إن المؤلف، صاحب هذه السيرة الذاتية، ادوار كندي قد أمضى مدة خمس سنوات كاملة وهو يعمل على كتابة مذكراته. وكان السناتور الأميركي السابق قد حلّ في عام 1962 في مقعد أخيه جون الذي انتخبه الأميركيون رئيسا لهم عام 1960 وأعيد انتخابه دون انقطاع منذ عام 1964 وحتى عام 2006 سناتورا عن ولاية ماساشوستا في الكونغرس الأميركي، وغدا في عام 2005 أقدم سناتور في الولايات المتحدة عن الحزب الديمقراطي. وهو الذي أسس في الكونغرس جمعية الصداقة الأميركية-الايرلندية، ذلك أن أصول أسرته تعود إلى ايرلندا.
في هذه السيرة الذاتية التي يزيد عدد صفحاته عن الـ 500 صفحة، يروي ادوار كندي بكثير من الوضوح والصراحة والصدق مسار حياته «الاستثنائي». وذلك منذ سنوات شبابه الأولى وحتى المعارك السياسية «الضارية» الكبرى التي خاضها «ضد التمييز العنصري» و«الحرب الفيتنامية» و«النزاع في ايرلندة الشمالية» وحتى آخر معاركه الكبرى التي تمثّلت في «إصلاح النظام الصحي» المطبّق في الولايات المتحدة. كان إدوار كندي يعود إلى الحديث مطولا و«بحماس» للحديث عن المحطات الكبرى في حياته العامة، كرجل سياسة ينتمي إلى أسرة خاضت معترك السياسة كلها وكان والده جوزيف باتريك كندي يرى في أبنائه أكثر من رئيس لأميركا. لكن المؤلف-السناتور يعود أيضا إلى الحديث عن مساره الشخصي الزاخر بالمآسي، وفي مقدمتها مآسي أسرة كندي وموت ثلاثة من إخوته بينهما اثنان قُتلا غيلة، ويتوقف طويلا أيضا عند الفضيحة التي حالت في عام 1969 دون انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، ومن المآسي الكبرى في حياة ادوارد كندي أصابته بسرطان في الدماغ قضى عليه وهو في السابعة والسبعين من عمره.
ادوارد كندي من مواليد عام 1932 في بوسطن وهو يشير إلى أن ذكرياته الأولى تتركز حول والده «جوزيف» أكثر مما هي على أمه «روز» التي يؤكد حبه الكبير لها. كان الأب جوزيف، رجل الأعمال الكبير، يريد أن ينجح أطفاله وأن يكونوا على مستوى فكري عال. ذلك حتى بالنسبة لادوارد «تيد» الذي كان مأخوذا أكثر بالرياضة أكثر مما هو بالفكر، كما يشير.
نقرأ عن والده: «إنه لم يكن عدوانيا أبدا، ولم يشأ أن يجرحنا على الإطلاق. لكنه وجد السبيل إلى إفهامنا ماذا ينتظر منّا بالضبط. ذات مرة، عندما كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة استقدمني أبي إلى غرفته للحديث معي. كان يفترض أنني قمت بشيء ما يستدعي التبرير، لكنني لم أعد أتذكّر السبب.
لكنه وجّه لي جملا قصيرة وجازمة إلى درجة أنني أتذكرها كلمة كلمة تقريبا بعد 65 سنة».
وكانت تلك الجمل: «يمكنك أن تختار حياة جدية، تيدي، أو حياة عابثة. سوف أحبك دائما مهما كان خيارك. لكن إذا اخترت حياة عابثة فسوف لن يكون لدى الكثير من الوقت كي أكرّسه لك. ما عليك سوى أن تقرر. هناك أطفال كُثر هنا يفعلون أشياء هامة مما يمنعني من إضاعة الوقت معك». ويضيف: «عدت بعدها إلى غرفتي وأنا أكرر برأسي تلك الكلمات. ولم أن بحاجة إلى وقت طويل كي أقرر ماذا ستكون عليه حياتي».
وفي عام 1963 كان قد جرى انتخاب ادوار ـ تيد ـ كندي كعضو في مجلس الشيوخ حيث شغل المقعد الذي كان يشغله أخوه جون الذي كان قد أصبح رئيسا لأميركا. ويقول المؤلف: «يوم الجمعة 22 نوفمبر ، كان يوما عبوسا في مجلس الشيوخ.
كنت أترأس الجلسة مما كان يعني تشريفا لسناتور جرى انتخابه حديثا. وكان النقاش عاديا حول المساعدات الفدرالية للمكتبات العامة».
ويضيف: «حوالي الساعة الثانية سمعت صراخا في البهو فنظرت نحو ريشارد ريدل، مسؤول العلاقات مع الصحافة في الكونغرس»، وهو بطريقه لاستطلاع الأمر.
ثم عاد وعلى وجهه سحنة غريبة وطلب مني اللحاق به. عرفت أن أمرا خطيرا ما قد حصل، لكنني كنت أجهل لماذا. لقد أطلقوا النار على الرئيس وجروحه خطيرة. لم أصدّق عيناي أولا. كيف يمكن تصديق ذلك؟ وأصبحت لا أسمع شيئا قبل أن يعلن موت الرئيس». وعندما اتصل بأخيه «بوب» أكّد له خبر موت أخيهم «جون»، رئيس الولايات المتحدة الأميركية. كان ذلك يوم 26 نوفمبر 1963. وبعد خمس سنوات اغتيل الأخ الآخر «بوب» أثناء «الحملة الانتخابية الرئاسية».
وبعد أن يتحدث ادوار كندي طويل عن «سنوات ريغان» في عقد الثمانينات، ويروي المؤلف أنه التقى به ذات مرة للمطالبة بالحد من استيراد بعض السلع من الخارج خاصة الألبسة.
مع بداية اللقاء فاجأه ريغان بالقول: «تيد، أليس ما تلبسه حذاءً»؟ وأضاف: يبدو أنه مصنوع في بوسطن. من بوسطن؟ لم أكن أعرف شيئا عن ذلك. وأضاف ريغان: «لقد كان أبي يمتلك متجرا لبيع الأحذية وقد بعت أنا شخصيا الأحذية. وبالتالي أعرف الموضوع جيدا. ومن أجل معرفة قياس القدم هكذا فعل. ثم بدأ يشرح لنا كيفية قياس قد أحدهم».
ويتابع المؤلف: «لقد استمر في الحديث عن ذلك 20 دقيقة، وبدأنا ننظر ـ هو ومرافقوه ـ إلى الساعة». وعند محاولة مقاطعة الرئيس ريغان بلطف، قال لهم: «العزيز تيد، كان لقاء صغيرا أليفا أليس كذلك؟ وأتمنى أن أستطيع متابعة الحديث في لقاء قادم».
مذكرات ادوارد كندي، وصفحات من التاريخ الأميركي الحديث.
أسد الكونغرس
كان ادوارد كندي هو الابن الأصغر لأسرة كندي. وكانت الصورة الأولى التي شاعت عنه، كما يقول هو نفسه، هو أنه «شاب لطيف» ولكن «سطحي». التجربة التالية له كسناتور قلبت تلك الفكرة إذ غدا أحد وجوه الحزب الديمقراطي الأميركي التي تحظى بشعبية كبيرة. ويشير إلى أن أحد أكبر معارك حياته، وهو الذي أطلقوا عليه لقب «أسد الكونغرس»، هي إصلاح النظام الصحي الأميركي.
المؤلف في سطور
ادوارد م. كندي أحد رجال السياسة الأميركيين الأكثر شهرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وهو الابن الأخير من سلالة أسرة كندي. توفي بتاريخ 25 أغسطس الماضي وعمره 77 سنة بعد أن كان قد دعم بفعالية الرئيس الحالي باراك أوباما أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في خريف عام 2008.ادوارد م. كندي هو آخر «الكبار» من أسرة كندي التي أعطت للولايات المتحدة أحد رؤسائها «جون كندي» الذي اغتيل في تكساس عام 1963.
الكتاب: بوصلة حقيقية: مذكرات
تأليف: ادوارد م. كندي
الناشر: تويلف ـ نيويورك 2009
الصفحات: 532 صفحة
القطع: المتوسط
True compass : a memoir
Edward M. Kennedy
Twelve2009 ـ New York
P.532

