ينطلق كتاب «المجتمع المدني والديمقراطية» لمؤلفه علي عباس مراد من فرضية مفادها، أن اعتلال الواقع العربي وتعدد أزماته، يعود ـ بالدرجة الأولى ـ إلى الغياب الكامل لمبادئ الديمقراطية وقواعدها وآلياتها، عن العلاقة بين السلطة السياسية والمجتمع المدني. ولذلك يعتقد المؤلف أنه لابد من البدء أولاً بمعالجة علل الواقع السياسي العربي، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، التي لا تكاد تُرى.

ويستند المؤلف في فرضيته تلك: على تحليل واقع سيطرة المركز السياسي السلطوي العربي على كل مفردات الحياة وعناصرها، وتحكمه في كل مفاصلها وتفاصيلها، سواءً بشكل معلن أو خفي، مباشر أو غير مباشر، مما يعني في النهاية أولوية الشأن السياسي وأسبقيته على أي شأن سواه. ويذهب المؤلف إلى أن أحد أهم أسباب التخلف هو أزمة التخلف السياسي، وجوهر التخلف السياسي ومصدره هو غياب المشاركة السياسية الشعبية، أو شكليتها وانعدام فاعليتها. ولذلك فإن تحقيق المشاركة السياسية وتفعيلها في البلدان العربية هو شرط تحقيق التنمية الشاملة. كما يدعو المؤلف إلى تجديد المشروع القومي العربي، وإخراجه من أزمته الحالية، عبر تطعيمه بمقولات الديمقراطية والمشاركة السياسية والشرعية الشعبية، وحجته في ذلك أن غياب الديمقراطية عن علاقات التفاعل السلطوي حولت الأنظمة القومية إلى أنظمة لا شرعية وغير مستقرة. ذلك أن حرمان المجتمع المدني من حقه في صياغة الاتجاهات الأساسية للعملية السياسية، حوله إلى مجرد خاضع للنظام السياسي ومجرد مؤدي لوظائف السلطة اللا شرعية.

وقد ترتب على ذلك، فقدان النظام السياسي القبول الإرادي للمجتمع المدني ورضاه عن ذلك النظام، وهو شرط سعت إله كل الأنظمة السياسية في العالم، ولا سيما الثورات الكبرى، كالثورة الفرنسية والانجليزية والأميركية، وذلك لضمان شرعيتها واستمراريتها واستقرارها.

فمشكلة الأنظمة العربية أنها تعتمد في شرعيتها على القوة القسرية وتستخدمها لفرض وجودها وسيطرتها على المجتمع، ولفرض الاستقرار المزيف الذي يخفي تحته تناقضات لاتنتهي، وعلى ذلك فإن المؤلف يرسم مخرجاً سياسياَ لتلك الأنظمة بتحويلها القوة إلى حق، والطاقة إلى واجب، كما كان يقول جان جاك روسو.

أما المشكلة الأساسية التي يعاني منها الخطاب الإسلامي المعاصر، فهي مدى توافق مقولتي الشورى والديمقراطية. فقد ذهب فريق إلى رفض الديمقراطية بوصفها مقولة غربية و«نظام لم تأت به العقيدة الإسلامية» حيث يؤكد هذا الفريق وجود قطيعة كاملة بين الشورى والديمقراطية، لأن الديمقراطية تذهب إلى جعل الحاكمية للشعب، بينما تذهب الشورى لجعل الحاكمية لله.

أما الفريق الثاني فيذهب خلاف ذلك تماماً ليؤكد على وجود توافق بين الإسلام والديمقراطية، لدرجة أن هناك من يؤكد على أن «الإسلام أبو الديمقراطية»، وأن حديث الإسلام عن الحريات السياسية وضرورة التعبير الحر عن الرأي والمساواة في الحقوق حديث لا ينتهي.

أما المؤلف فإنه يدين الفريق الأول لأنه غالى في معارضته للديمقراطية ورفضها متناسياً مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على الاستجابة للمستجد من الأحوال. كما يذهب إلى أن الفريق الثاني بالغ في تبنيه للديمقراطية وإهماله خصوصية الدين الذي يُبقي الديمقراطية خارج أسواره.

وينهي الباحث علي عباس مراد كتابه بدراسة نموذج «العراق» لتطبيق الديمقراطية في البلدان العربية، حيث ينبه إلى مجموعة من المخاطر قد تؤدي إلى فشل التجربة الديمقراطية في العراق، وتتمثل هذه الصعوبات بصعوبات خارجية وداخلية، والداخلية هي أولاً في وجود الاحتلال الأميركي وقدرته على التأثير الواسع في الحياة السياسية، وثانياً في اختلاف دول الجوار في انتماءاتها القومية والمذهبية الاسلامية.

أما الصعوبات والمخاطر الداخلية فتتمثل أولاً في؛ إمكانية أن تنفصل الأقاليم الفيدرالية عن الوطن، وثانياً في ضعف السلطة الفدرالية المركزية، وثالثاً في انفراد الأقاليم بحرية التصرف بمواردها.

وينهي علي عباس مراد كتابه بضرورة التأكيد على أن الديمقراطية هي مفتاح التنمية والاستقرار بل هي صمام الأمان لكل مشكلات الأنظمة السياسية العربية.

المؤلف في سطور

علي عباس مراد، مفكر عراقي مهتم بالشؤون السياسية. له العديد من الكتب أبرزها: المجتمع المدني والديمقراطية في تجارب التحديث العربية بالإشتراك مع فتحي البعجة 2005، دولة الشريعة: قراءة في جدلية الدين والسياسة عند ابن سينا.

الكتاب: المجتمع العربي والديمقراطية

تأليف: علي عباس مراد

الناشر: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت 2009

الصفحات: 184 صفحة

القطع: الصغيرة

رشيد الحاج صالح