كانوا هنا في إجازة، وكانوا يتحدثون بالاسبانية
كان والدها يحاول أن يلتقط لها صورة باستخدام الكاميرا الرقمية التي تملكها هي، لكنه لا يجيد استخدامها. كانت ترتدي ابتسامتها المثيرة، مثل المايوه الصغير الذي بالكاد يغلف جسدها النحيل. تتململ وتعدل وقفتها: عنقها إلى الأمام قليلاً، ظهرها مقوس قليلاً (لتظهر استدارة مؤخرتها الصغيرة)، تدفع بصدرها إلى الأمام.. وتنتظر. والدها الذي لا يجيد استخدام الكاميرا، يقف أمامها وينظر إلى ابنته في الشاشة الرقمية. ووالدتها، التي أيضاً لا تجيد استخدام الكاميرا، تقف خلفه لتعطي الأوامر، وهي تنظر من فوق كتفه إلى شاشة الكاميرا أيضاً. يرتبك الوالد من حصار الانثيين، فيضغط الزر بدون تركيز، فتهتز الكاميرا. تتصاعد الأوامر من الأم والتعليمات وتردد عليه الأخطاء التي ارتكبها.
تتبخر الابتسامة عن وجه الفتاة، ينخفض الصدر، تختفي مؤخرتها كأنها لم تكن. تتحرك بغضب وعصبية باتجاه والدها لتشرح له للمرة المليون كيفية استخدام الكاميرا. ثم تعود إلى مكانها، لترسم ابتسامتها، وترفع صدرها، وتدفع مؤخرتها.. وقبل أن تنتهي من تهيئة جسدها يكون والدها قد ضغط على الزر بالخطأ، فتلتقط الصورة. هذه المرة الصورة واضحة، لكنها لا تعجب الأنثيين.
تعيد الكرة مرة أخرى، شرح بعصبية، تهيئة الجسد، والوجه، الابتسامة ونظرة العيون. تفعل كل ذلك وهي تظن أنها تبدو طبيعية، غير مكترثة، لا تنظر إلى الكاميرا.
يلتقط الصورة، ويبدو أنها هذه المرة نالت رضا الابنة والزوجة.
تخطف الكاميرا من والدها، تفرح بالصورة الأخيرة. تلغى باقي الصور.
يخيل إلي أن الصورة ستظهرها رائعة الجمال، ذات جسد جميل مُغْرٍ، وابتسامة عذبة.
أتخيل أنها يوماً ما، عندما تعود، ستعرض هذه الصورة على صديق ما، وسيسألها بنبرة لا تخلو من اللهفة، أو ربما الغيرة، من التقط لك هذه الصورة الجميلة؟ وستقول له باستهتار: آه، هذه الصورة؟ نسيت!.
فدوى القاسم
فدوى القاسم في سطور
كاتبة فلسطينية تحمل الجنسية الكندية، مقيمة في دبي، تكتب بالإنجليزية والعربية، نشرت قصصها في «البيان»، والآداب وصحيفة النهار ومجلة جسد (بيروت)، وأخبار الأدب (القاهرة)، والقدس العربي (لندن)، وبعض المواقع العربية والإنجليزية على الانترنت.
نشرت وترجمت قصصاً إلى الإنجليزية لصالح مجلة بنيبال البريطانية، وبعض المواقع على الانترنت. نشرت أول مجموعة قصص قصيرة بالعربية عام 2005 بعنوان «رائحة حب الهال» عن دار شرقيات في القاهرة (لها مجموعة قصصية ثانية بالعربية قيد النشر).
ترجمت رواية «روائح ماري كلي» للحبيب السالمي عن قسم النشر بالجامعة الأميركية في القاهرة (ستصدر في مارس 2010). كما لها مساهمات في كتب تضم مجموعات قصص قصيرة بالإنجليزية صدرت في بريطانيا وفي الولايات المتحدة.

