«تقرير الشرطة، اتهامات بالانتحال»، كتاب له قصة. في عام 1998 صدر للروائية الفرنسية ماري داريوسيك عمل تحت عنوان: «ولادة الأشباح». ولم تتردد روائية فرنسية أخرى هي «ماري ندياي» من توجيه الاتهام لها أنها قد استلهمت من عملين لها هما «على مدى فصل»، الصادر عام 1994، و«الساحرة» عام 1996.
وفي عام 2007 صدر للروائية ماري داريوسيك عمل جديد تحت عنوان: «موت توم». هذه المرة أيضا لم يتأخر توجيه الاتهام لها من قبل روائية أخرى هي «كاميليا لورنس» بأنها قامت بعملية «قرصنة» إذا انتحلت مادة روايتها «فيليب» الصادرة عام 1995 واتهمتها أيضا ب«الانتحال النفسي» وب«الهستيريا». «تقرير الشرطة، اتهامات بالانتحال» الصادر مؤخرا هو إذن ردّ على الاتهامات بالانتحال الموجهة لصاحبته. وتبرر المؤلفة كتابة هذا العمل في ضرورة الدفاع عن «شرفها ككاتبة». إنها لا تكتب هنا رواية، بل دراسة «ذات طابع أكاديمي» تؤكد فيها «معارفها في حقل البسيكولوجيا»، كجواب على اتهامها ب«الهستيريا» و«الهذيان النفسي». وتقدم المؤلفة ـ الروائية دفاعها عن أعمالها بصيغة «المتكلّم»، «الأنا»، مما يعطي الكتاب طابعا شخصيا واضحا تحت عنوان: «التفكير بهدوء والاحتفاظ بما هو انفعالي وخيالي لرواياتي»، كما تقول. ثم تضيف أن هدفها الحقيقي هو محاولة «فهم مقدار الأذى الذي تسببه مثل تلك الاتهامات والتساؤل حول فائدتها في المجال الأدبي». ولا تتردد في الاعتراف: «لقد أمضت عامين كاملين في تحرير هذا الكتاب بدلا من التفرّغ للرواية التي كانت تجول في رأسي. إن الانتحال بحد ذاته لا يهمّني، لكن الأمر يتعلق بشرفي ككاتبة».
موضوع هذا الكتاب هو إذن «الانتحال الأدبي» وترى المؤلفة أنه وراء كل اتهام بالانتحال تكمن «رغبة في انتحال الآخرين لما نكتب». ولكن ليس هذا فقط، ولكن أيضا رغبة إنهاء «الآخر»، المنافس. وتشير المؤلفة انطلاقا من تجربتها الخاصة وما تعرّضت له من اتهامات الانتحال، أن قائمة «المنتحلين» طويلة وتضم أسماءً كبيرة ليس أقلها شأنا اميل زولا وسيغمون فرويد وغيرهما.
ويتمثل أحد الوجوه الأساسية في هذا الكتاب بالتعرض لمسألة أخرى غير مسألة «الانتحال» بالمعنى الدقيق للكلمة. إن المؤلفة تولي اهتماما خاصا لدراسة علاقة الكتّاب المبدعين بزملائهم ونظرائهم وفي نفس الإطار لعلاقتهم مع «عوالم إبداعهم». وترى أن «الانتحال يتقاطع مع جميع خبايا النفس المقلقة وتوارد الخواطر والعلاقة مع ما هو مكتوب وبالإحساس بالذنب والمنع والاعتراف والذاكرة واللغة».
وبالاعتماد على مثل هذا «التداخل» و«التشابك» ترى مؤلفة هذا الكتاب «مدى تعقيد الفعل الإبداعي نفسه». يبقى التفرّد الحقيقي في الأسلوب الذي يمثل برأيها نوعا من «التفرّد ذي الطبيعة البيولوجية تقريبا»، كما يقول عالم اللسانيات والناقد رولان بارت. تكتب المؤلفة: «إن جميع كتب بارت وجينيت ـ عالمان في مجال اللسانيات وناقدان أدبيان- لن تستطيع شرح سبب الكتابة بهذه الصيغة وليس بغيرها ولماذا كتبت هذه اليد بهذا الشكل. هذه اليد في هذا اليوم وبهذا العالم وبهذه القصة وتحت هذه السماء».
لكن لماذا مثل هذا الاهتمام باتهامات بالانتحال، إذا كانت المؤلفة ترى أن المهم هو أسلوبها و«تفرّدها» فيما يتجاوز الموضوع الذي تكتب فيه وتواجه الاتهام بانتحاله، جزئيا على الأقل؟. ما تقوله هو أنه ينبغي على الإنسان أن يعلن «غضبه» في لحظة ما. ذلك أن مثل هذا «الغضب» يمكن أن يكون ذا قيمة «علاجية» وقد يكون مفيدا للآخرين ممن قد يتعرّضون لأوضاع شبيهة.
ثم إن الاتهام بالانتحال يخبئ بالكاد إرادة «الاغتيال الرمزي». ولا تنسى أن تؤكد أن ماري ندياي، كانت قد اتهمتها بانتحال جملة محددة هي: «لا أريد غيره، أريده هو نفسه». هذه الجملة تلفّظت فيها أمّها كما تؤكد، ثم «إن جميع الأمهات اللواتي يفقدن طفلهن يُفترض أن يرددن الشيء نفسه. هكذا تفعل النميمة».
أما أصل المشكلة فتجده في «الآخر». ومثل هذه المشكلة تتعاظم في المجال الأدبي بسبب ظروف العزلة والوحدة في العمل للكاتب ولكن أيضا بسبب «نرجسية الكتابة» نفسها. الكاتب يريد أن يكون «الكاتب الوحيد»، وبالتالي يرغب في «التخلّص» من الآخرين والاتهام «المزيّف» بالانتحال أحد الوسائل. ثم إن الكاتب الذي يتهم زملاءه بالانتحال يشير بنفس الوقت إل أهمية إلى درجة أن الآخرين «ينتحلون أعماله». ولا تتردد المؤلفة في القول أن هذه «وسيلة طفولية» في المنافسة الأدبية.
لكن المؤلفة لا تنفي بالمقابل واقع أن «الانتحال موجود». لكنها تضيف اعتقادها أن الأمر لا يتعلق هنا بكتّاب مبدعين، وإنما ب«كتبة» حسب تعبير رولان بارت، يقومون بعملية «قصّ وتلصيق» ويولّفون لكنهم لا يقدمون «كتبهم». وترى المؤلفة أن وضع الكتّاب الحقيقيين في «نفس السلة» مع هذه الحالات «المرضية» هو نوع من الشتيمة التي تثير «الغضب».
وفي الخاتمة تشير المؤلفة أنه عندما يتعرّض المبدعون لنفس الموضوع، يغدو من الطبيعي أن يستخدموا غالبا كلمات متشابهة، وربما الكلمات نفسها. وتكفي مثلا المقارنة بين «عناقيد الغضب» لشتاينبيك مع «جزء من الريف» لموباسان للتأكّد من ذلك. وتشير هنا إلى وجود تشابه كبير بين رواية «هيلدا» لماري ندياي ورواية «ايلدا» لهيلين بيسيت الصادرة عام 1973، رغم أنه من الممكن أنها لم تسمع أبدا بها.
سلاح فتّاك
بعد تحليل العديد من الحالات تقول المؤلفة أنه يمكن استخدام الانتحال كسلاح بيد أولئك الذين يريدون تحطيم المبدعين. ثم يمكن لتوجيه الاتهام بالانتحال أن يؤدي في «سياقات أخرى» إلى نتائج مأساوية قد تصل إلى السجن، بل وحتى إلى الموت.
المؤلفة في سطور
ماري داريوسيك، كاتبة فرنسية، من مواليد عام 1969، قدّمت العديد من الأعمال من بينها: «ولادة الأشباح» و«غثيان البحر»،. كتبت كذلك في المسرح، وكانت قد وصلت إلى «الدور النهائي» للحصول على جائزة الغونكور عام 1996.
الكتاب: تقرير الشرطة، اتهامات بالانتحال
تأليف: ماري داريوسيك
الناشر: ب. و.ل ـ باريس 2009
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
Rapport de police
Marie Darrieussecq
P.O.L - Paris- 2009
P.384

