عرفت رفوف المكتبات الأميركية سلسلة طويلة من الكتب التي جعلت من الحرب التي أقرّتها وقامت بها إدارة جورج دبليو بوش على العراق موضوعا لها. وكتاب «مايكل بيروب» الذي يحمل عنوان: «اليسار إلى الحرب» هو واحد من هذه الكتب ولكن من منظور محدد هو مناقشة «الحجج» التي استخدمها مؤيدو الحرب ومناهضوها لدعم وجهات نظرهم.
إن الأطروحة الرئيسية التي ينطلق منها المؤلف تتمثل ببساطة في القول إن جزءا كبيرا من معارضي الحرب الأميركية على العراق من المثقفين اليساريين. ويركز خاصة هنا على نعوم شومسكي أيضا والكسندر كوكبورن، قد «انساقوا» وراء رواية «تبسيطية» للأمور مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية تمثل بصورة عامة الشرور.
وإضافة إلى أن تدخلها في هذه المنطقة من العالم أو تلك إنما يخفي «نزعة إمبريالية» تقوم بإخفائها وراء «قناع من احترام حقوق الإنسان»، ولكن هذا القناع ليس أكثر من «واجهة دقيقة» لا تكاد تخفي الحقائق الكامنة وراءها.
ويستعرض المؤلف العديد من الحجج التي ساقها مثقفون يساريون وتُبدي تباينا كبيرا في الآراء فيما يخص الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في يوغسلافيا السابقة خلال سنوات التسعينات المنصرمة.
ويؤكّد في هذا السياق أن العديد من الأصوات اليسارية المعروفة، بمن فيها صوته هو نفسه، قد أيّدت التدخل العسكري الأميركي، تحت راية الحلف الأطلسي، ضد صربيا بقيادة سلوبودان ميلوزفتش آنذاك، من أجل تجنّب حدوث مجازر ذات طابع اتني وديني.
بالمقابل كان هناك قسم من مثقفي اليسار، مثل شومسكي وكوكبورن، قد أعلنوا معارضتهم الكاملة والحاسمة لتوجيه ضربة عسكرية للصرب. بل لم يتردد البعض منهم في الدفاع عن سلوبودان ميلوزوفتش الذي أدانته محكمة العدل الدولية في لاهاي بارتكاب «جرائم حرب» من بينها اغتيال ما يزيد على 8000 شخص من البوسنيين في سريبرينيكا. وكانت معارضة مثقفين يساريين آخرين أقل حماسا ولم يترددوا في شجب جرائم الحرب المرتكبة في يوغسلافيا السابقة.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن أنصار النظرة التبسيطية للأمور القائلين إن أنصار النظرة التبسيطية للأمور القائلين إن أي تدخل خارجي للولايات المتحدة متصل بـ «نزعة إمبريالية» بالضرورة، إنما لديهم «نموذج خام ووحيد للثقافة ولوسائل الإعلام يعتبرون من خلاله أنه من المستحيل تقريبا بروز معارضة حقيقية داخل الولايات المتحدة الأميركية».
هؤلاء الأشخاص يعتقدون، كما يصفهم المؤلف، أن جميع الأميركيين باستثناء حفنة قليلة من «الشجعان المدافعين عن الحريّة والعاشقين لها»، قد جرى توجيه وعيهم ومفاهيمهم بالطريقة التي تريدها «الآلة» الرسمية ومراكز القوى الحقيقية فيها.
مثل هذه الرؤية «المتزمتة» يراها المؤلف في غاية السوء وأنه لا بد من إعادة النظر فيها جذريا. ويشير إلى أنه ليس من العبث التفكير أن بعض حالات التدخل العسكري قد تؤدي، أحيانا، إلى تحسّن الأمور. بالتالي إذا كانت الحروب، «على عكس الحرب ضد العراق»، تتماشى مع القانون الدولي وترمي حقيقة إلى دعم حقوق الإنسان، فإنها قد تجلب من الخير أكثر مما تجلب من الشر.
من جهة أخرى، تدل التحليلات المقدّمة على أن اليسار الأميركي المتشدد في أوساط المثقفين خاصة يتسم بنزعة مبالغ فيها من التشاؤم حيال إمكانية قيام معارضة حقيقية في أميركا. وكان شومسكي وآخرون قد توقعوا مسبقا أن «شبكة الانترنت» سيتم توظيفها من قبل الآلة السائدة المالكة للسلطة.
هكذا غاب عن أنظارهم توقّع بروز حملة حقيقية عبر هذه «الشبكة» مناوئة للحرب. ومما شكّل مساهمة هامة في النقاشات الخاصة بالسياسة الخارجية الأميركية وبالحرب في العراق.
وكانت هناك آراء كثيرة مغايرة، أو متباينة، لما ردده صحفيون «موظفون» أو جنرالات متقاعدون عبر قناة «سي.ان. ان» وغيرها.ويمثل هذا الكتاب بأحد وجوهه مساهمة هامة حول النقاشات التي جرت حول حرب العراق وأشكال الخلل فيها.
ولكن بنفس الوقت يحاول المؤلف أن يناقش انطلاقا منها مجموعة من النظريات العامة في الثقافة مثل التي عرضها «ستيوارت هيل». والتساؤل ضمن نفس السياق عن الكنيسة التي يمكن فيها ترجمة هذه النظريات والأفكار إلى حركة يمكنها أن تساعد في تحسن الأمور؟
ويركّز المؤلف على القول بضرورة قيام «يسار جديد» ديناميكي في الولايات المتحدة. يسار لا يقع في «التزمت» الذي يجعله لا يرى مستلزمات الأمن القومي الأميركي ومحاولة تصور «يستحق الدفاع عنه» دون الوقوع في فخ مساندة حكّام مستبدين باسم «مناهضة الامبريالية».
بتعبير آخر يطالب المؤلف بتبنّي اليسار الأميركي لـ «نظرة نقدية» حقيقية للأمور وليس نظرة «تبسيطية»، يتهم نعوم شومسكي ومريديه أنهم قد سقطوا فيها: بل لا يتردد في توجيه الاتهام لهم أنهم «يهدمون» العقل النقدي لدى اليسار الذي يأخذ مبادئه على محمل الجد.
وتتم عبر تحليلات هذا الكتاب محاولة صياغة مجموعة من الحجج الفكرية التي تساعد على إعادة النظر في فكر اليسار الأميركي وفلسفته السياسية، بعيدا عن «التطرف الطفولي» الذي يتمتع فيه العديد من المثقفين ذوي الشهرة العالمية في صفوف هذا اليسار.
«اليسار إلى الحرب» هو نوع من البحث عن «سبيل ثالث» بين الإفراط في «مناهضة الإمبريالية» لدى اليسار وبين الإفراط في «اللبرالية ذات النزعة الحربية». ومثل هذا السبيل يبدو بمثابة «دليل» تسترشد فيه المواقف حيال السياسة الخارجية الأميركية.
شومسكي وآخرون
يولي المؤلف أهمية قليلة للنقاش بين أنصار الحرب الذين عبّروا عن آرائهم وبين التقدميين، أو بين تيار الوسط وتيار اليسار داخل الحزب الديمقراطي الأميركي. إن اهتمامه الأول يذهب إلى ما يسميه تلك «المعارك» بين المثقفين اليساريين من أمثال نعوم شومسكي ومايكل والزر والمؤلف نفسه في واقع الأمر.
المؤلف في سطور
يعمل مايكل بيروب، أستاذا للأدب في جامعة بنسلفانيا حيث يقوم بتدريس «الأدب الأميركي». من مؤلفاته: «دراسة حول الإنسان والعلوم الاجتماعية» و«ما هو لبرالي في الفنون ؟. و«استخدام اللغة الانكليزية: نظريات الدراسات الأدبية ومستقبلها»، الخ.
الكتاب: اليسار إلى الحرب
تأليف: مايكل بيروب
الناشر: جامعة نيويورك ـ 2009
الصفحات: 352 صفحة
القطع : المتوسط
The left at war
Michael Berube
New York University2009
P.352
