الذين أحبوا إبداع الكاتبة الأميركية لوري مور لابد أنهم يتذكرون بوضوح أنها في أشهر مجموعاتها القصصية، التي تحمل عنوان «طيور أميركا» قد كتبت عن الانقطاع بين الرجال والنساء، وعن الوضع المتقلقل للنساء عند الحافة وعن الوحدة والضياع.

الآن وبعد مرور 15 عاماً على صدور آخر كتاب لوري مور تعود إلينا في روايتها المتألقة «بوابة عند الدرج» لترصد مشاعر القلق والانقطاع في أميركا ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، النزعة العرقية الدفينة، الأحادية القريبة من العمى المرتبطة بالحرب، والانقضاض على الآخرين بلا هوادة باسم الحب. نتابع في الرواية بدء الولايات المتحدة الاستعداد لغزو العراق، ونرصد جوانب من هذا الاستعداد في الغرب الأوسط، ونلتقي تاسي كيلتجين، الفتاة ذات العشرين عاماً المنحدرة من عائلة تعمل بالزراعة في الغرب الأوسط، وهي تنطلق للدراسة في بلدة حافلة بمؤثرات الحياة الجامعية، وذهنها مشغول بتشوسر وسيلفيا بلات وسيمون دي بوفوار. وبين الفصول الدراسية تلتحق بوظيفة لبعض الوقت كمربية للأطفال. وتبدو لنا الأسرة التي تلتحق بالعمل لديها متألقة وغامضة في آن، وعلى الرغم من أن تاسي قد وجدت العناية بالصغار وظيفة مضجرة، إلا أنها ترعى وتحمي الطفلة الصغيرة التي تبنتها العائلة.

ومع إيغال العام الذي يشكل زمن الرواية في مسيرته، فإننا نجد أن تاسي تجتذب بصورة تزداد عمقاً إلى حياة الأشخاص الذين تقابلهم، وتصبح حياتها في الدار غريبة عنها، حيث يزداد أبواها ضعفاً، ويفكر أخوها روبرت في الالتحاق بالجيش بعد أن غدا ضائعاً وبلا هدف في غمار دراسته في المرحلة الثانوية.

وهكذا فإن تاسي تصبح بصورة متزايدة مغتربة، وتتغير إلى الأبد حيال صدمات الحياة وكشفها الدرامي عن أسرارها.

ويرتبط جانب من هذه الأسرار بالبوابة المشار إليها في عنوان الرواية، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل: ما هو المصدر استمد منه هذا العنوان وما مدى قوته وما هي أبعاد طابعه الرمزي؟

إن المؤلفة نفسها تشير إلى أن البوابة في أعلى أو أسفل أي درج هي بمثابة عائق، هي حائل يمنع الصعود، وهي حاجز للحماية، لكنها أيضاً شيء يمنع بصورة عامة مرور أحدهم. غير أنها معلقة، وبالتالي يمكن أن تفتح، ومن ثم فلا مجال لضياع كل شيء.

ونلاحظ أنه في الرواية يرد ذكر بوابة تحول دون حركة طفلة صغيرة، ولكنها ترد كذلك في أبيات إحدى الأغاني التي تكتبها تاسي، والتي تشمل إشارة إلى درج يفضي إلى السماء.

وهناك أيضاً إشارة إلى بوابة عند الدرج حينما تمضي تاسي للمرة الأولى إلى ثورنوود برينكس لإجراء مقابلة للحصول على وظيفة، حيث البوابة معطلة بعض الشيء، وتاسي تلاحظ ذلك.

وهناك أيضاً بوابة تفضي إلى المزرعة أبوابها تنفتح على طريق تحفه جذور الأشجار، مشكلة نوعاً من الدرب، وفي هذا الدرب تتبادل تاسي وأخوها روبرت الحديث مطولاً.

ما الذي يعنيه هذا على وجه الدقة؟

إنه يعني أن عنوان الرواية متناثر على امتدادها، وأنه قد قصد به أن يشمل كل تفسير يلمسه من قريب أو بعيد.

ويلفت نظرنا، في غضون ذلك أن رجوع لورين مور من رحاب الصمت بعد عقد ونصف العقد ما كان يمكن إلا أن يحظى باهتمام نقدي كبير، انعكست أصداؤه في أبرز الصحف والمجلات المعنية بالقراءات النقدية وعروض الكتب.

هكذا فإننا نجد أن ديردر دوناهيو يكتب في ««يو.إس. توداي» عن هذه الرواية قائلاً: «تتمتع كاتبة القصة التي تحظى بإعجاب شديد لورى مور بموهبة فريدة، فهي يمكنها أن تكون طريفة بصورة صارخة، وفي الفقرة التالية مباشرة يكون بمقدورها نقل إحساس فظيع بالحزن، ولغتها شديدة التألق دوماً».

ويكتب باتريك كوندون، عبر وكالة «أسوشيتدبرس»: «ينتمي هذا الكتاب إلى نوعية الكتب التي تتسلل إليك، فلا تملك خلاصاً منها.

ومور تجتذب القراء بمرحها وميلها إلى التفاصيل الدقيقة والكاشفة للأسرار، وهي تبني شعوراً بالاستثمار في بطلتها السلبية على نحو يثير الإحباط، ثم تطلق في النهاية قفزة عاطفية غير متوقعة».

وعلى صفحات «نيوزويك» يشير مالكولم جونز إلى هذه الرواية باعتبارها: «رواية قوية، مفعمة بالتعاطف، طريفة ومأساوية في آن، وتروى بصورة جميلة طوال الوقت».

ويعرب جوناثان ليثم في مقال بصحيفة «نيويورك تايمز» عن اعتقاده بأن: «مور قد تكون على وجه الدقة الكاتبة الأميركية الأكثر استعصاء على المقاومة والأكثر إنسانية وإبداعاً ودفئاً وبعداً عن الإدعاء، وهي فيما يبدو تكتب بأسلوب غنائي يبدو أنها لا تبذل فيه جهداً يذكر. وهي قادرة على توظيف تعاطفنا وأحزاننا».

وتكتب كوني أوجل في «ميامي هيرالد» قائلة: «تتمتع هذه الرواية بالقوة التي تجعلها تضحكنا وتبكينا في الوقت نفسه على وجه التقريب، وتذكرنا خاتمتها المدهشة التي تمس الفؤاد بأنها أياً كانت المعاناة التي تخوض غمارها، فإنه يظل بمقدورنا الوصول إلى حالة من الإنسانية رفيعة القدر».

وتعرب ميتشيكو كاكوتاني في مقال في صحيفة «نيويورك تايمز» عن اعتقادها بأن: «هذه أقوى رواية لمور حتى الآن، حيث تقدم لنا صورة تستعصي على التصديق لمرحلة نضج شابة في الغرب الأوسط في العام الذي أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وتستكشف الرواية بقدر مدهش من الدقة العاطفية ضوابط الحب وأوجه قصوره والشعور بالوحدة الذي يهيمن حتى على أكثر العائلات انغماساً في الحياة الاجتماعية».

أياً كان الأمر، فإننا نظل في هذه الرواية أمام رحلة نادرة في قلب الغرب الأوسط الأميركي تلقي الضوء على المشاعر والأحاسيس في بلدة جامعية صغيرة، في عام ربما يعد من أكثر الأعوام امتلاء بالتحولات التي ستنعكس على العالم كله لفترة طويلة مقبلة.

تأملات في الخريف

«أقبل البرد متأخراً في ذلك الخريف، فأخذت الطيور المغردة على غرة. وبحلول الوقت الذي انهمر فيه الثلج وهبت الريح، أرغم الكثير منها على البقاء في موضعه، وبدلاً من أن تحلق إلى الجنوب، وعكوفها على التكاثر بعد إتمام تحليقها، جثمت في أفنية دور الناس، وقد أطبقت عليها ريشها التماساً لبعض الدفء. وكنت أبحث عن عمل في مجال العناية بالصغار، حيث كنت طالبة وبحاجة إلى المال، وهكذا مضيت أنتقل من مقابلة بحث عن وظيفة إلى أخرى في هذه الأحياء الجذابة التي كساها الشتاء متجاوزة حشوداً من طيور أبي الحناء التي مضت تنقر الأرض المتجمدة».

مقتطف من رواية «بوابة عند الدرج»

الكتاب: بوابة عند الدرج

تأليف: لوري مور

الناشر: نوف ـ نيويورك 2009

الصفحات: 336 صفحة

القطع: المتوسط

AGate At The Stairs

Lorrie Moore

Knopf, N.Y., 2009

P.336