إنَّ ما يقدَّمه الباحث «حكَم الزمان» في كتابه «أسرار خلف الوجوه» فيه شيء من القراءة الشفوية المتداولة عن الوجه وأطرافه وأجزاء الجسد الإنساني والحيواني، معتمداً على الفراسة التي أخذتها العرب عن اليونانيين؛ إذ كان عندهم لكل وجه إنساني إسقاط على وجوه بعض الحيوانات، واعتبروا أن كل وجه آدمي يأخذ من نظيره بعض الصفات الهامة التي تعكس طبيعته الخاصة وصفاته العامة المعروفة.
وقد قسَّم العرب هذه الوجوه إلى عدة أقسام وسموها بمسميات هندسية خاصة للدلالة عليها، فمنها المستدير والمربع والمثلث والمستطيل.
وقاموا بدراسة تفاصيل كل وجه من الجبين إلى الحاجبين والعيون والأنف والذقن، ولم يكتفوا بذلك بل راحوا إلى أبعد بكثير حيث أنهم ربطوا بين هذه التقاطيع، وجعلوا من الخط الرابط بينها قاعدة أساسية لتحليل معاني هذه الوجوه، وتعمَّقوا في هذا العلم إلى أن وصلوا إلى الربط بين التقاطيع في الهيئة واللغة التعبيرية للجسد والخط والموسيقى وأمور أخرى.
مما رسَّخ هذا العلم وصار ينتشر وتتوسع معارفه حتى وصل إلى الغرب الحديث فاستفادوا منه بطريقة كبيرة ومهمة في حياتهم، وحوَّلوه إلى علم يُدرَّس في أهم الجامعات التي تهتم بعلم الفلسفة والاجتماع والتربية والتجارة، ولكنهم نسوا بأن مفتاح سر هذا العلم هو التسامح الذي ينتج عنه الحب، وهو ناتج المحبة التي تكون بدورها أحد أهم مفاتيح الوصول إلى المعرفة التي يسعى الجميع لإدراكها واكتسابها.
ولذلك بقي الغرب يبحث عن أسرار هذا العلم، واستطاع عدد ممن يتقنون فنونه أن يمتلكونه وقد سمُّوهم (الوسطاء)، لكن بقيت هذه المناهج الغربية ناقصة في جوهرها إلا عند الذين تعرَّفوا على قانون التوحيد والإيمان. يبدأ الكاتب «حكَم الزمان» تحليلاته بالحيوانات فيأخذ «الأسد» على أنه حيوان رفيع الهمة دائم الشعور بالحيوية، صبور وجريء صاحب قوة وعنف، يمتلك الفعل والقرار، ولا يحب أن يتدخَّل الأغراب بحياته.
ومن سلبياته: الشدة والتمسك بالرأي، ولا يعرف الديمقراطية في الحوار إلا في حالات نادرة وقليلة، وتنطبق هذه الصفات على الوجوه الآدمية التي تتقاطع بصفاتها الشكلية مع وجه الأسد بالتحديد.
أما «الدب» فهو خبيث جداً ويترافق خبثه بجهل كبير في معظم الأمور، لذلك فهو صاحب غفلة وغدار، كما أنه من الشخصيات العابثة، بينما «الضبع» فهو قوي جداً، ويحمل الضغينة والكره لكل ما حوله، وهو غليظ الطبع أناني، كما يؤخذ على أصحاب هذا الوجه محبتهم للأكل والجنس والمال ولا يهتمون للطُرق التي تمكِّنَهم من الحصول على ما يريدون مهما كان الثمن.
في حين يرى أن «الخنزير» دنيء النفس حقود ومقدام لكن مع جهل كبير، فهو يحاول أن يظهر في موقع الشجاع ولكن ذلك يكون في المكان والزمان الخطأ، ويتصف بأنه لجوج يتحدث كثيراً ولكن حديثه ليس له جوهر أو شكل مفيد، وهو دائم السعي لمصاحبة الأقوياء والأثرياء ويمارس سلطته دائماً في المواقع التي يتواجد فيها الضعفاء.
أما «الثعلب» فهو محتال كبير ويمتلك من المكر والخبث الشيء الكثير، ويشعرك بأنه شخص ذليل بطبعه وغير حريص على كرامته، كما أنه مراوغ من الدرجة الأولى وهذا ما يجعله من الشخصيات المميزة في الوسط السياسي والدبلوماسي.
على عكس ذلك نرى «البقر» صاحب ألفة لا يستطيع أن يعيش بمفرده، وهو ميال إلى القناعة والتسليم في كل أمور حياته، ويتمتع وجه البقر بالذكاء والصبر. أما «البغل» فيتصف وجهه بالخبث الكبير كما أنه لا مبدأ ثابت عنده، وخائن حتى لنفسه ولا يستطيع أن يثبت على موقف أو رأي.
بعد ذلك يقرأ الباحث «حكَم الزمان» الوجوه الآدمية فيعتبر أن صاحب الوجه «المستدير» هو ممَّن يتولون قيادة فريق المفكرين وأصحاب القوة والقدرة التنفيذية، ووجهه يدل على الزعامة والقيادة والسلطة كما يدل على تفهم كبير لوجهة نظر الآخرين ويتصف بالمسامحة. فيما يتصف صاحب الوجه «المثلث» بقوة العقل وبتصميم الخطط، والتفكير العميق، وبأنه يستطيع أن يخفي عوالم الألم لديه بشكل كبير، كما يعتبر من أصحاب الحكمة.
ثم يتناول الباحث أنواع وأشكال الجبين ؛ فصاحب الجبين الضيِّق يدل على أن صاحبه بسيط الطبع لا يحمل في مكنوناته الداخلية الكثير من التوجهات المبرمجة، ويتصرَّف بفطرته وطبيعته.
بينما صاحب الجبين العريض فهو من أصحاب الحكمة والتريث في اتخاذ أي قرار ويتمتع بصدق وصراحة كبيرة. بينما صاحب الحاجبين القريبين من العين فهو حريص على أموره الشخصية والمادية ؛ فيما صاحب الحواجب المعتدلة فهو كريم يعرف كيف يوظف طاقته الحالية.
أما الموسيقى فلها بحث يتحدث فيه عن تأثيرها فيرى أن من يستمعون إلى مقام «الصبا» فهم من أصحاب المزاج الحزين وميالون إلى الهدوء والراحة. بينما مقام «النهوند» فمزاج مستمعيه متوازن ويقومون بإخفاء آلامهم ولا يحبون أن يظهروا بموقع الضعف.
كما أنهم يتصفون بالصبر والقوة والوضوح والتعبير عن آرائهم. مقام «العجم» أصحابه من الشخصيات التي تظهر همومها العاطفية وليس العملية وحريصون جداً على النجاح في عملهم.
مقام «البيات» أصحابه كثيرو التفكير والتأمل ويخفون أحزانهم بكثير من الكبرياء. مقام» السيكا» هم من الشخصيات المرحة التي تدمج اللعب بالجد ولا تستطيع إدراك أبعاده إلا بالمواقف الشديدة والحزينة التي تقتحم حياتهم. مقام «الحجاز» هم عاطفيون جداً، وعوالمهم الداخلية أقرب إلى الصوفية.
مقام «الرصد» أصحابه عمليون يجيدون فن التجارة ويتمتعون بذكاء شديد. أما مستمعو مقام «الكورد» فيتصفون» بالهدوء الشديد والرصانة والوضوح في التعامل، لكنهم سرعان ما يتحولون إلى بركان كبير لا تخمد ناره في حال تضاربت مصالحهم أو اكتشفوا بأنهم خدعوا.
أما الحروف فلها فصل يعتبر فيه الكاتب «حكَم الزمان» أن لكل اسم أبعاد يتألَّف منها، وكل حرف له بعد ينفصل وإن اجتمع مع مجموعة أعداد أخرى، ولكل حرف مقومات وصوت لفظي وشكل يتوافق مع هذا الصوت أو يختلف معه، وخير الأسماء ما كانت متوازنة في شكلها وصوتها مبتعداً عن الأحرف المنقوطة، وتكون أبعاد الحرف المنقوط بنقطة واحدة أبعاد متوافقة في اللفظ والموسيقى الصوتية أكثر من غيرها، وتكون الأسماء المبتدئة بحرف غير منقوط ومنتهية بحرف منقوط بنقطة واحدة أسماء متوافقة متوازنة.
أما الأسماء التي تتكوَّن من أحرف منقوطة في بدايتها وأحرف منقوطة في نهايتها مثل كلمة (فرقان) فهي أيضاً متوازنة ولكن بصوت أكثر.
أما الأسماء المنقوطة بأكثر من نقطة فتكون أسماء غير متوافقة وتنتمي إلى أبعاد الحرف السالبة مثل (القاف والثاء والشين) وهي أحرف غير متوافقة مع البعد الموسيقي في اللفظ، لذلك يجب عدم تداولها قبل دراستها بشكل دقيق ومن أصحاب المعرفة بهذا العلم. كذلك تنسجم الأسماء في مكوناتها بأبعاد الحرف مع عدد الأحرف في الاسم، ونؤكِّد هنا أهمية الرقم بعدد الحرف في الاسم. وللرقم أهمية كبيرة في اختيار الاسم.
الكتاب: أسرار خلف الوجوه
تأليف: حكَم الزمان
الناشر: دار الشرق دمشق 2009
الصفحات: 206 صفحات
القطع: الكبير
أنور محمد
