كبيرة في المسرح السوري، لكنه يؤكد بالمقابل أنه «لولا الفرق المسرحية الشابة لم يكن لدينا نوع مسرحي جديد».

ويضيف: «نحن بدأنا نعمل عروضا جديدة في المسرح، أورد لك بعض الأمثلة: هناك المسرح الحركي ممثلا بـ «نورا مراد» وفرقة «ليش» والمسرح الراقص مثل فرقة «علاء كريميد»، وهناك أيضا المسرح التفاعلي مثل فرقة «استديو المسرح»، وفرق أخرى جديدة تجرّب أنواعا لم تُجرب سابقا ومنها المسرح الموقعي، بمعنى أنك قد تجد عرضا مسرحيا في ساحة أو نفق مشاة أو حديقة، وهذا ما قمنا به من خلال «فرقة كون»، وهذه أشياء لها أهمية ودلالات كبيرة». ويضيف: «بعد 10 سنوات سيتغير طرحي الفني لأن ثقافتي ستتغير، وكذلك لغة الطرح والمشاكل تتغير لكن ضمن منطق معين، أهمية المسرح أنه مختبر قابل لإنجاز كل شيء بلا حدود أو سقف».

الناقد المسرحي جوان جان ينتقد-خلال قراءته لواقع المسرح السوري المعاصر- لجوء بعض المخرجين السوريين إلى أسلوب «أقل ما يقال عنه أنه انتحار فني ومهني»، من خلال صياغتهم لنصوص أدبية أو مقالات فلسفية تحوي بعض الحِكم والمواعظ على هيئة نص مسرحي هش ولا علاقة له بالمسرح.

ويضيف: «إن من يريد تحويل خشبات المسارح إلى مكان يمارس فيه نزواته الفنية التي تنعكس وبالا على علاقة الجمهور بخشبة المسرح، يجب ألا يكون له مكان في الخارطة المسرحية السورية، فالمسرح لم يُخلق للخطابات والمقالات والأشعار والحكم والمواعظ وألعاب السيرك».

ويلفت جان إلى تطوّر الحركة المسرحية السورية في الآونة الأخيرة، من خلال قيام بعض التظاهرات المسرحية في دمشق وعدد من المدن السورية، فضلا عن ولادة مسرحيين شباب موهوبين ومؤمنين بأهمية المسرح كأداة ثقافية واجتماعية لها دورها في «تطوير وعي أفراد المجتمع والارتقاء بذائقتهم الفنية والفكرية في مواجهة سيل الابتذال والإسفاف، الذي تمطرهم به شاشات التلفزيون صباح مساء».

صناعة مسرح جديد

يعتقد الناقد الفني أيهم ديب أن صناعة مسرح جديد في سوريا تحتاج بالدرجة الأولى إلى دراسة متأنية للمتفرج، مشيرا إلى أن المسرحيين إذا ما أرادوا تقديم مسرح جماهيري، يجب أن يدركوا جيداً أن ما يقدمونه لا بد أن ينطلق من «نقطة الاعتراف بالقضية أو المسألة المحلية، أي أن المسرح يجب أن يخرج من الجمهور ويعود إليه».

نمط جديد

يرى الفنان أسامة حلال أن فرق الشباب أسست لنمط جديد في الخط المسرحي السوري، «لكن علينا أن ندعمهم ونوجههم، هناك مسرحيون شباب لا يقلون أهمية عن أشخاص لهم 50 سنة على المسرح، نحن جيل لديه سلاح الحوار وآخر 5 سنوات هناك أكثر من 5 فرق مسرحية يمولون أنفسهم بأنفسهم ولديهم روح تجريب، نحن لسنا ضد أحد لكن يجب أن نكون موجودين فالساحة تستوعب الجميع».

حسن سليمان