هو ذلك الكومبيوتر: جدل الأسود والأبيض، صندوق الكون الذي يجيد لغات وتسمية رغبات، وإخراج الكائن الإنسي من محدودية مجاله الحيوي، ليعهد في نفسه ما ليس مسبوقاً، ليعيش امتداداً عمقياً من الداخل، وبثمن قائم.

إنه تكوين آخر، تكوين من داخل تكوين وفي حضرته، لحظة الإعلان عن ظهور الكومبيوتر، عن الدخول فيه.ولعل المتبيّن لمآثره وعن بُعد، ينغمر بعالم من غواياته الناصعة البياض وهي تستدرجه إلى اللجي فيه.

ليس كالثلج ما يحثنا على الحوار الجسمي، الطفلي معه وهو في كثافته ونعومته، وسرعة استجابته إلى اليد التي تغترف منه، وتصنع منه أشكالاً: آمالاً غامضة، وهو داخل المعطف الكوني الذي يموج بياضاً، بينما هو نقطة وما دون في القرطاس الإلهي المنطوي على سر تكوينه الآسر طبعاً لكنه الدائم الابتسامة، ابتسامة سخرية ما، لحظة شعور المحفوف ببياضه أنه الشاهد على الثلج، المتصرف به، وليس أنه المنتمي إليه والمأخوذ به كثيراً.

ذلك شأن الكومبيوتر المصنوع بمعيار ثلجي ما من جهة الطواعية، حيث النظر والأنامل كل واحد، والكيبورد يترجم كل حركة ضاغطة إلى الداخل المبرمج وهو بعمقه الرياضي، يحيل ممتهنه إليه، إلى زمنه وشروط لعبته..

يشهد آخر القرن المنصرم بانعطافة غير مقدَّرة لمآل بداية القرن الراهن، لكن الأقل الممكن قوله، هو تجلّي هذه الدفعة اللافتة من الاعتبارات التي تنسّبنا إلى عالم الكومبيوتر، وكأننا رهائنه وإن كنا القيّمين اسمياً عليه، ليكون هذا التجاذب والتضارب ترجمة أمينة نوعاً ما، للهوية المنزوعة الأبعاد له، ليكون الخلاصة الحية لتاريخ طويل من الاجتهادات والتطبيقات والآمال وحتى مقتنيات العلمي وهو يضعنا أمامه.

وهو يضع العالم بين يدي أي كان، وعلى قدر تفهمه للعبة البياض حيث السواد يعرّقه، كما لو أننا في حيازة ثقب أسود، غير مدركين لما نحن مقبلون عليه، بتأثير من نشوة المتحصّل في نطاقه، حيث يتبارى أسوده وأبيضه، ونحن المأخوذون بالتباري المفتوح، تباري شبكة الأجهزة المعقدة التي تبسط عوالم مدروسة، بأذواق موجَّهة كثيراً، وتغيّر في مفهوم الكائن نفسه..

إن القدرة على الاستجابة لليد التي تتميز بمرونة أكبر وراحة في تحريك المفاتيح، والعين التي تتابع أفق البياض الذي يوغل بعيداً كما لو أنه يستشرف اللانهائي، وحركة الماوس التي لا تقل فاعلية وتحقيق رضى نفسي، من خلال الانتقال من نقطة إلى أخرى، أو من موقع إلى آخر وكأننا في رحاب عفريت القمقم العتيد، مزايا لافتة في تجسيد حيوية فتنة الكومبيوتر.

وكيف أن القدرة هذه في تفجير فسحة البياض المحصورة إلى مدى نيزكي مضاء تتبعه العين بشغف الفضولي، لتتشابك ألوان، أو يستحيل البياض موسيقى، أو صوراً بحسب الرغبة المسجلة، وكأن المطلوب لتحقيق جملة رغبات مستحدثة، تحريك أعضاء جسمية أقل، وانتظار «المعجزة» البيضاء، كأن وراء البياض عوالم تنتظر إشارة للتقدم، في حوار يصل الليل بالنهار، يكون الزمن منحلاً في مجرى البياض.

هذا الاستعراض البطولي الخاص جداً، والذي لا يتم إلا بمعلومة موثَّقة وسط عماء يكون (الكاوس)، مدرَّب عليها، موحياً إلى شدة الألفة، وكأن اللاتناهي هو عكس اسمه، في متناول الرغبة الرحالة، بشروط مستوجبة، تجعل الداخل في حرمة البياض، تبقيه أهلاً جديراً بعالمه المركَّب، عالم العلامات الكبرى، والمغامرات الكبرى، وربما ما لا يحمد عقباه.

حين يستحيل الفضول رغبة الحي في معرفة الموت بدقة وهي تتم فقط في الموت، وحينها لا يعود في الوسع الحديث عن التجربة هذه، لأن الحياة التي اعتمدت قد نفد رصيدها، وذلك هو التحذير الكومبيوتري الأكبر في عالمنا اليوم، إذ على قدر الحركة المنصوبة يكون المردود، مردود الكائن الانترنتي هنا.

هو ذلك الكومبيوتر: جدل الأسود والأبيض، صندوق الكون الذي يجيد لغات وتسمية رغبات، وإخراج الكائن الإنسي من محدودية مجاله الحيوي، ليعهد في نفسه ما ليس مسبوقاً، ليعيش امتداداً عمقياً من الداخل، وبثمن قائم.

إنه الحوار الذي لا يتوقف، لأننا في زحمة التحولات، ونحن نرغب في المزيد من الاكتشاف، لا نعود أخلافاً لأسلاف من جهة التعاطي مع المستجدات، إنما قابلون للتعديل حتى على صعيد نظم التفكير والممارسات الاجتماعية، فلا تعود أيدينا هي ذاتها، ولا أعينا هي ذاتها، ولا حتى مشاعرنا ومخاوفنا هي ذاتها في حشد البياض الذي يتطلب المزيد من الحذر، خشية نسيان الذات التي تتعاين بزمانها ومكانها وثقافتها.

إذا ما أريدً لها أن تكون الذات الفاعلة لا المنفعلة، فلا يكون الكومبيوتر بثنائيّ الأبيض والأسود (وجها الزمن)، مسمّي الرغبة المحققة، المعطي دون التزام مما هو مبرمجٌ فيه، أو الحيادي بامتياز، إنه بياض لا يتوقف عن تعيين السواد الذي يسكننا فيما لا نعلم بأمره، وحتى بالنسبة لما لا يُرى فيه، فهو مؤدي دور/ أدوار، وسليل لغة وثقافة.

ولو أنه مُعد لأداء أكثر من دور في المخاطبة والمواكبة المعلوماتيتين، لكنه لا ينسى وهو في أوج بياضه الملهم والمحفّز على التفاعل معه، أن يسمّي موطنه وكائنه الخاصين، أن يسمّي المتعامل معه، وهو مرصوده، ولعلها اللعبة الأكثر إثارة، ولهذا تتلاحم لياليه ونهاراته، والأكثر إغارة لأنه نهمٌ إلى حيازة كون كامل على طريقته وضمناً، من يسلس له القياد وهو المأخوذ بحكاياته البيضاء المتداخلة، وفي الحالتين يمكن التفريق بين الفاعل والمنفعل بجلاء صادم.

ابراهيم محمود