يرى مؤلف كتاب « التنوير في الانسان» أن الفيلسوف لم يعد واحداً من أولئك المفكرين الذين ينتظرون المشكلات ليتناولوها من الخارج، بل أصبح قطعة حية من جسد الواقع وشريحة لا تنفصل عن روح العصر، فتفكيره وليده حياته، وفلسفته ربيبة عصره، وبمقدار ما يتأثر بزمنه الذي يعيش فيه بمقدار ما يؤثر في الإنسانية من حوله.

وبناء على ذلك يحدد راهينة «فلسفة» الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، بوصفها فلسفة الجهد والتوتر والصراع؛ الجهد النابع من تأثر صاحبها بالأحداث العلمية والتاريخية والجغرافية، والتوتر المنبعث من معاناته الشخصية والنفسية، والصراع القائم بينه وبين قضايا الأخلاق والدين والسياسة والاجتماع وغيرها من القضايا الإنسانية التي تتطلب حلولا فلسفية، فكرية، ناجزة، يُراد بها التصدي بكل شجاعة لأزمة عصره والعصور اللاحقة.

وتناول روسو في فلسفته العالم والذات والآخر، والتاريخ والسياسة والدين والمعرفة، وكانت مهمته عسيرة، وتتجذر في العرضي والوقائعي، في عمق السطح وفي طيات المجتمع، في بنية الوجود وفي معناه الإنساني. إنه من الفلاسفة الذين ارتبطوا بالوجود في معناه الواسع، وكانوا يسعون إلى فلسفة ذات «حقيقة حية»، مشتعلة، تقربهم من الوجود الحقيقي، وتصبح «فلسفة عينية» حسب المفكر والأديب الفرنسي غابرييل مارسيل.

وأراد من خلال فلسفته العينية، أن يقوم بتفجير العقائدية والأيديولوجية الدوغمائية، التي تقوم كالغمامة السوداء توجه أنظار الناس وجهة واحدة، وتمنعهم من رؤية المعنى الفعلي، ذلك أن الدوغمائية، أو الجمود العقائدي، تسعى إلى سد المنافذ إلا منافذها، وإغلاق المنافذ يعني تخليد للجاهز، واعتصام بالانغلاق، وتعوذ من السؤال، وتحصن ضد مواقع الفراغ، بل وملء الفراغات التاريخية التي تمتلكها قوى الهيمنة والسيطرة المتحالفة ضد الحياة.

ويعتبر المؤلف أن جاك روسو عمل على تفجير المغلق في الحياة، بوصفه طريقاً إلى تأكيد المفتوح والثري والممكن واللا مكتمل في الموضوع والذات على حد سواء، اعترافاً بأعضاء الحس في فرادتها وتآزرها، والتفاتاً إلى اللا متطابق، وإعادة النظر في ما اعتقد البشر أنهم فكروا فيه جيداً كالسلطة والحرية والمجتمع والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والعنصرية والطبيعة، واهتماماً بما يتشكل وينتج من المعاني والأفكار.

ويمتاز في أنه أطاح بصرح الأداء الصوري للفلسفة والمتمثل بصرامة أدائها النظري، وبخطابها المغلق على نوعه المعرفي، من خلال لجوءه إلى أساليب أدبية، وبيانية، وتخييلية، وشعرية، للتعبير عما هو فلسفي في جوهره.

وبعد أن قام بفعل ذلك كله متزامناً مع التطور والترقي المعرفي لعدد من العلوم والدراسات والآداب والفنون، وفتح الباب أمام أطروحات جديدة للمجالات والحقول غير الفلسفية، كي تشتبك مع الفلسفة وأن «تُنجب» نفسها من خلالها، أي من خلال التعبير عن رؤاها وأفكارها، وذلك بصيغ مزدوجة تنتمي إلى الفلسفة عبر القضية الكبرى، والموضوع ذي الطابع الكلي، الذي تريد التعبير عنه، في الوقت الذي تُهمل فيه انتماءها إلى ميدانها الخاص المصّنف على أنه غير فلسفي.

وفي كتابه «خطاب في أصل وسس وعدم المساواة بين البشر»، يبيّن روسو في أن الإنسان مشروط بمحيطه البيولوجي، والفكري، والأخلاقي والتاريخي، يتغير من عصر إلى آخر، ويختلف من مجتمع إلى مجتمع، وينعكس كل ذلك على الإنسان وتصرفاته، وبالتالي فلا يوجد إنسان خالد، أو أبدي، يتجاوز الزمان والمكان كما كانت تتصوره الفلسفات المثالية أو اللاهوت التقليدي، لأن الإنسان مشروط بمحيطه الطبيعي، مثله في ذلك مثل بقية الكائنات الحية، ولكن النظرة المثالية الوعظية أوهمت بأن الإنسان كائن يتعالى على الشروط الأساسية للحياة.

ويشكل هذا الانتقال، من النظرة القديمة للإنسان إلى النظرة الحديثة، يشكل جوهر الحداثة، ويعني أن الإنسان يمكنه أن يتغير نحو الأفضل إذا ما تغيرت ظروفه وتحسنت ، لذلك يرى روسو أن اللا مساواة أو التفاوت الهائل بين الأغنياء والفقراء في المجتمع هو سبب كل الاضطرابات، والانحرافات، والجرائم والشرور، ولو وفّر المجتمع، أي مجتمع، لكل إنسان حاجاته الأساسية، من الطعام والشراب والسكن والملبس والحياة الإنسانية الكريمة، فإن الجرائم والمشاكل ستختفي من ساحته أو ستتقوّض إلى حد كبير.

غير أن الرسالة الأساسية لخطاب عدم المساواة هي رسالة ذات نزعة أخلاقية رفيعة، تفيد بأن المصدر الرئيس لمصائب الإنسان ومحنته تكمن في رغبة الإنسان في السيطرة، وفي التملك، وفي خطف الأنظار، وفي التباهي والإعجاب بالذات، وفي إرضاء نزواته، جميع هذه الرغبات التي تيسرها الحياة المتحضرة.

ويعتبر «العقد الاجتماعي» من أبرز كتب روسو، كونه يحتوي على مبادئ حقوق الإنسان التي يفتخر بها العالم كافة، كما يتضمن الكثير من المبادئ والأسس التي تبناها الدستور الأميركي والثورة الفرنسية والثورات والانتفاضات اللاحقة، ومن أهم تلك المبادئ ثُلاثية: الحرية والإخاء والمساواة.

وفيه كثير من أفكار روسو الراديكالية المفصلة، حيث لا يكتفي بالتبني الصريح لفكرة الأصل الإنساني، لا الإلهي، للسلطة، بل يرى أن هذه السلطة ينبغي ألا تنقل من شخص إلى آخر، بل أن تسلّم مثل الأمانة إلى الخادم، فالسلطة حق لا يمكن التصرف فيه أبداً، وما أعاره الشعب إلى حكومة معينة ـ لفترة محدودة ـ من حقه أن يسترده إن شاء، ذلك أن المصلحة العامة، بوصفها المصدر الوحيد للسلطة، تعبر عن نفسها عبر ما يسميه روسو» الإرادة العامة» التي بدورها تترجم إلى قوانين.

ويسجل لجان جاك روسو تحرره المبكر من دعاوى العرق والجنس والطبقة والتعصب والعنصرية والعقائدية وسلطة القوة، ودافعه عن قيم التسامح والتعددية والتنوع الثقافي الإنساني، وطالب بتبني ثقافة إنسانية متساوية، تختلف ولا تتنافى، تتباين ولا تتناكر، تتقاطع ولا تنعزل.

كما آمن بأن تنمية التواصل بين البشر، الأوروبيين وغير الأوروبيين، من شأنه أن ينجح في يوم من الأيام في جعل هؤلاء البشر يعيشون حياة ملؤها التفاهم والوئام، وفي ظل تقبّل تنوّعهم واحترامه.

وعكست كتاباته أهمية وحدة كل الناس الأساسية، بالرغم من الاختلافات الحضارية، التي أوجدتها صراعات الدول خلال القرون السابقة، وعلى مرّ الأجيال السالفة.لا شك في أن كتابات جان جاك روسو، ومراسلاته ومداخلاته، قد أثرت في أجيال كثيرة.

وخاصة الجيل الذي حمل شعارات الثورة الفرنسية عام 1789، واستوحى الدستور الأميركي عام 1787 العديد من أفكاره، واستفاد منه كذلك واضعي مبادئ حقوق الإنسان، كونه من أكثر المفكرين الذي فكروا في حرية الإنسان وحقوقه، والمساواة بين البشر، وسخّر اهتمامه بغية إيجاد صيغة قانونية وحضارية، تعيد إلى الإنسان، أياً كان، حريته وكرامته، من منطلق أن أي إنسان لا يملك الحقّ في السيطرة على إنسان آخر، وطالب بأن يصبح الإنسان الفرد عضواً حراً في الجماعة، عبر «العقد الاجتماعي»، بوصفه عهداً يقطعه حيال الجماعة، يهب فيه الفرد نفسه للجماعة.

المؤلف في سطور

الدكتور عقيل يوسف عيدان، باحث وكاتب كويتي، وعضو في عدد من المنظمات المدنية، مثل رابطة الأدباء في الكويت، وجمعية الصحافيين الكويتية، ورابطة لاجتماعيين الكويتية، والجمعية الكويتية لحماية البيئة، ومركز الحوار للثقافة ومنظمة التحالف العالمي. أصدر عددا من المؤلفات، منها: «العقل في حَريم الشريعة ـ العقلانية عند الشيخ محمد عبده، 2005»، و«أوجه المكعّب الستة ـ ألعاب اللغة عند فتغنشتاين، 2007».

و» الليبرالية، 2008»، و«غاليلو الأسئلة المبصرة والأجوبة العمياء، 2009»، وحقق وترجم كتاب «الجميل والمقدس - دراسات غير تقليدية في الحضارة الإسلامية، 2008»، كما ترجم عن الإنجليزية كتاب «في الحرية والديمقراطية، 2009».

الكتاب: التنوير في الإنسان شهادة جان جاك روسو

المؤلف: عقيل يوسف عيدان

الناشر: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف بيروت 2009

الصفحات: 158 صفحة

القطع: المتوسط

عمر كوش