هناك أسئلة كثيرة تُطرح في أوروبا اليوم حول طبيعة هويتها بعد توسيع إطار الاتحاد الأوروبي كي يضم 27 بلدا أوروبيا في مسيرة بدأت منذ عقد الخمسينات المنصرم وبستة بلدان كانت قد وقعت «اتفاقية روما» في عام 1957 تحديدا.
والأسئلة المطروحة قد يمكن اختزالها في سؤال جوهري واحد هو التالي: هل يمكن لأوروبا أن تبقى نفسها بوجود مكوّنات مختلفة جدا من الشعوب؟ الإجابة على هذا السؤال تتنوّع، لكن «كريستوفر كالدويل»، الصحافي الأميركي في «الفيننشال تايمز» يجيب بوضوح «كلاّ، إنها لا يمكن أن تبقى نفسها». وهذا ما يشرحه في كتاب يحمل عنوان: «تأملات حول الثورة في أوروبا» وعنوان فرعي يقول: «الهجرة والإسلام والغرب».
العنصر الأول والرئيسي في الإجابة التي يقدمها المؤلف يتمثل في القول ان القارة الأوروبية «القديمة» قد عرفت في الآونة الأخيرة تبدلا ديموغرافيا هائلا، وذلك أساسا بسبب موجات الهجرة الكبيرة التي عرفتها العقود الخمسة الأخيرة، هذا مع فارق كبير بالقياس إلى الولايات المتحدة وهو أن أوروبا لم تنجح في التوصل إلى عملية «مزج» و«دمج» كاملة للمهاجرين إليها، بينما أظهرت أميركا أنها بلاد الهجرة بامتياز.
وتتم إعادة الوضع المأزوم القائم في أوروبا اليوم إلى كون أنها كانت قد بالغت في تقديراتها لما تحتاجه من اليد العاملة المطلوبة فكان ذلك التضخم الكبير بعد المهاجرين. ويضاف إلى مسألة العدد ؟ الكم- مسألة أخرى تتعلق ب«النوع» وتحديدا بتأثير العامل العقائدي في الواقع الثقافي. وبهذا المعنى يرى المؤلف أن القارة الأوروبية قد «نصبت لنفسها فخّا» لا تمتلك أي سبيل واضح للفكاك منه.
ويشير الواقع الأوروبي اليوم، كما تدلّ الإحصائيات والأرقام التي يقدمها المؤلف، إلى أن العديد من المدن الأوروبية الكبرى، أصبحت تضم نسبة كبيرة و«غالبية» أحيانا من المهاجرين ذوي الأصول الإسلامية. وفي رأس هذه المدن المعنية امستردام وروتردام ومرسيليا وستراسبورغ. ويضاف إليها التواجد الكبير لهؤلاء المهاجرين ولجيل أبنائهم في الضواحي الشمالية والشرقية من العاصمة الفرنسية باريس وشرق العاصمة البريطانية لندن. الصفة الغالبة في مناطق تواجد هؤلاء المهاجرين يحددها المؤلف بوجود نوع من «رفضهم» لنمط الحياة الأوروبية. وهذا ما يعلنونه بأشكال ومناسبات عديدة، الأمر الذي يخلق في واقع الأمر «ثقافة ذات طابع متناقض».
النتيجة التي يصل إليها كريستوفر كالدويل من هذا الواقع تتمثل في تأكيده بوجود حالة من «الغضب» لدى الأوروبيين «الأصليين » وأيضا لدى «الأوروبيين الجدد». هذا إلى جانب تأكيده أيضا أن بقاء أعداد كبيرة من المهاجرين يتجاوز كثيرا «البرامج المؤقتة» التي كان قد جرى استقدامهم في إطارها، هذا دون أن يكون هناك أي «مبرر اقتصادي» لإطالة تواجدهم. كما يشرح في نفس السياق أن سياسات اللجوء التي اتبعتها البلدان الأوروبية عامة تصبّ بالأحرى في فائدة «المهاجرين غير الشرعيين» بدلا من أن تخدم «اللاجئين » الحقيقيين.
ومن مظاهر «التناقض» التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب بأشكال مختلفة قوله ان هناك نوعا من «نزعة العداء لأميركا» توحّد ما بين الأوروبيين والمهاجرين ذوي الأصول المسلمة. لكن في الوقت نفسه يباعد بينهم كثيرا الخلاف في النظرة حول مسائل تتعلق بالسلوك الاجتماعي حيال المرأة والممارسات الفردية.
يتم التأكيد في هذا السياق أن التمسّك بالقيم الأصلية للمهاجرين هو أقوى لدى الأجيال الشابة، «أبناء الجيل الثاني» كما تُطلق التسمية عليهم، الذين يعانون «من درجة اغتراب أكبر في أوروبا»، مما هو لدى الأجيال الأولى من المهاجرين. ويرى المؤلف أيضا أن زيادة «ضعف» الأوروبيين «الأصليين » أمام الوافدين الجدد تعود إلى «أزمة الإيمان» لديهم.
ويقوم المؤلف بنوع من المقارنة و«الموازاة» بين تطور المواقف والأدوار. ويرى أن المهاجرين يتعاظم دورهم في القارة الأوروبية إلى درجة أنهم يساهمون بفعالية في «صياغة» توجهاتها، كما يكتب. بل ويذهب إلى حد القول ان أسس الثقافة والحضارة الأوروبيتين هما الآن موضع تساؤل، بل وهناك «خطر أن تحل محلهما» أخرى.
ويحاول المؤلف دعم تحليلاته بمجموعة من الأرقام والمعطيات الديموغرافية التي يصل من خلالها إلى القول ان ما بين 20 و32 بالمائة من السكان في أغلبية البلدان الأجنبية سوف يكونون من مواليد الخارج في أفق عام 2050. ويؤكد أن غالبية هؤلاء ستكون من أصول مسلمة، كما تدل مؤشرات الهجرة لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ويعتبر أن النتائج الاجتماعية والسياسية والثقافية لمثل هذا التغيّر ظهرت عبر الاضطرابات التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس في خريف عام 2005 وفي منع الحجاب في المدارس الفرنسية العامة. كما يرى أن مسائل الهجرة هذه تجد صداها أيضا في مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. المحصلة العامة لهذا كله يجدها المؤلف في اعتقاده أن المهاجرين، «المسلمين » تحديدا، يطرحون مشكلة خاصة بالنسبة لأوروبا بسبب حرصهم على الاحتفاظ ب«ثقافتهم الأصلية» وب«هويتهم الإسلامية» بدلا من بذل جهود حقيقية للاندماج في «وطنهم الجديد».
ويجد المؤلف العديد من مرجعياته في التحليل لدى بعض الساسة الأوروبيين السابقين مثل البريطاني «اينوك بويل» الذي وصف سياسة الهجرة في بلاده عام 1968 أنها «مجنونة تماما». ثم حذر من اليوم الذي سيولد فيه البريطانيون «غرباء في بلادهم وحيث سيغدو من الصعب التعرّف على بيوتهم وأحيائهم». وجرى اعتبار موقف «بويل» عنصريا عامة وكلّفه خطابه تدمير مساره المهني.
لكن هذا لا يمنع كون أن «كل نقاش بريطاني حول الهجرة كان في جوهره حجة لمعرفة إذا كان بويل على صواب» المؤلف يؤكد على أن خطاب المعني كان تحريضيا، لكن تبقى حقائق الديموغرافيا.
وزن التاريخ
يكرّس الكاتب قسما هاما من هذا الكتاب للحديث عن تواجد الإسلام في القارة الأوروبية بفعل العدد المتنامي «للمهاجرين القادمين من بلدان إسلامية». وهو يركز في شرحه إلى وجود «مفارقة» تشهدها أوروبا اليوم، إذ جرى بعد الحرب العالمية الثانية استقدام المهاجرين بأعداد كبيرة إلى العديد من البلدان الأوروبية.
وقد سهّل ذلك الواقع تبنّي البلدان المعنية مبادئ تقوم على التسامح والمساواة والعلمانية. ولكن لم يتم العمل الجدّي لدفع هؤلاء المهاجرين، ذوي الأغلبية المسلمة بحكم الواقع الاستعماري السابق عامة، نحو تبنّي القيم الغربية «الأوروبية». وكان المهاجرون، من جهتهم، ليسوا متحمسين لتبني هذه القيم إذ لديهم أصلا قيمهم الخاصة التي جلبوها معهم.
المؤلف في سطور
كريستوفر كالدويل، مؤلف هذا الكتاب، هو أحد كتّاب «الفيننشال تايمز». ويساهم بانتظام في مجلة «نيويورك تايمز» وفي «ويكلي ستاندارد». وقد كرّس العديد من كتاباته للعالم الإسلامي ولعلاقة الإسلام مع الغرب.
الكتاب: تأملات حول الثورة في أوروبا
تأليف: كريستوفر كالدويل
الناشر: دوبلداي ـ نيويورك 2009
الصفحات: 432 صفحة
القطع: المتوسط
Reflections on the revolution in Europe
Christopher Caldwell
Doubleday New York 2009
P.432
