كتاب «اسطنبول: الذكريات والمدينة»، لمؤلفه الكاتب التركي الشهير والحائز على جائزة نوبل للآداب 2006 ، أورهان باموق يتميز عن جميع كتبه ورواياته الأخرى، لأنه من أشد الكتب اللصيقة بحياته وذكرياته ونشأته. وشأنه شأن جميع الكتاب والأدباء الذين يحلمون بالكتابة عن مدينتهم، وها هو يحقق حلمه في هذا الكتاب إذ يروي باموق بأسلوبه الشيق تواريخ اسطنبول وحكاياتها وشوارعها وحاراتها وتكياتها ومتاحفها كما لو أنه يدخل عمق التاريخ عبر الكلمات.
وهو لا يكتفي بذلك بل يسعى إلى تحليل أحداث هذا التاريخ ومجرياته، وينقب في الوثائق التي كتبها الغربيون عن هذه المدينة من انجليز وفرنسيين وألمان.. ومن شعراء وأدباء وصحافيين ورسامين ومؤرخين.. أسماء كثيرة يستعرضها في الكتاب بالتوازي مع أسماء آثار وأحياء وأحداث، فنتعرف على فلوبير، غوته، لامارتين، نيرفال، أندريه جيد وغيرهم.. جالوا في اسطنبول وفتنوا بها وكتبوا الكثير عنها سلباً وإيجاباً. ولم يكتف بذكر المؤلفين الأجانب بل استعرض الكتاب الأتراك أمثال أحمد رفيق - رشاد قوتشو ـ طنبنار ـ يحيى كمال وغيرهم.. وفي كل ذلك، يقوم بقراءة تاريخ المدينة قراءة جديدة، ويلقي عليها الضوء الساطع وينير زواياها المظلمة. ولذلك تصبح المدينة حيّة، متفاعلة، وحركية عبر ما اختزنته من ذكريات وأحداث على مر العصور.
وهنا تتشابك سيرة المدينة بسيرة الكاتب، بطريقة لا تقبل الفكاك، مقدماً لها رؤية بصرية تختلف عن كتب التاريخ والجغرافيا والسياحة.
كما يسرد المؤلف صعود هذه المدينة وسقوطها، مما يجعل تاريخها مدوياً، لأنها إمبراطورية كان لها قيمتها بين الأمم، لكنها سرعان ما تقلصت لتعيش منعزلة على شاطئ البوسفور، حزينة ومحبطة وفقيرة. أين ذهب كل هذا البهاء الإمبراطوري؟ وأين ذهب كل هذا الثراء؟ أسئلة لا يستطيع المؤلف الإجابة عنها ما لم يغوص في أعماق تاريخها وتاريخ أسرته، العملية متكاملة بين الذات والموضوع، بين الأنا وبين المدينة: لذا يمزج تاريخها بتاريخ حياة أسرته الكبيرة: الأب، الأم، الأخ، العم، الخالة، الجدة، إلخ... التي هي نموذج لمعظم عائلات اسطنبول.
ويخصص الكاتب فصلا عن آل «أنا»، وفصلاً عن «حزن منازل الباشاوات المهدّم» وفصلاً عن «مناظر البوسفور» أما في الفصل الخامس والعشرين فنتعرّف على «اسطنبول تحت أنظار غربية» وفي الفصل الحادي والثلاثين عن «فلوبير الفرنسي في اسطنبول» ليختم في الفصل الأخير بـ « حديث مع أمي».
ويستعيد الكاتب طفولته وسيرة عائلته وسيرة المدينة التي يعتبر البحر جزءاً هاماً من هويتها وثقافتها.
وتتجلى هذه الهوية في علمانية كمال أتاتورك، حيث فقدت القصور القديمة بريقها ونشأت أحياء جديدة على أطرافها يمثل ساكنوها مجتمعاً آخر ملتبس الهوية مشتت الثقافة بين الشرق والغرب.
وهكذا يستعرض الكاتب اسطنبول السبعينات المليئة بالتناقضات الطبقية عندما كان الغرب بالنسبة لأسره الثرية مثالاً أعلى تحتذى به، وتقتني سلعه وتشاهد أفلامه وتدبلجها. وفي تلك الفترة بالذات، تصاعدت حدة الصراع بين اليسار المتطرف والقوميين وحوّل اسطنبول ساحة معركة حقيقية لا يمر يوم عليها فلا تنفجر قنبلة أو يحصل إطلاق نار. في تلك السنوات، لجأت الطبقة الثرية إلى الفنادق الفخمة وإلى مطاعم الخمس نجوم لكي تقيم الحفلات وتسهر حتى الفجر.
ويسرد الكاتب أيضاً تحوله إلى الكتابة كمهنة له، في مدينة تمده بالإلهام والإبداع إلا أنه كان يعاني من ضغوط عائلته، بين أن يكون رساماً أو مهندساً.
ثم يروي رفض عائلته لأن يكون رساماً وخسارته فتاة حبه الأول، لأن أهلها خافوا أن يزوجوها لرسام. ولكنه يحسم الأمر بقوله: «لن أغدو رساماً.. سأكون كاتباً».
والكتاب عبارة عن خلاصة حياته ككاتب منذ طفولته وحتى مرحلة تجاوزه سن المراهقة وبلوغه العشرين من العمر.
وهو في جانب منه سيرة مدينة، وفي جانب آخر سيرة فنان. وهكذا تتحول اسطنبول إلى العالم، كما لو أنها المدينة الوحيدة في هذا العالم.. دون أن يذكر المدن الأخرى. فاسطنبول هي محور كل شيء ومرآته، والوجود الإنساني.
إنه يطرح بأسلوب صعب وشائك، أسئلة فلسفية ووجودية تتخذ من التاريخ مادتها ومن اسطنبول ديكورها الأسطوري والواقعي في آن واحد. والكاتب لم يغادر اسطنبول إلا مرات قليلة، أقام مرّة في نيويورك، ثم عاد إلى مدينته بحثاً عن أرواحها التي سكنتها.
وهنا يلتقط المعادلة الصعبة من طرفيها: الموروث من جهة، تحديات الثقافة الأوروبية الحديثة من جهة أخرى، فهو يقول: «منذ سنوات طويلة، في زاوية من زوايا عقلي، تمتد حتى الطفولة، يعيش أورهان آخر، هو توأمي ومثيلي في كل شيء، في بيت يشبه بيتنا، وفي مكان ما من أزقة اسطنبول».
«اسطنبول الذكريات والمدينة» كتاب شيق عن مدينة قُيض لها أن تجمع بين الشرق والغرب، دون أن تعرف كيف تنتمي إلى واحد منها، وهنا تتجلى إشكالية هذه المدينة، وربما تتجلى إشكالية هذا الكاتب الذي شّق بأسلوبه الأدبي الحضاري طريقه إلى قلوب قراء العالم، جاعلاً من عمران المدينة إطاراً من المشاعر والأحاسيس والانفعالات.
الكتاب: اسطنبول .. الذكريات والمدينة
تأليف: أورهان باموق
الناشر: فاينتج 2006
الصفحات: 400 صفحة
Orhan Bamuk
Istanbul; memory of a city
Edition Vintage 2006
P.400

