مؤلف كتاب «الرسائل» هو أديب العربية الأكبر «الجاحظ» عمر بن بحر بن محبوب الكناني الليثي أبو عثمان ولد بالبصرة سنة 163هـ وتوفي فيها سنة 255ه، فلج آخر عمره، وكان مشوه الخلقة قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه.
أما كتابه «الرسائل « فهو من ذخائر التراث العربي وتضم ستة وأربعين رسالة.
من الكتاب: فصل من صدر كتاب في طبقات المغنين:
ثم إنا وجدنا الفلاسفة المتقدمين في الحكمة المحيطين بالأمور معرفة ذكروا أن أصول الآداب التي منها يتفرع العلم لذوي الألباب أربعة: فمنها النجوم وبروجها وحسابها الذي يعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج الطبائع وأيام السنة.
ومنها: الهندسة وما تصل بها من المساحة والوزن والتقدير وما أشبه ذلك. ومنها: الكيمياء والطب اللذان بهما صلاح المعاش وقوام الأبدان وعلاج الأسقام ، وما يتشعب من ذلك.
ومنها : اللحون ومعرفة أجزائها، ومقاطعها ومخارجها ووزنها، حتى يستوي على الإيقاع ويدخل في الوتر وغير ذلك مما اقتصرنا من ذكره على أسمائه وجمله، اجتناباً للتطويل.
ولم يزل أهل كل علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه ويسلكون طريقه، ويعرفون غامضه، ويسهلون سبيل المعرفة بدلائله ، خلا الغناء، فإنهم لم يكونوا عرفوا علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه ، وكان علمهم به على الهاجس على ما يسمعون من الفارسية والهندية إلى أن نظر الخيل البصري في الشعر ووزنه ومخارج ألفاظه.
وميّز ما قالت العرب منه وجمعه وألفه ووضع فيه الكتاب الذي سمّاه العروض. وذلك أنه عرض جميع ما روي من الشعر وكان به عالماً على الأصول التي رسمها. والعلل التي بينها، فلم يجد أحداً من العرب خرج متنها ولا قصر دونها، فلمّا أحكم وبلغ منه ما بلغ أخذ في تفسير النغم واللحون، فاستدرك منه شيئا ، ورسم له رسماً احتذى عليه من خلفه.
وكان اسحاق بن ابراهيم الموصلي أول من حذا حذوه، وامتثل هديه، واجتمعت له في ذلك آلات لم تجتمع للخيل بن أحمد قبله،منها معرفة بالغناء وكثرة استماعه إياه وعلمه بحسنه من قبيحه وصحيحه من سقيمه.ومنها حذقه بالضرب والإيقاع، وعلمه بوزنها، وألّف في ذلك كتباً معجبة وسهل له فيها ما كان مستصعباً على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل وحذق راجح ووزن صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل صحيحة وواضحة وشواهد عادلة، ولم نر أحداً وجد سبيلاً إلى الطعن عليه والعيب له.
ووجدنا لكل دهر دولة للمغنين يحملون الغناء عنهم، ويطارحون به فتيان زمانهم وجواري عصرهم وكان يكون في كل وقت من الأوقات قوم يتنادمون ويستحسنون الغناء ويميزون رديه من جيده، وصوابه من خطأه ويجمعون إلى ذلك محاسن كثيرة في آدابهم وأخلاقهم وهيئاتهم فلم نجد هذه الطبقة ذكروا ووجدنا ذكر الغناء وأهله باقياً.
وهكذا يقدم الجاحظ رؤيته لبقاء الفن الأصيل مدى الزمن.
