في رواية لوري مور الرحبة والعميقة في آن «بوابة عند الدرج» الصادرة أخيراً تخلص الراوية إلى القول: «للتخفيف من معاناة المستمع يتعين أن تكون الأمور طريفة». وتبدو الأمور ـ في البداية ـ من منظور تاسي كيلتجين البريء والساخر مع ذلك شديدة الطرافة، فعائلتها التي تعمل بالزراعة وذاتها في إهاب طالبة جامعية جديدة والزوجان اللذان تعمل عندهما مربية للطفلة التي يسعيان إلى تبنيها، كل هؤلاء يجري استحضارهم على نحو مفعم بالحيوية في سردها الذي لا يقاوم للقصة التي تجمع بين المأساة الشخصية والحماقة الوطنية.

وتضم كتب مور السابقة المجموعة القصصية «طيور أميركا» والرواية «من الذي سيدير مستشفى الضفدع؟». وهي أستاذة للغة الإنجليزية بجامعة وسكونسن. وقد أجابت باقتضاب نسبي عن الأسئلة التي حرصنا على طرحها عليها.

هذه هي روايتك الأولى فيما يزيد على عقد من الزمان. هل أثقلت هذه الحقيقة على كاهلك؟

ربما قرابة النهاية، عندما اتخذت الفترة الزمنية بين صدور كتبي صيغة الرقمين، فعندها بدأت أدرك أن كثيراً من الوقت قد انقضى منذ قيامي بإصدار آخر كتاب لي. ولست أعتقد أن هذا كان له أي تأثير على عملية الكتابة الفعلية، وذلك على الرغم من أن القارئ ربما يلاحظ أن إيقاع الرواية يغدو أسرع قليلاً قرابة النهاية. ولكن تلك هي الطريقة التي اقترب بها عام الرواية من نهايته.

لماذا اخترت هذه المرة قالب الرواية وليس قالب القصة القصيرة؟

لقد اقتضت مجموعة الأحداث ومعالجة فترة العام قالباً سردياً أطول. كما أنني قمت أيضاً بتأليف أربع قصص قصيرة في غضون هذا الوقت، ولكنها لا علاقة لها بالرواية.

هل كان تأليف هذه القصص الأربع بمثابة استراحة من عناء كتابة الرواية؟

حسناً، لقد كتبت هذه القصص الأربع لأنني كانت لدي أفكار تصلح لقصص قصيرة. وقد حدث هذا مع روايتي السابقة أيضاً، فالمرء يعكف على تأليف رواية، ولكن عندئذ ترد على باله قصة غير مرتبطة بالرواية، وهكذا فإن المرء ينتهي به الأمر لفترات قصيرة من الوقت بوجود الأمرين معاً في وقت واحد على مكتبه.

في هذه الرواية الجديدة، وفي أعمالك السابقة أيضاً، غالباً ما تبدو شخصياتك وكأنها تشيح بأنظارها بعضها عن البعض الآخر، فلا تكاد تتواصل إلا في أضيق الحدود. هل توافقين على هذه الرؤية؟

أعتقد أن من يتواصلون على أفضل نحو، ولو لفترة قصيرة، في روايتي الجديدة ليسوا إلا تاسي وأخيها، تاسي وأبيها، وتاسي والطفلة التي تعنى بها، أي ماري ـ إما. ولكن كل هذه العلاقات لا تعدو أن تكون علاقات بسيطة للغاية، وهي تقوم على أساس نوع من الثقة التلقائية. أما عندما تغدو العلاقات أكثر تعقيداً فإن الشخصيات تتراجع قليلاً.

هل من شأن هذا أن يجعل تلك الشخصيات أكثر إثارة للاهتمام؟

باعتباري المؤلفة، فإنني لابد لي من أن أكون مهتمة بكل الشخصيات، وقد كنت مهتمة بها جميعها بالفعل، حتى عندما كانت شخصيات شريرة أو مثيرة للضجر من جانب الآخرين.

هل كانت شخصية تاسي هي جوهر الرواية منذ بدايتها؟

نعم، لقد كانت كذلك.

كيف تجلت هذه الشخصية في مراحلها الأولية؟

كانت صوتاً وإحساساً، أعتقد على الأقل أنها كانت نوعاً من التجسيد لكل امرأة شابة.

هل وجدت من الصعب الحفاظ على استمرارية صوتها؟

حسناً، الحفاظ على صوتها، بينما هي الراوية، يعني ببساطة تأليف الرواية. وبالطبع، وكما هي الحال بالنسبة لكل الروايات، فقد كانت هناك أيام جيدة وأخرى سيئة. ولكن في الغالب، ما إن كنت أنطلق قدماً حتى يساورني الشعور بأنني أحببتها أشد الحب واستمتعت بقضاء الوقت معها، وأحسست بالحزن لدى تركها في نهاية المطاف، بصراحة بالغة.

مربية الأطفال هي شخصية أدبية تقليدية. هل كنت على وعي بالفخاخ الكامنة في غمار عملية إبداع مثل هذه البطلة؟

أعتقد أن شخصية مربية الأطفال، مدبرة الدار هي بمثابة نوع من الحيل السردية المجربة والحقيقية. وبالطبع، فقد أردت الإيماء قليلاً إلى جين أير في غمار تأليف هذا. لذا فإنني أحسست بأنني أشتغل على نوع من العرف الأدبي بأكثر مما أقوم بتوظيف شخصية تقليدية تنتمي إلى المخزون الأدبي.

هل الإحساس بالمكان في روايتك الجديدة مهم بقدر إحساسنا بشخصية تاسي؟

علي وجه التقريب. إن الإحساس بالمكان مهم للغاية، ولكنه ليس أكثر أهمية من البطلة ذاتها.

ما الذي أردت نقله إلى القارئ عبر الرواية فيما يتعلق بهذا الركن من الغرب الأوسط الأميركي الذي تدور أحداثها فيه؟

لقد أردت أن أضع هناك التنوع الهائل للناس والأشياء الموجود في ذلك الجزء من أميركا، أن أوضح أنه ذلك الجزء الذي يزرع فيه الطعام ويتم تجنيد الرجال على أرضه، وأن هذا الجزء من أميركا يضم حشوداً هائلة من الزهور البرية والموسيقيين الهواة، وأن هناك تنوعاً يتحدى أي محاولة للحصر والإحاطة حقاً، وأنك عندما تمضي في الطريق هناك فإنك ستجد حتى الثوم في الهواء، وهو ما لم يكن موجوداً قبل 25 عاماً مضت.

هل قمت عن وعي بإضفاء طابع معتم على الرواية في غمار تأليفك لها؟

حسناً، كانت لديَّ أحداث مأساوية يتعين عليّ إدراجها في الرواية، وكنت أعرف أنها ستكون هناك، وأن الرواية ستضم أجزاء حزينة. وكنت أعرف ذلك منذ البداية. وما لم أعرفه أنها ستكون طريفة حتى ولو من بعيد، وهو ما أعتقد أنه سمة من سمات هذه الرواية إلى حد ما.

هل كنت ملتزمة للحذر حيال إدراج موضوعات في الرواية من قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحرب أفغانستان؟

أحداث الحادي عشر من سبتمبر يشار إليها في الرواية مرة واحدة فحسب، وبالتالي فإنها لا ترد في الكتاب بصورة حقيقية على الإطلاق، وما كنت أحاول إدراجه، بما أن أحداث الكتاب تقع في عام 2002، لم يكن الموقف في أفغانستان فقط وإنما الإعداد العام لغزو العراق، وهو الأمر الذي أثر على الغرب الأوسط وكذلك على الأجزاء الأخرى من أميركا، وهو يدور في خلفية الرواية بأسرها، فقد أردت أن أكون صادقة مع الزمان والمكان.

المؤلفة في سطور

ولدت الكاتبة الأميركية لوري مور في 13 يناير 1957 في جلينز فولز بنيويورك، وحصلت على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة كورنيل، وهي تعمل حالياً أستاذة للغة الإنجليزية في جامعة وسكونسن، ولها أربع مجموعات قصصية أشهرها «طيور أميركا» ولها ثلاث روايات أحدثها «بوابة عند الدرج» الصادرة حديثاً. وقد حصلت على جائزة أوهنري عام 1980 وجائزة ريا للقصة القصيرة عام 2004 واختيرت عضواً بالأكاديمية الأميركية للفنون والآداب عام 2006.

مع إطلالة الكاتبة الأميركية لوري مور على قرائها بروايتها «بوابة عند الدرج»، بعد صمت دام خمسة عشر عاماً، بادرت صحيفة «بوسطن جلوب» إلى إجراء هذا الحوار معها، حيث ألقت الضوء على السر في تفضيلها الإطلال هذه المرة برواية بدلاً من القصص القصيرة التي اعتادها القراء منها، وأشارت إلى حرصها على تقديم تصوير صادق لما يجري في الغرب الأوسط، مشددة في الوقت نفسه على أهمية الجمع بين الإحساس بالمكان والاهتمام بالشخصيات، وأعربت عن اعتقادها بأن المؤلف يتعين عليه أن يهتم بشخصياته حتى حين يضجر منها الآخرون.

منى مدكور