«المنعطف الكبير» هو عنوان كتاب جماعي يساهم فيه 52 باحثا ويشرف عليه الأستاذ الجامعي برتران بادي والصحافي-المؤرخ الأخصائي بالمسائل الدولية، دومينيك فيدال. وتتوزع مساهمات هذا العمل بين خمسة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: العلاقات الدولية الجديدة، المسائل الاقتصادية والاجتماعية، المجتمعات والتنمية الإنسانية، الوسط المحيط والتكنولوجيات الجديدة وأخيرا الرهانات الإقليمية.

وبالإضافة إلى المقدّمة التي يقدمها برتران بادي تحت عنوان: «أزمة في العولمة»، يضم الكتاب 50 تحليلا لخمسين باحثا، من الأخصائيين كل في ميدانه. وقد أراد واضعو هذا الكتاب أن يجعلوا منه دليلا لفهم العلاقات الدولية. ومنذ 25 سنة من صدوره كل سنة يقدّم المساهمون رؤيتهم للعالم مدعومة بالجداول الإحصائية وإبراز التبدلات الدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية المستجدة. ومن الواضح أن كتاب «المنعطف الكبير»؟ الذي اختار واضعوه أن يتحدثوا عن المنعطف بصيغة الاستفهام، يولي أهمية خاصة لأزمة النظام الاقتصادي والمالي العالمي، مع إعطاء الأولوية لإلقاء الضوء على النهج الذي اختارته القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، في ميادين الاقتصاد، ولكن أيضا في ميادين السياسة والدبلوماسية. وهناك محور آخر يحظى بالاهتمام الخاص في هذا الكتاب ويعني بمسائل تعاظم ظاهرة غياب المساواة وتزايد الفقر والتهديد بالمجاعات رغم البرنامج الذي أعدّته الأمم المتحدة للألفية الجديدة تحت عنوان «محاربة الفقر». أما الرهانات الإقليمية فهي تتركز بمساهمات الكتاب على الشرق الأوسط وما عرفته المنطقة من تطورات وعلى بؤر التوتر في آسيا وخاصة في أفغانستان وباكستان.

الميزات الأساسية لـ «العلاقات الدولية الجديدة» في مطلع هذا العالم يبحثها المساهمون بالكتاب من زاوية «اوباما» والتحول من القوة الصارخة إلى القوة الهادئة» و«زيادة قوة الصين مع اندماجها بشكل أفضل في المجموعة الدولية» و«عودة روسيا إلى المسرح الدولي» و«الحروب في مطلع هذا القرن الجديد». والتساؤل عما إذا كانت مراكز البحث الأميركية علب الأفكار ـ هي في طريقها نحو الإفلاس.

ومن الأفكار الرئيسية التي تتردد في مساهمات هذا الكتاب القول ان العالم نادرا ما عرف مثل التبدّل السريع الذي يشهده في السياق الحالي. فخلال عدة أشهر فقط أظهر الرئيس الأميركي باراك اوباما تمايزه عن سابقه جورج دبليو بوش. وبسرعة فائقة أيضا تحوّل الانحسار الاقتصادي إلى أزمة مالية واقتصادية واجتماعية عالمية.

إن المؤشر الكبير الذي يتم التأكيد عليه في مثل هذا التحول هو أن الزمن الذي كان يتم فيه التأكيد على السيادات الوطنية قد أخلى المكان لزمن آخر تتمثل ميزته الأساسية في التداخل.

هذا رغم أن واقع التجزئة في ظل العولمة و«نزاعات التمحور حول الذات» و«الاهتمام برعاية المصالح الخاصة» قبل كل شيء بقيت، إن النزاعات، هي «الأكثر إغراء» بالنسبة لمختلف الأمم والشعوب والدول.

وفكرة أخرى يتم التأكيد عليها وهي أن الغرب يسعى بكل السبل والوسائل إلى تعزيز موقعه في العالم، بل وهيمنته على هذا العالم. لكن مثل هذه الإرادة تواجه صعودا كبيرا هو الآخر لقوى جديدة ليس أقلّها الصين والهند، وعودة قوية لروسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي القوة العظمى السابقة، وبروز طموحات بلدان أخرى مثل البرازيل وجنوب إفريقيا. مثل هذا الواقع هو الذي دعا إلى طرح السؤال: هل نحن حقيقة أمام منعطف كبير؟ مساهمات هذا هي الواقع محاولة لتقديم إجابة على مثل هذا السؤال.

ويشرح برتران بادي كيف أن الأزمة الاقتصادية التي تفرض نفسها اليوم على الجميع هي الأولى التي تشهدها العولمة في الواقع. فالأزمة السابقة التي عرفتها سنوات السبعينات المنصرمة كانت محكومة بواقع الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين وكانت قواعد «الضبط» المالي العالمي لا تزال فاعلة. اليوم مختلف إذ لا أحد بمنجاة عن آثار الأزمة في العالم «المعولم».

لكن المعضلة هي في كون أن العولمة «المكتملة اقتصاديا» لم تستطع أن تنتج أدوات «ضبط» فعالة. وبدا بوضوح أن «التداخل» لا يعني أبدا «التشابه» ولا «الانسجام».

بل ولم يتم الوصول إلى التجانس على المستويات الإقليمية نفسها. فألمانيا مثلا داخل الإطار الإقليمي الأوروبي، تولي اهتمامها لحماية قدرتها على «المنافسة الصناعية» بينما تراهن بريطانيا على «تنشيط الاستهلاك» وتستفيد اسبانيا من فوائض الميزانية لديها.

وفي المحصلة تبدو الخيارات ذات الطابع الجماعي مشوشة وأن هناك عملية «هروب إلى الأمام» بدلا من التفكير بـ «نهوض دولي جديد» يصب في فائدة جميع الأمم والشعوب.

انحسار أم كساد؟

على صعيد المسائل الاقتصادية والاجتماعية يبرز أولا التساؤل عما إذا كان الاقتصاد العالمي يعاني من الانحسار أو الكساد؟ ذلك على ضوء بحث «طبيعة الأزمة المالية العالمية» في ظل «غياب آليات الضبط المطلوبة» لتسيير الاقتصاد العالمي. كذلك التساؤل عمّا إذا كان من المطلوب البحث عن مؤسسات عالمية جديدة «بروتن وود جديد»؟

المشرفان في سطور

برتران بادي، أستاذ للعلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية بباريس، وهو مؤلف سلسلة من الكتب حول العلاقات الدولية، كما أنه يشغل منصب المستشار لهيئة تحرير كتاب «حالة العالم» السنوي منذ 15 سنة.له عشرات الكتب.

ودومينيك فيدال، صحافي ومؤرخ، سبق له وقدّم عدة كتب حول الشرق الأوسط، وهو أخصائي بالمسائل الدولية.

الكتاب: المنعطف الكبير؟ حالة العالم 2010

تأليف: برتران بادي دومينيك فيدال وآخرون

الناشر: لاديكوفيرت باريس 2009

الصفحات: 334 صفحة

القطع : الكبير

Le grand tournant ? l'état du monde 2010

Bertrand Badie, Dominique Vida

La Découverte - Paris2009

P.334