النجاح هو هدف، بل هو الهدف الأساسي، في حياة جميع البشر. هذا أمر لا يختلف حوله اثنان. والنجاح مصدر السعادة عامة. لكن هذا لم يمنع الصحافي الفرنسي المعروف «كريستوف دولوار» من أن يؤكد أن للميدالية وجهها الآخر، بل أصدر كتابا لاقى النجاح مباشرة بعد صدوره منذ أسابيع تحت عنوان «مأساة النجاح».
ما تتم الإشارة إليه أولا هو أن الكثير من الفرنسيين ذوي الأسماء المعروفة في مختلف الميادين والنشاطات، قد حققوا نجاحات مرموقة بحيث أصبح يشار إليهم بالبنان. لقد حصلوا مقابل ما بذلوه غالبا من جهد وعمل، على ما يحلم به الكثيرون من سلطة ومال ومجد. وشغلوا مناصب عليا في أجهزة الدولة ووصل بعضهم إلى مناصب وزارية وسيطر بعضهم على «إمبراطوريات» إعلامية بينما جمع آخرون ثروات مالية طائلة. وهنا يسأل المؤلف: لكن هل هم مع ذلك كله سعداء في حياتهم؟ وفي سبيل البحث عن إجابة على هذا السؤال لم يتردد في القيام بعملية استقصاء معمّقة في مسارات حياة العديد من ذوي الجاه والشهرة وإجراء سلسلة من المقابلات معهم، وهم الذين كانوا قد نجحوا في تخطّي جميع العقبات التي اعترضتهم للنجاح. ومن خلال هذا كله يكشف عما يبحث هؤلاء «الناجحون» الذين تزخر أخبارهم مختلف وسائل الإعلام.
ويوزّع كريستوف دولوار بحثه عن «مأساة النجاح» على مدى ستة فصول تبدأ بفصل يحاول فيه الإجابة على سؤال: ما هي فائدة النجاح؟ وتنتهي بسؤال آخر هو: كيف يمكن للمرء أن ينجح في حياته، ومرورا بالعناوين التالية: بحثا عن السعادة وقطعة صغيرة من الخلود ولا يمكن شراء الحياة ثم مثل فئران في عجلتها التي تدور.
الأسماء التي تتردد في هذا الكتاب عديدة. وقد تعددت أيضا إجاباتها على سؤال: ما فائدة النجاح؟ وقد أتت هذه الإجابات مفاجئة أحيانا مثل تلك التي قال فيها الملياردير فرانسوا بينو، صاحب مملكة مخازن برانتان ورودوت وغوكسي وغيرها، عندما قال بنوع من الازدراء: «إن هذا ؟ النجاح- كله لا يغيّر شيئا. ويعلق المؤلف أنه يمكن للمرء أن يقول بينه وبين نفسه أن هذا التصريح مضلل، ثم يضيف «لكن ربما أنه صحيح».
ويعود المؤلف للحديث عن بعض محطات حياة فرانسوا بينو الذي عاش طفولته الأولى في الريف قبل أن يلتحق بالمدرسة الإعدادية في مدينة رين. وينقل عنه قوله: «لقد قدمت من الريف، وكنت أتحدث اللغة الفرنسية بشكل سيئ وارتدي ثيابا رثّة (...). وكان أبناء التجار يسخرون مني». وهنا يشير إلى أن حافزه الأساسي كان: «الخروج من ذلك الوضع كمنطلق. لم أكن أتحمّل أن يسخر مني الآخرون لأنني لم أكن أمتلك ما يُذكر».
لقد «ثأر» من اولئك الآخرين وتجاوزهم جميعا. لكن الآثار بقيت بهو يؤكد أنه تجنّب دائما المرور في بعض شوارع «رين» التي رأت إذلاله. يقول: «ما جرى قد مضى. لكن هناك آثارا لأماكن لا أضع قدمي فيها». وأضاف: «لكن من يستطيع أن يقول قبل الموت أنه قد نجح» . عندما ذكر بينو كلمة «الموت» اقتنص المؤلف الفرصة ليسأله عن سبب وجود لوحة باسمه في مقبرة قرب قريته مكتوب عليها تعبيرا «لماذا أنا»، وهي من تصميم الفنان الإيطالي المعاصر «موريزيو كاتيللان».
وسأله: ما هي دلالة «لماذا أنا»؟ هل «لماذا أنا نجحت إلى هذا القدر»؟ أو لماذا أنا أكثر ثراء من جيراني»؟ أو لماذا أنا بنيت إمبراطورية»؟ فأجاب بينو: «كلا، ليس هذا كله أبدا. ولكن لماذا أنا أموت أيضا»؟ ويشير خاتما الحديث ما مفاده أن ما يؤرقه «ليس الزمن الذي مضى» ولكن «الزمن الذي بقي». وهذا يأتي في لحظة ما من عمر كل إنسان. وقد أكّد بالإجمال أن الثري «لا يهتم بالمال» وأضاف «سوف تقولون لي ان قول هذا سهل لمن يملك منه الكثير».
ويعلق المؤلف على نجاح فرانسوا بينو بالقول: «إن إرادة النجاح تولد من خلل ما يتعرّض له الفرد. ويتمثل هذا في المعاناة من المهانة أثناء الطفولة أو فقدان قريب، الخ. هذا الخلل يعمل كحافز ومحرّك للنجاح الذي لا يكون منه في الواقع سوى إدامة ذلك الخلل بدلا من إيجاد حلّ له». وبهذا المعنى يصبح النجاح لدى المعنيين «وسواسا» مستداما «لا يستطيعون التخلص منه»، ولو يلعبوا بملايين اليورو المكدّسة. وهذا ما يلخصه المؤلف بالقول: «إنهم دائما في حالة مقارنة في مجال الكم وليس في مجال الكينونة نفسها».
إن المؤلف يستعرض في هذا الكتاب مسارات نجاح رجال سياسة ورجال أعمال تمتد من جاك شيراك، رئيس الجمهورية الفرنسي، ووصولا إلى رجل الأعمال الشهير برنار تابي ومرورا بأسماء شهيرة وأخرى أقل شهرة من أمثال ليندسي اوين ؟ جونس، صاحبة مجموعة «لوريال» التي تقول: «إن النجاح في الحياة لا يعني النجاح المادي»، ولم يتردد برنار تابي في القول: «لدي أصدقاء في قمة الثراء، لكنهم يعيشون حياة زاخرة بالمرارة».
الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك اكتفى بالقول انه لم يطرح أبدا على نفسه سؤال ما هو النجاح. وكان فرانسوا بينو هو الأكثر «قساوة» في حديثه عن النجاح عندما قال: «النجاح، كم هي رهيبة هذه الكلمة». أما الإجابة الأكثر بلاغة، وجمالا، عن النجاح فقد صاغها الكاتب فرانسوا لابرو عندما قال: «النجاح الحقيقي الوحيد هو فهم أن النجاح غير موجود».
وكتاب يقترح فيه مؤلفه رؤية أخرى للنجاح، وفيها لا شك الكثير من الغرابة، ولكنها مفيدة لتكوين فكرة حول المقولة السائدة: إن المال لا يصنع السعادة، لكن هل يساهم فيها حقيقة؟!
أسئلة أبدية
إن الشهادات المقدمة في هذا الكتاب عديدة ويعقب كل منها تأمّل المؤلف حول الثمن الذي دفعه أصحابها من طاقاتهم وأحيانا كثيرة مما عاشوه من المآسي الشخصية، وذلك في منظور محاولة الإجابة على أسئلة أعم وأشمل يطرحها جميع البشر على أنفسهم وتتعلق بمعنى الحياة نفسها وبالهدف الحقيقي للجهود التي يبذلونها. وهكذا يتم الحديث عن الحب والسعادة والموت والأمل والمال والقيم الاجتماعية.
المؤلف في سطور
عمل كريستوف دولوار، مؤلف هذا الكتاب صحافيا في مجلة «لوبوان» الأسبوعية خلال سنوات 1998-2007، وهو مدير مركز تكوين الصحافيين بباريس. سبق وصدرت له عدة كتب أخذت مكانها في عداد قائمة الكتب الأكثر انتشارا في فرنسا، وكانت أغلبيتها بالاشتراك مع «كريستوف دوبوا». ومن أهمها «المتطرفون أصبحوا في عقر الدار».
الكتاب: مأساة النجاح
تأليف: كريستوف دولوار
الناشر: البان ميشيل ـ باريس 2009
الصفحات: 252 صفحة
القطع : المتوسط
La tragédie de la réussite
Christophe Deloire
Albin Michel - Paris- 2009
P.252

