يحاول على صقر أحمد في كتابه «النقوش التدمرية القديمة» محاولة تسليط الضوء على موقع مدينة «تدمر» في المدوّنات المسمارية منذ القرن الثامن عشر ق.م. منذ مطلع الألف الأوّل ق.م.
حيث بدأت قبائل عربية وآرامية تتجمع فيها، وتسيطر على أطراف باديتي الشام، ثم خضعت كغيرها من المدن السورية للسيادة الآشورية فالكلدية البابلية فالإمبراطورية الأخمينية، حتى غزا الإسكندر المنطقة برمتها في 333 ق.م. وقد تابع خلفاء الإسكندر فرض سيادتهم السياسية على سكان المنطقة إلى أن جاء الاحتلال الروماني، فوقعت مدينة تدمر تحت إمرته وذلك في 41 ق.م. ثم بدأت تظهر ملامح الرغبة في الاستقلال عن روما، فكان ذلك الشرارة التي لفتت انتباه الرومان إلى النتائج الخطيرة المترتبة على خروجها عن طاعتها، فاندفعت إلى محاربتها بكل قواها وأجهزت عليها وأعادتها إلى سيادتها.
فقدت تدمر بعد ذلك أهميتها بسبب الدمار والتخريب الذي لحق بها وانتهاء مقومات الأمان فيها، فبدأ كثير من أهلها بالارتحال عنها، وأهملت ولم يعد لها دور متميز في التاريخ. لكن اللغة التدمرية حافظت على دورها كلغة أساسية وحرّرت بها معظم النقوش التدمرية الرسمية والشعبية، ولم يستطع المحتلون فرض لغتهم بديلاً عنها. يعود تاريخ تلك النقوش التدمرية الآرامية حسب علي صقر أحمد إلى الفترة التاريخية الواقعة بين 44 ق.م. ـ 273 م، ويصنف الباحثون الآرامية التدمرية ضمن الآرامية الغربية، لكنهم يقرون بوجود مظاهر لغوية تشترك فيها مع السريانية المصنفة ضمن المجموعة الآرامية الشرقية، وكذلك مع اللغة العربية. لا بد من الإشارة إلى أن النقوش المدروسة كانت عبارة عن ثلاثة عشرة نقشاً (ثلاثة أصلية وعشرة مستنسخة)، وتوالت بعد ذلك الزيارات الأثرية والاستطلاعية إلى تدمر، وصدرت عدّة كتب التي تضمَ مجموعات وقواعد ومعاجم عن اللغة التدمرية ونقوشها وأماكن اكتشاف هذه النقوش وأسماء الأعلام والقبائل والأشهر.
وبلغ حصيلة ما اكتشف حتى الآن ما يزيد عن ثلاثة آلاف نقش كتابي مدوّن على مواد مختلفة (تماثيل، مذابح نذرية، عتبات وأعمدة المعابد، ألواح حجرية، شواهد قبور). وتعد هذه النقوش السجل التاريخي والحضاري لتدمر، وقد دونت في مناسبات مختلفة ولأغراض متعددة، ويمكن تصنيفها ب:
1.النقوش التكريمية: «التشريفية» وقد دوّن هذا النوع من النقوش تكريماً لزعيم عشيرة أو رجل من علية القوم، ساهم بهبات كثيرة في بناء معابد المدينة ومرافقها، لذلك كان لا بدّ من نحت تمثال يمثله مرفق بنصّ يخلّد اسمه ويذكر عطاياه، وكان يوضع التمثال في الساحات العامة أو في أروقة البلد.
2.النقوش القبورية: وقد دوّنت على تماثيل نصفية، وهي تصوّر مشهداً عائلياً في وليمة جنائزية ذات طابع طقسي أو رمزي، وألواح وشواهد وواجهات التوابيت والسرر الجنائزية. تتميز المنحوتات الجنائزية بذكر أصحابها كاملة، ثم يضاف إليها أعمال الموتى أو التعريف بهم وتاريخ بناء المدفن للعائلة.
3.النقش القانوي المالي: وهو ما يعرف بـ «نقش التعرفة الجمركية» وهو من أطول النقوش التدمرية وأغناها من حيث المعاني والبناء اللغوي.
4.النقوش النذرية: وتعدّ هذه المجموعة الأطول والأكثر تنوّعاً من حيث الأساليب التعبيرية والصيغ النحوية، وتلقي الضوء على أكثر الجوانب أهمية في تاريخ الإنسان المتمثل في الجانب الروحي الذي يحدّد علاقة العابد بالمعبود وطبيعة هذه العلاقة.
تساعد دراسة النقوش النذرية في معرفة مجمع الآلهة في تدمر ابتداء من الآلهة المحليين إلى الآلهة المهاجر إليها مع الجاليات المختلفة التي اتخذت من تدمر مقرّاً لها، وكان لا بد في هذه الحالة من بناء دور العبادة كي يلجأ إليها المتعبدون لتقديم الولاء والطاعة لآلهتهم.
إن الدارس كما يقول علي صقر أحمد للنصوص التدمرية دراسة لغوية مقارنة يلمس وبوضوح صلة القربى القويّة بين التدمرية والسريانية من جهة، وبينها وبين العربية القديمة من جهة أخرى، ولعل التأثير اللغوي العربي في اللسان التدمري أكثر وضوحاً، وقد برز ذلك في صياغة أسماء الأعلام وبناء الجمل الاعتراضية، وهمزة التعدية العربية و(ال) التعريف حتى أن شكل الخط في بعض النقوش بدأ يأخذ شكل الخط العربي الذي دوّن به عرب الشمال نصوصهم الأولى، إضافة إلى ظهور الكلمات الموصولة.
كما ضم الكتاب 214 نقشاً نذرياً. وقد ثبّت الباحث فيه المكان الذي عثر فيه على النقش، وعلى ماذا دوّن ومحفوظ عند أي جهة، ومكان نشره، تلا ذلك قراءة النقش وترجمته وتحليله.
المؤلف في سطور
علي صقر أحمد كاتب سوري نال شهادة الماجستير والدكتوراة من جامعة حلب، قسم اللغات السامية. له من الكتب: نقوش آرامية من القرنين السابع والسادس ق.م.
الكتاب: النقوش التدمرية القديمة
تأليف: على صقر أحمد
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامة لكتاب ـ دمشق 2009
الصفحات : 344 صفحة
القطع: الكبير
فيصل خرتش


