يركز نائل حنون في كتابه «مدن جديدة ومواقع أثرية» على العصرين الآشوريين الوسيط والحديث لأنهما يقدمان معاً أكبر عدد ممكن من الوثائق المسمارية التي تصف المنطقة. كما شهد العراق الشمالي ازدهار الدولة الآشورية خلال هذين العصرين. وتم تأسيس مدن، وانضمام مدن أخرى للسيادة الآشورية.

يقسم الكتاب العراق الشمالي إلى أربع مناطق، هي: منطقة غربي نهر دجلة، ومنطقة ما بين دجلة والزاب الأعلى، ومنطقة ما بين الزابين الأعلى والأسفل، ومنطقة الزاب الأسفل.شهد العراق الشمالي منذ سقوط العاصمة الآشورية نينوى عام 612 ق.م. وحتى قيام النظام الإداري الحديث في سبعينيات القرن العشرين أنظمة إدارية مختلفة في ظل نظم سياسية متغيرة. بدأت الدولة الآشورية تفقد سيطرتها على المدن التي بدأت تتهاوى واحدة تلو الأخرى مع بداية سيطرة الامبراطورية الأخمينية على بلاد الرافدين عام 539ق.م.، وتم اندماج بلاد آشور مع بلاد بابل لتكونا معاً الإقليم الحادي عشر من الأقاليم العشرين التي قسمت لها البلاد الواقعة تحت سيطرة تلك الامبراطورية. وتم فصل بلاد آشور عن بابل عام 478 ق.م.

لتندمج مع سوريه وفلسطين وقبرص. في نفس الوقت كان العراق الشمالي مسرحاً للنزاع ما بين الامبراطوريات السلوقية والرومانبة والفارسية. كما دخلت أرمينيا على الخط بغزوها إقليم حدياب عام 83 ق.م.، حتى أعاده الفرس بعد عشرة أعوام من الاحتلال. واستمر تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق هي : عربستان، حدياب، وآشورستان، وهو التقسيم الذي ظل حتى الفتح العربي الإسلامي عام 637 م.

ومع وجود الأراضي الخصبة والظروف المناخية المناسبة ومصادر المياة المنتظمة المتمثلة في أنهار دجلة والزاب الأعلى والزاب الأسفل والعظيم وكسروان وديالى، بدأ وجود الإنسان القديم في هذه المنطقة. ويؤكد علماء الأنثروبولوجي على أن إنسان النياندرتال عاش في تلك المناطق، ووجدت بقاياه في كهوف شانيدار على سفح جبل برادست المطل على نهر الزاب الأعلى.

وعاش هذا الإنسان في العراق الشمالي قبل أكثر من 45000 سنة.. ظهرت القرى الأولى في كرستان مثل: زاوي جي، كريم شهر، وكردي جاي. وظهرت أقواو اتخذت من المناطق الجبلية مكاناً لاستقرارها مثل: الكوتيون، الكاشيون، الميديون، والسوبارتيين الذين ذكروا في نصوص الألف الثالث قيل الميلاد وشكلوا أغلبية سكات العراق الشمالي في عصر الدولة الآشورية.

ودخل في التكوبن السكاني للدولة الشورية الأكاديين، والآموريين، والأقوام الجبلية سواء الأصليين أو النازحين. وفي الألف الثاني قبل الميلاد تزايد الوجود الآرامي. وشهدت عهود ما قبل الإسلام الظهور العربي في المنطقة شبه الجبلية.

ويستعرض الكاتب المناطق المكونة لشمال العراق، والمشار إليها فيما سبق، من خلال دراسته للأنهار والجبال ومراكز المحافظات والمدن والمواقع الأثرية ومراكز المحافظات والأقاليم في كل منطقة من مناطق العراق الشمالي الأربع، كلٍ على حدة وذلك بهدف التعرف على المعالم التي تتمثل في 11نهرا، و22جبلا، 36مركز محافظة وإقليم، و114مدينة، وهو ما يمثل 9% من مجموع المواقع الأثرية التي يعود تاريخها إلى العصور الآشورية.

يؤكد نائل حنون على أن الغالبية العظمى من أسماء المئات من أماكن الحياة التي قامت في تلك المناطق خلال العصور الآشورية لاتزال مجهولة بالنسبة لعلماء الآثار. ويؤكد الدكتور حنون على أهمية وجود عمل ميداني أوسع بهدف التعرف غلى ما تحتويه تلك المواقع التي لا نزال نجهل تاريخها المسجل في النصوص التاريخية.

كما أن دراسة الجغرافية التاريخية للعراق الشمالي، العراق كله ومعه سوريه، سوف يؤدي إلى تضييق الفجوة الموجودة في المعلومات حول المدن القديمة على وجه الخصوص، وتاريخ المشرق القديم وحضارته بشكل عام.

إن استمرار أعمال المسح الأثري في المنطقة أمر مهم يمهد الطريق لدراسات أوسع في الجغرافية التاريخية من خلال النصوص القديمة. إن دراسة العراق الشمالي في العصور الآشورية خطوة هامة لفهم الجغرافية التاريخة لهذه المنطقة في العصور القديمة الأخرى أيضاً.

المؤلف في سطور

الباحث العراقي الدكتور نائل حنون أستاذ التاريخ بكلية الآداب جامعة دمشق. العميد السابق لكلية التربية جامعة واسط، وكلية الآداب جامعة القادسية.

عضو اتحاد الكتاب العرب. له 22 بحثا وأحد عشر مؤلفاً منها: المعجم المسماري، وشريعة حمورابي، والحياة والموت في بلاد الرافدين القديمة، وملحمة جلجامش، والمدافن والمعابد في حضارة بلاد الرافدين القديمة، وقصة الخليقة البابلية، وحقيقة السومريين، وعقائد ما بعد الموت في حضارة وادي الرافدين.

الكتاب: مدن قديمة ومواقع أثرية دراسة في الجغرافية التاريخية للعراق الشمالي

تأليف : د. نائل حنون

الناشر : دار الزمان للنشر والتوزيع ـ دمشق 2009

الصفحات: 488 صفحة

القطع : الكبير

محمد جمعة